Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:50

2.jpg

رسالة إلى الجندي جيفري

 

         " صديقي جيفري, لقد تردّدت كثير في الكتابة إليك, لكنني أعتقد أن كثيرا من الوقت قد مضى و هو لا يزال يمضي. لقد مرت سنوات طويلة و بصراحة فقد فاجأني أن ما حدث أشبه بما يكون البارحة فقط رغم أن الحقيقة غير ذلك. أتمنى أن تكون بخير هناك و أتمنى أن لا تنزعج من هذه الرسالة, فقد كنت أعلم طوال الوقت أنك قد أوصيت أفراد أسرتك بأن يتكتموا عن مكان تواجدك في العراق و أن لا يمنحوني عنوانك هناك, لكنني و بعد إصرار و عناد طويلين حصلت عليه من شقيقتك "جين". يبدو الأمر غريبا بعض الشيء, لكنني ظللت ألوم نفسي لأنني عجزت عن إقناعك بعدم التطوع في الجيش و الذهاب إلى ذلك البلد البعيد من أجل خوض حرب خاسرة, لكنك اعتقدت سوءا أنني أهين وطنيتك و حبك لبلدك و أنني أنحاز إلى عرقي العربي.

 

 في الأيام الأخيرة أعكف على الاستيقاظ باكرا لأشبع حاجتي في التجوال و السير صباحا زهاء السابعة. منظر طرقات المدينة المبللة بأمطار الليل و أوراق الأشجار الصفراء و الحمراء المُتناثرة في كل مكان مُلهم حقا, إنه أكتوبر, إنه الشهر الذي خلقنا فيه مبادرتنا الصغيرة التي صارت اليوم تستقطب العشرات إن لم أقل المئات من المتحمّسين لها. تلك المبادرة التي تقضي بتحويل الأيام ألأولى من هذا الشهر إلى أيام للرسائل التي تحكي عن الذكريات التي ترتبط مباشرة بأحلام المستقبل المرتقبة, لجعل بداية كل خريف تنطلق بما يلزمها من التفاؤل المنقح بجرعات الحنين و كذا العلاقات المتجدّدة بين الناس الذين يتقاسمون تلك الأحاسيس, إنه الشهر الذي تعرفنا فيه على بعضنا البعض عن طريق اللبناني المشاكس جون أول مرّة قبل ستة أعوام, كنتُ الشخص الأجنبي الغريب الذي جاء سعيا لتحقيق حُلمه الأمريكي آنذاك, و كنت أنت و بعض الأصدقاء أول من وقف معي.... ".

 

يتوقف إلياس عن الكتابة للحظة و هو يُسند ظهره إلى الكرسي رافعا بصره إلى الأعلى قليلا يتذكر تلك الأيام, و يحاول استحضار أهم ما ميز أجواءها في هذا البلد, فلم يتذكر سوى  أحاسيس قلق الاغتراب و الشوق المبكر لأحضان العائلة التي افتقدها كثيرا, كما تذكر أجواء الحرب على أفغانستان آنذاك, لكنه سرعان ما نظر إلى الورق و هم بالكتابة مرة أخرى: " ...لعلك الآن تفهم سبب إصراري على الحصول على عنوانك و سبب مُراسلتي لك, لقد فكّرت في الأمر طويلا لكنني لم أعد أحتمل رؤية الكم الهائل من الرسائل التي يتبادلها المنضمون إلينا في مبادرتنا السّنوية هذه الأيام دون التفكير فيك, و قد كنت من بين المؤسسين لها, فكيف لا تجني بركاتها على حياتك و قد بلغتْ ما بلغتْ من الانتشار و الاستحسان وسط المجتمع المحلي هنا في "نيوجرسي" و في المدن و الضواحي القريبة أيضا, و هي لا تزال في التوسّع ؟.

 

بعد خمسة أعوام لم نلتق فيها لدي الكثير لأخبرك به, على كل حال فأنا لا أزال أواجه مُشكلة السن, لأني وسط هذا المجتمع الذي ينضج أفراده بسرعة لا أزال أبدو بطول قامتي و ملامح وجهي أصغر من عُمري الحقيقي, و كثيرا ما يتسبب ذلك لي في بعض المواقف الطريفة لا سيما مع المراهقات اللائي يستلطفنني. لم أُعجب بعد بلعبة البيسبول لأنني لا أزال أرى كرة القدم أفضل رياضة في العالم. لم أقرر بعد الدخول في علاقة مع إحداهن, فأنا لا أعلم لمَ أشعر بأنني قد أكمل ما تبقى لي من حياة وحيدا أعزب, لكن الأمر لا يثير قلقي لأنني لا أفكر فيه كثيرا, ثم من يعلم فقد ينقلب فجأة إن التقيت بالفتاة المناسبة في الوقت و المكان المناسبين ؟.

 

لقد أكملت دراساتي في الأدب الإنكليزي لكنني أود التدرج فيها أكثر فأكثر مع الاستمرار في توفير المال اللازم لأبتاع منزلا جميل بعد أن ضمنت استقراري التام في البلد, كما أنني لم أتخلّص بعد من عادتي الغذائية الجزائرية المتمثلة في استهلاك الخبز مع كل شيء..., " إيمي" أكملت دراساتها الجامعية لكنها لا تزال تبحث عن وظيفة و قد تجد نفسها مجبرة على السفر خارج الولاية للعثور على عمل, أعتقد أنك تعلم ذلك من خلال رسائلها إليك, لقد صارت امرأة يا صاح, لقد أحسنت الاختيار. جون لم يتغير كثيرا, إنه لا يهدأ من الحركة و لا يشبع التنكيت و اختراع المقالب, لكنه أنشط عضو في المنظمات العربية الأمريكية, فمقالاته لها تأثير غريب يشبه السحر في عقول المهاجرين الراغبين في الاندماج, لكنني معه تعلّمت ما لم أتعلمه في بلدي الأصلي, إنه النشاط الاجتماعي التطوعي. على العموم أنا بخير رغم الشوق الشديد لزيارة وطني الأم و رؤية أهلي.

                                                                        

 كما أني اشتقت إليك يا صديقي, و ككل سنة في مثل هذا الوقت أتذكر كثيرا فضلك و فضل أسرتك علي, و في الحقيقة هذا ما يحطّم قلبي, أشعر بأنني مدين لك بالكثير, أذكر أنك كنت دوما الواقف إلى جانبي عندما كنت أنعت من طرف المتعصبين بالعربي البغيض و المسلم الفاشي, أنت الذي ساهم في تبديد أحاسيس الحذر التي كان يحملها لي معظم من هم أصدقائي اليوم, و هذا هو السبب الوحيد الذي كان يدفع بي لأحاول إقناعك بكل الوسائل بأن تلك الحرب مجرد عمل متهور و جائر على طريقة رعاة البقر لا أكثر, فقد كنت أرى إلى أين ستصل تلك الحرب بأمريكا و العراق على حد سواء, و الغريب في الأمر أن كل الأمم كانت ترى إلى أين ستكون النهاية إلا أنتم ؟. كنت أرى أنك لا تستحق أن تذهب للموت هناك أو أن تتحول إلى شخص يتصرف كالأوغاد و كالمجرمين بسبب الأمراض النفسية التي تسببها فظاعة الحرب, كنت أرى مدى تشوش رؤيتك كغيرك من الأمريكيين, و خلطكم بين حب الوطن و الدفاع عن حريته و بين غزو الشعوب الأخرى لبناء مجدكم على حِساب أمنها و حريتها, أم أنه مفهوم الخير بالنسبة لأمريكا ؟. لا يا صديقي, هذا هو الظلم الذي جلب كل هذا الكره و الحقد على هذا البلد.

 

يتوقف إلياس لحظة ثانية و هو يضع قلمه و يتنهد بعمق يتذكر آخر سجال عنيف وقع بينه و بين جيفري, في تلك الليلة الشتوية الباردة عندما كان الفتى الأشقر يجمع أمتعته للالتحاق بصفوف المارينز. أجل, أيام قرع طبول الحرب و التكالب الإعلامي على نظام صدام حسين, و التقارير الاستخباراتية الملفقة و التحاليل الأكاديمية القاصرة أو المقصرة.., كاد ذلك السجال يتحول إلى شجار عنيف بعد أن شعر إلياس بعجز في إيصال ما يود إيصاله إلى عقل جيفري, لكن بلا فائدة, أتراها كانت مشكلة في مهارات الإقناع اللغوي ؟, أم كان اختلافا في طريقة تفسير الأحداث و رؤية الأمور مادام الصديقان من مجتمعين و ثقافتين مختلفتين ؟, أم أنه كان شرخا كاملا في المفاهيم الفلسفية لمعاني الخير و الشر من الأساس ؟.

 

يستحضر إلياس آخر الجمل التي تراشق بها مع صديقه: ".... أنت لا تفهم شيئا, أتسمي ما سيحدث عملية تحرير ؟, ألا تستطيع أن ترى ببصيرتك الفرق بين التحرير و الاحتلال ؟. اسمعني جيدا, أنا أنتمي إلى بلد اشتهر شعبه بمقاومة الغزاة, عرقيا أو دينيا أو ثقافيا هو يشبه كثيرا الشعب الذي ستذهب لغزوه مع بقية العميان الذين يتبعون العميان الكبار الذين يقودونكم, و صدقني, أقسم لك بأنه لن يكون مرحبا بكم و لن تستقبلوا بالزهور أبدا, أنتم ذاهبون إلى الجحيم...".

 

_ " كل حرب هي جحيم, و إذا تحتم الأمر أنا مستعد للتضحية بنفسي من أجل حماية حرية أمريكا, حديثك هذا يشعرني بالغثيان فأنت تصنع مني جبانا و خائنا. لم تتم تربيتي على التنكر لوطني أوقات الحروب, أنت دافعت عن وطنك عندما كان في حاجرة إليك, الآن هو دوري لأفعل نفس الشيء تجاه وطني. "

 

قالها جيفري و وجهه محمر من الغضب يكاد يلتصق بوجه صديقه العربي عندما كان يمعن النظر في عينيه بكل تحد ليثبت إلى أي مدى هو مُحق و مؤمن بما سيفعل, لكن إلياس يتذكر آخر عبارة قالها و هو يهم بالخروج من غرفة صديقه المجنّد: " لقد فقدت أخا في الحرب كنت أدين له بالكثير و لم أستطع رد دينه, ذكراه لا تزال مشتعلة في قلبي, و أنا لا أريد أن يتضاعف سلطانها علي ".

 

بعد أن عاد إلى الحاضر, حمل إلياس قلمه مرة أخرى و قد أدرك أنه ابتعد عن رسالته المكتوبة لبعض الدقائق, فهم بإعادة قراءة ما كتب و أين توقف ليكمل الكتابة... " لقد كُنتَ واثقا كل الثقة يا جيف بأن تلك الحرب لن تدوم أكثر من سنة, و بأنكم ستطيحون بالدكتاتورية و تتخلصون من أسلحة الدمار الشامل التي تهدّد أمن و راحة العالم, تحررون الشعب المُستعبَد و تسلمونه وطنه المحرر على أيديكم, و بأنكم ستغادرون كما دخلتم, فقط في صورة الأبطال. كنت تقول بأنك ستعود لتتزوج إيمي و بأنك ستعلّق الأوسمة التي ستكسبك إياها بطولاتك على صدر أول رضيع ترزقان به. لكم يؤلمني أن أراك و بعد مرور خمس سنوات لا تزال عالقا هناك, لست أعلم ما وضعك الشخصي بالضبط لكنني أتابع أخبار الحرب باهتمام منذ اندلاعها, و أرى كما يرى العالم أجمع ما تواجهونه, هذا هو ما أردتُ تحذيرك منه بالضبط يا صاحبي, و بقدر ما أتمنى سلامتك هناك بقدر ما أتمنى أن تساهم هذه الحرب في تغيير نظرتك للأشياء, و تجعلك تعيد النظر في مفاهيمك و مدى تناغمها مع المفاهيم المتفق عليها في العرف الإنساني, فأنا أعلم أنك رجل صالح.

 

و كما للمآسي بداية, فإن للأمل بداية أيضا كفيلة بإنهاء تلك المآسي, فالانتخابات الرئاسية على الأبواب و لعلها تكون فرصة لعهد جديد من التغيير. لقد اقتنعت أمّتنا بمدى الأضرار التي جلبتها سياسة الجمهوريين الرعناء في العراق على أمريكا, و كيف هزت من صورتها الأخلاقية أمام الأمم التي باتت تكرهها أكثر من أي وقت مضى, حتى حلفاؤها فقدوا ثقتهم بها, أعتقد أن ما حدث لا يمكن إصلاحه بسهولة, لكن يمكن على الأقل البدء في محاولات إصلاحه.

 

المهم, لقد أخذت بالمبادرة و راسلتك, أردت تذكيرك بشيء من الماضي و أردت تذكيرك بالمستقبل القريب بعد الانتخابات الرئاسية, لعل الأمور ستتحسن و لعلك ستكون هنا بيننا عما قريب, كما أود إخبارك بهذا و أنا متأكد من أنه سيفرحك: لقد حصلت على جميع حقوق المواطنة الأمريكية قبل بضع أسابيع, لقد صرت أمريكيا يا صاح. سأنتظر رسالتك يا صديقي, اصمد و لا تتورط في الأعمال أللأخلاقية, كن رجلا نزيها و صالحا, صديقك إلياس. ".

 

... يُتبع

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens