Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:47

3.jpg

في بلاد الفوانيس السِّحرية هناك أمنية واحدة: " الديار "

 

        هناك جلبة في الخارج. أصوات العديد من الأشخاص و المركبات..., يفتح عينيه الزرقاوين للحظة بعد أن أيقضه ذلك الضجيج الخارجي و هو يطلقهما لتتفحصا كل الزوايا التي يمكنهما الوصول إليها في ذلك المهجع الضخم, الذي تصطف على طوله الأسِرّة ذات الأغطية الخضراء الداكنة. يُمعن السمع قليلا فيلتقط نغمات موسيقية خافتة ذات ريتم منتظم على يساره, يلتفت برأسه قليلا فيلمح أحد الجنود السود و هو مستلق في فراشه يضع سماعتين في أذنيه يُحرك رأسه متفاعلا مع ما يسمع في الوقت الذي يُقلب فيه صفحات إحدى المجلات. فجأة ينزل على المكان صوت دبدبة قوي يتضاعف مع تردد صداه بين الجدران لكنه ما يلبث أن يخِفّ مُبتعدا تاركا المجال للهدوء ليكتسح المكان مرة أخرى, كانت تلك مروحية "بلاك هوك " بحسب صوت المحرك و المراوح, مرّت من فوق المبنى.                                                

 

ينهض الجندي الأشقر ضخم الجثة و هو يعتدل في جلوسه, ثم يمسح وجهه بيمناه متنهدا و كأنه يُدلكه, يسترسل في التفكير قليلا مُمَرّرا أنامله من منطقة الشاربين وصولا إلى الذقن: " يبدو أنني أفرطت في الشرب ليلة البارحة ". يقولها في نفسه وهو ممتن لأن ضباط المناوبة الليلية لم ينتبهوا لأمره, فقد شهدت ليلة البارحة تهريب الحد غير المسموح به لقوارير الكحول المركّزة لبعض جنود الفرقة... يتنهد مرة أخرى مُمررا سبابته و إبهامه على حاجبيه الغليظين ثم ينتصب واقفا على ساقيه في الوقت الذي تمر فيه مروحية أخرى فوق المبنى, و ما إن يكاد صوت مراوحها التي تصفع الهواء يخف و هي تبتعد حتى يُسمع من تحته صراخ أحد الجنود في الرواق: "....أين هو بوب ؟, سأنال منه ذلك اللعين... ماذا ؟ خرج في مهمة ؟....أتمنى أن يُعيدوه أشلاء مُختلطة ذلك الوغد الحقير...".

 

لقد صارت الكلمات البذيئة و العبارات النابية و السب و الشتم من أكثر الأمور العادية التي تحكم علاقة الجميع هنا, فلا أحد يمكن أن يتفاعل مع من ينعته أو يلعنه, لا وجود لأي رد فعل عنيف لأن الجميع يعلم بأن ما يتم التفوّه به لا يعني نية صاحبه الحقيقية, و أن مثل هذه الانفجارات الفظة ما هي إلا جزء من الوسائل الطبيعية لتفريغ شحنات التوتر و الغيظ و الملل.... صار كل ذلك جزء لا يتجزأ من الحياة في هذه القاعدة التي أنشئت بعد أيام قليلة من سقوط بغداد في يد قوات التحالف.

 

إنه يوم الأحد. بالنسبة لبعض الفرق لا توجد مُناوبة إلا في الحالات الطارئة جدا. البعض يذهب إلى الكنيسة التي أقامتها القيادة لمن يريد أن يُنسي نفسه الفظاعة التي يراها و الرعب الذي يعيشه طيلة أيام الأسبوع بالصلاة و الاستماع إلى العظات, لعل ذلك سيحمل نفسه على الصبر و الصمود طيلة الأسبوع الداخل,  لكن بالنسبة للكثيرين حتى التذرع إلى الرب لم يعد يجد معناه الحقيقي...: " هِه أيها الرقيب كراوفيلد, ألن تذهب إلى الكنيسة اليوم ؟, إنه يوم الرب ؟ ". قالها أحد الجنود مُستفزا و هو يضحك مُطلاّ برأسه من برج للمراقبة.

 

_ هذا ليس من شأنك, عُد إلى عملك. رد عليه جيفري مُبتسما و هو يهم بإشعال سيجارة يفحص أرجاء القاعدة الواسعة ببصره لعله يلمح من ألف مُصاحبتهم أثناء و بعد العمل, و الحقيقة هي أنه و طيلة الأشهر الأولى كغيره كان يعكف على الذهاب للصلاة كل أحد, فهو لن ينسى, فقد نشأ في أسرة مُحافظة ربته على الفضيلة و حب الرب و مبادئ الخير و الحرية و المساواة, التي حملتها الأمة العظيمة التي ينتمي إليها على مدار قرنين و اثنتين و ثلاثين سنة. لكن و بعد كل الذي عاشه على مدار خمس سنوات و رآه بأم عينيه, لم يعد ينفعه الذهاب إلى الكنيسة و حضور القداس مع المنافقين و سماع العضات الكاذبة, فقد تم تغيير القس تسع مرات أو يزيد لكن القيادة لم تفهم أين يكمن الخلل. ببساطة فإن معظم العظات كانت تركز على الكذبة الكبيرة التي جيء بكل هؤلاء الشباب ليموتوا من أجلها في هذا البلد الأجنبي.

 

القس أو بالأحرى من يلعب دور القس في الغالب ليس إلا أحد الشباب أو الضباط المتدينين العاملين في الوحدات المقاتلة, يتحدث عن ضرورة التمسك بتعاليم المسيح التي هي من ثوابت الأمة, و الصمود في وجه الهمجيين و الإرهابيين الذين يُحاولون و بكل السبل النيل من حرية و سعادة الشعب الأمريكي. لكن مع مرور السنوات و اشتداد وطأة الحرب على الأنفس و القلوب, بدأت العظات تتحول شيئا فشيئا إلى مهازل يوقنها القساوسة الزملاء أنفسهم, فهم يشهدون ما يقع على أرض الواقع, إنه فضيع و من دون مغزى, إنه لا يُقنع العقول إلى درجة أنه ينسف كل المثاليات و يهزهز الإيمان بكل عنف و تحد, إلى درجة صار فيها وقوف الواعظ أمام الجميع يُشبه وقوف سياسي ثمل ليخطب في أتباعه, و في الوقت الذي يُحاول فيه إقناعهم ببرنامجه, يبذل جهدا موازيا حتى لا يسقط من على المنصة أو يتقيأ على الأوراق التي تحمل أفكاره.

 

أما عن الحضور, فجيفري يعرف الكثيرين منهم, هم شباب في مُقتبل العمر يُحاولون التوبة من أفعال مُخجلة اقترفوها أثناء العمليات و المعارك المختلفة التي خاضوها ضد المسلّحين و ضد المدنيين على حد سواء. إنهم من ذلك النوع الذي يفقد السيطرة على انفعالاته أثناء الأوقات العصيبة, فتجده يصرخ فزعا و غضبا يُطلق النار و يعتدي على كل شيء ليس أمريكيا, أو بالأحرى أي شيء أو شخص ليس من المارينز, أين تفقد العملية أهدافها الحقيقية المسطرة على الورق خلف الجدران المنيعة, و تتحول إلى فوضى و عبث في الميدان لا يوجد فيه مجال للانضباط و العقل, و إنما كل ما يحدث هناك هو موجات من العواطف و ردود الأفعال على سقوط القتلى و الجرحى من الأصدقاء و إخوة السلاح, و هكذا يتحول الأمر من عملية تمشيط أو مُداهمة أو حماية ممتلكات أو أنفس إلى عملية انتقام و تصفية حسابات..... إنها اللحظات التي يكتسب فيها الجنود النظاميون سلوك رجال العصابات. و مع الوقت و تراكم عواطف الكره و الحقد, يُمكن تصور ما يفعله هؤلاء عند النزول إلى الشوارع العراقية المنكوبة و المثخنة بكل أنواع الجرائم و المواجهات..., لكن عند نهاية نوبة العمل و نوبة الجنون يفترس هؤلاء ندم خفي على ما اقترفوه هناك, في حق ذلك الشيخ أو في حق ذلك الجريح أو في حق تلك الفتاة, إنه الندم الذي لا يمكن الإفصاح عنه في أوانه لكنه يؤجّل ربما إلى يوم العودة إلى الوطن, المشكلة هي أنهم لا يعلمون متى سيعودون, و ذلك الألم الدفين لا يمكن الاحتفاظ به طويلا لأنه قد يتضاعف إلى أن يقضي على الضمير كحل للخلاص, فيُحول صاحبه إلى مجرم حرب لا يتورع و لا يندم من و على أي شيء, لكن إلى ذلك الحين قد تنفع بعض صلوات الآحاد و سماع العظات الفارغة أو قراءة بعض الأسفار من الكتاب المقدّس.

 

في المساء الموالي و في حدود السادسة وصلت بعض الشاحنات الحاملة للثياب و البزات النظيفة, التي يتم غسلها و تنظيفها في قاعدة غير بعيدة, و قد وصل بعدها بقليل البريد بعد أن تأخر قليلا بسبب بعض المناوشات التي حدثت على طريقه الذي شهد إطلاق نار متقطع. الملاحظ هو أنه لا يزال هناك من الأمريكيين من يحبذون البريد الكلاسيكي رغم وجود خدمة الإنترنت, ربما لأنه يحمل في طياته رومانسية تهدئ من مشاعر الجندي الذي يمكنه الاختلاء بنفسه و قراءة ما كُتب له بكل سكينة آخذا كل وقته في يده.

 

كان جيفري منهمكا مع زميله الزنجي في إنزال أكياس الظهر البحرية التي تحوي الملابس النظيفة و هما يقرءان أسماء أصحابها المسجلة عليها فيرمون بها مباشرة بين أحضانهم. كان الشاب الأسود و اسمه "جُوِي" يقف مقابلا جيف و هو يساعده في رمي الأكياس إلى أصحابها, أخذ يتحدّث متشائما بلكنته الانكليزية الخاصة التي يتميز بها سود أمريكا: " أتشم هذا العطر الذي يفوح من الثياب النظيفة ؟, لم أعد أطيقه يا رجل ". نظر إليه جيف هنيهة ثم عاد إلى عمله و هو يسأل :" و لمَ هذا ؟ ". و كأن بالسؤال قد استفز جوي الذي رمى بالكيس التالي بقوة و نرفزة إلى صاحبه, الذي رمقه بنظرة متعجبة قبل أن ينصرف: " لم هذا يا رجل ؟, لمَ ؟, لأن ذلك العطر صار مرادفا للمشاكل في ذهني يا رجل. " قالها و هو يومئ بيديه تماما كما يفعل مطربو الراب عادة, قبل أن يُكمل حديثه و قد عاد إلى حمل الأكياس بعد أن طالبه بعض الجنود بالإسراع: " في الأسابيع الأولى للحرب, كنت أشعر بالراحة في كل مرة أرتدي فيها بزة نظيفة و أتخلص من الثانية المليئة بروائح العرق و كل أنواع الأتربة و الطين يا رجل, كان ذلك العطر يُشعرني بالاسترخاء. لكن مع توالي الأسابيع و الأشهر و السنوات, صِرت كلما لبست بزة نظيفة  يفوح منها هذا العطر أتذكر أن هذا يعني أننا على مشارف أسبوع جديد مليء بالمشاكل و القذارة يا رجل, بشكل منطقي صاروا كأنما يقولون لنا: استعدوا, أسبوع جديد من البعر و البراز ينتظركم في الخارج ".

 

أطلق جِف ضِحكة خفيفة و هو يرمي بآخر كيس إلى صاحبه, قبل أن يشد بصره شيء ما, فقد وقف للحظة على ظهر الشاحنة وهو يُراقب تلك الأشعة الحمراء الخفيفة, التي كانت تعبر من خلال أشجار النخيل المصطفة بالقرب من ورشات تصليح المركبات, لقد كانت أشعة شمس حمراء لطيفة داعبت وجه الرجل الشاب و كأنها يد تمسح بشرته من دون أن يشعر بتلك اللمسة الخفية. لقد تذكر صديقا عربي لطالما حدّثه عن غروب شمس أكتوبر الفريد من نوعه, الذي يجعله يحن للكثير من الأشياء و الكثير من الأشخاص. في تلك اللحظة شرد الذهن بعد أن تذكر شمس أمريكا الخريفية أثناء مغيبها على طول الساحل الغربي, حين تودع صخور الشواطئ المرتفعة المترامية على الأميال اللامتناهية, في اللحظات التي تُشغل فيها مصابيح المنارات البعيدة...... لكن صوت أحدهم يُعيد جيف إلى العراق في تلك اللحظة: " هِه جيف, لقد كان خوسيه يبحث عنك قبل قليل, أظنك تلقيت بريدا, أتمنى أن تكون أخبارا جيدة يا صاح ".                 

 

في الأوقات التي يُدرك فيها المرء بأنه يعيش وضعا في غاية الصعوبة, أين تمتزج آلام الواقع التي تصير أمرا مُحتما مع أمنيات الخلاص, يُحاول الناس التخفيف من وطأة ما يعيشونه عن طريق حالات من المزاح و الطرائف, التي يفرجون عبرها عن أمنياتهم الأكثر عمقا في شكل خيال لا عقلاني, ذلك هو واقع الجنود و الضباط الشباب الذين يحمل كل واحد فيهم سؤالا كبيرا و واحدا " متى نعود إلى الديار ؟ ". الإجابة حتى الآن لا توجد عند أحد, بل إنهم يراهنون على أنه حتى رئيس الولايات المتحدّة نفسه لا يملك إجابة عن هذا السؤال, لذلك هم لا يملكون سوى أن يتمنوا أن ينتهي هذا في أسرع وقت.

 

و هكذا أخذ جوي يُمازح رفاقه في نهاية سهرتهم لذلك اليوم: " أليس من الغريب أننا حتى الآن لم نعثر على فانوس فيه جني ؟, رغم أننا في بلاد علاء الدين يا رجال ". فيجيبه شاب يملأ الوشم ذراعيه يُدعى "كول" و هو يضع الكحل في عينيه يجلس بمعزل عن البقية, بصوته الذي اعتلته بحة حادة و لكنته الاستفزازية و نظراته الغريبة و بسمته المتهكمة, قال : " كان يفترض أن نجد واحدا تحت الرمال, لكن و كما ترى, حتى الآن نحن لا نعثر إلا على الألغام و العبوات الناسفة , إن كانت أمنيتك هي رؤية الجحيم اللعين فأظنها ستتحقق عما قريب, سيكون مرحَّبا بك في عالمي ". يضحك البعض بينما يتمتم جوي بين شفتيه: ".. سيكوباتي لعين ". في الوقت الذي ينطق فيه "خوسيه" ذو الملامح اللاتينية السمراء و هو يغمز رفاقه: " لو التقيت بجني فماذا ستطلب منه يا جوي ؟ ", فينظر إليه جوي مستغربا للحظة ثم ينطلق في حديثه ذو اللكنة الغريبة التي تثير ضحك البعض: " بحق الجحيم, ما هذا السؤال الغبي يا رجل ؟, طبعا سأطلب منه أن يعيدني إلى الوطن ".                            

 

لم تختلف إجابات الجميع عن إجابة جوي, سوى إجابة كول الذي تمنى الحصول على عشرة باوندات من الماريهوانا في تلك اللحظات. أما جيفري فقد ظل ملتزما الصمت شارد الفكر, بعد أن قرأ رسالة إلياس التي حرّكت فيه الكثير من المشاعر و الذكريات, التي اعتقد أنها انفصلت عن ذاته بسبب ما عاشه و يعيشه, لكنه نهض و خرج دون أن يقول شيئا عندما كان الجميع قد أمعنوا السمع لأغنية فريق موسيقى الروك " داوتري " من ألبومه الأخير و التي حملت عنوان "هوم" ( الديار ). و الحقيقة أن جيفري انسحب لما سمع ألحانها و كلماتها التي فجّرت حنينه و شوقه عن آخره, لقد هرع الشاب إلى الحمام بعد أن لم يعد قادرا على الاحتمال أكثر, هناك انهار تماما و لأول مرة, و هو يبكي كغلام صغير في الوقت الذي استمرّت فيه الأغنية تقول في مقاطعها: " أنا ذاهب إلى الوطن, إلى المكان الذي أنتمي إليه, أين كان حبكِ دوما كافيا بالنسبة لي, لست أركض خلفه, لا, أعتقد أنك قد أسأتِ فهمي تماما, لست نادما على هذه الحياة التي اخترتها لي, لكن تلك الأماكن و تلك الوجوه ماضية في الكِبر, لذلك أنا ذاهب إلى الوطن ".

 

... يُتبع

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens