Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:38

91edcc0f1d030f0d2cf6774761a44532-1-.jpg

ديمقراطية فاشية.

  

        أسرع إلياس راكضا و هو يصيح ملوحا بيده إلى سائق الحافلة الذي لمحه من خلال المرآة الجانبية, فتوقف فاتحا له الباب ليصعد الرجل الشاب و هو يلهث شاكرا فيرد عليه السائق ببسمة خفيفة ثم ينطلق, فأسرع و هو يأخذ مكانا له في مؤخرة المركبة بجانب النافذة, فجلس و أخذ نفسا عميقا تنهد على إثره و هو لا يزال يفكر فيما طالعه في المقهى, لقد أعاد إليه جيف كل تلك الأحاسيس التي كان يعيشها عندما كان مجندا في فصيلة لمكافحة الإرهاب قبل نحو عشر سنوات, كانت أياما جد عصيبة ذاق خلالها الأمرين في جيش لم يكن قد سار على طور التحديث و الاحترافية بعد, و لم يكن قد حصل على شيء من وسائل و تكنولوجيات مواجهة الإرهاب, لقد كان يواجه جماعات من المقاتلين المتمرسين و القدامى العائدين من جهاد السوفييت في أفغانستان أواخر الثمانينات. كانت الجزائر آنذاك تواجه الإرهاب الغاشم وحيدة, و قد عاش |إلياس و ذاق معنى الخوف و الضغط و قد خبر الجوع و البرد و الحر و الإنهاك في قلب الجبال و الأدغال التي أمضى فيها سنتين من خدمته العسكرية, هناك و على مدار تلك الأوقات لم يكن يرى و رفاقه سوى المساحات الغابية الكثيفة الممتدة على مد البصر و من فوقها السماء, في منطقة كانت تعد مملكة حقيقية للجماعات المسلحة. كوابيس غابات " تاكسانة " لا تزال تراود الرجل بين الحين و الآخر رغم كل التغيرات التي حدثت في حياته, حتى أن هجره لوطنه إلى وطن جديد لم يشفع له من تلك الذكريات المخيفة.

 

لقد شرد ذهنه قليلا وسط تلك الأفكار, لكنه سرعان ما عاد ليُخرج رسالة صديقه الطويلة و انطلق يقرأ مرة أخرى: "... لا أخفيك أني يوم ارتديت البزة العسكرية لمشاة البحرية شعرت و كأنني قد ولدت من جديد, لقد راودني إحساس غامر بالفخر لأنني صرت جنديا في جيش أقوى دولة في العالم, أعتقد أنه شعور أي شاب مجنّد مخلص و محب لبلده, لكن عند احتكاكي بزملائي في الخدمة, بدأت أكتشف الكثير من الأمور و بدأت الكثير من الحقائق تتجلى لذهني حول طبيعة الشباب المجندين أو المتطوعين في الخدمة, فإن كنت أنا قد ضحيت بمقعدي الذي كنت قد ضمنته للتو في الجامعة, و تطوعت من أجل خدمة أمن و حرية و رفاه أمريكا من خلال الذهاب إلى أقاصي الأرض, و فرض العدالة و الديمقراطية و دحض فلول الإرهاب الهمجي الذي يهدد أمننا, أو هكذا كنت أعتقد, فإنني في المقابل اكتشفت الكثير من الأصناف المجندة.

 

هناك من انخرطوا في القوات المسلحة بسبب الفقر و البطالة, أغلبهم لا يحملون القناعات التي أحملها, مثل جوي و خوسيه, و البعض الآخر وجد نفسه مجندا إجباريا و لولا ذلك لما رمى بنفسه في هذه الفوضى, مثل آرون و رونالد, لكن هنالك صنف ثالث لم أستطع فهمه أبدا رغم قلة أفراده نسبيا, إنهم الشباب الذين تطوعوا في الخدمة من أجل هذه الحرب بالذات, أو وجدوا أنفسهم متورطين فيها. فبعد احتكاكي ببعضهم لم أشعر بأدنى إحساس وطني في نفوسهم, لكنني شعرت بأنهم يحملون في دواخلهم نفس الغضب الدفين و التيه الروحاني الذي يحمله الشباب الأمريكي عادة. الرغبة في الاندفاع و كسر الحدود و الانتقام من أجل أسباب غير مفهومة, و هذا الصنف هو الأكثر اندفاعا و تورطا في الحماقات و القذارة و السلوكيات غير الأخلاقية. ربما أصدق مثال عليه هو شاب يدعى "كول", سلوكه لا يدل على أنه يحب أمريكا لكنني أصدق بأن اندفاعه أثناء المعارك و الذي يُصنفه قادة العمليات في خانة الشجاعة, نصنفه نحن الذين نعرفه عن قرب في خانة الرغبة في الانتحار, إنه النسخة الأمريكية عن الانتحاريين العرب,...حاولت طويلا أن أفهم ما الذي يدور في رأسه لكنني لم أفلح في ذلك إلى اليوم الذي رأيت فيه مخمّسا مقلوبا على قلادته, حينها فهمت كل شيء, ليصارحني يوم وقع سجال بيننا بسبب إجهازه خلسة على أحد المدنيين الجرحى في إحدى المعارك, بأنه مهوس بقوى الظلام التي خلصته من كل جوانب ضعفه و غيرت مجرى حياته كما قال, أمر كهذا ليجعل المرء يتساءل عن المعايير و المقاييس التي يتم على أساسها قبول المجندين في جيش الولايات المتحدة ؟.

 

الصنف الذي أنتمي إليه لا وجود له تقريبا, رغم أني أشترك مع قائد الفصيلة الملازم "مارك ماكارثر" و الكثير من الرفاق في عملنا الصادق من أجل مصالح أمريكا و خيرها, إلا أن الملازم يفتقر إلى النظرة الأخلاقية في ذلك, ما أكرهه فيه هو فكره البراغماتي القاسي و عواطفه الباردة رغم حبه لبلده, أما ما يعجبني فيه هو أنه لا ينافق و لا يحابي و لا ينحاز لأحد, صرامته و صراحته حافظتا على تماسك فريقنا في أحلك الظروف.

 

بالنسبة لي فقد ظللت دوما أبذل جهودا مع نفسي حتى لا أفقد السيطرة على سلوكاتي, رغم أن ذلك يصبح صعبا للغاية على أرض الميدان, فالمرء يشعر و هو يسير وسط العراقيين أنه دخيل غير مرحب به. نشعر و كأننا أهداف مُباحة في كل زمان و مكان, تلك كانت أولى خيبات أملي بعد أن تأكدت أن هؤلاء القوم لا يروننا و لم يرونا أبدا في صورة المنقذين, لكنني كنت غبيا للغاية إذ صدّقت ما كان يقوله قادة بلدي,  و أذكر في هذا الصدد كلمات قائدي في الفصيلة الملازم ماكارثر, عندما استفسرته ذات مرة بعد أن لمست فيه ثقافة و اطلاعا على أمور شتى تخص حقائق هذا الزمان بما أنه يهوى المطالعة, فقد ضحك مستهزئا و همس لي بالحرف الواحد :" بربك يا كراوفيلد, كيف تصدق ما يقوله الساسة عندنا إن كنت أمريكيا بحق ؟, و كيف لهذا الشعب أن يراك منقذا و قد فرضت عليه حصارا بشعا على مدار عقد كامل من الزمن, تسبب في وفاة مليون صبي جراء الجوع و المرض ؟ ". نزل علي ذلك الكلام كالصاعقة, لكنه الصوت الصارخ للحقيقة, لقد كان مطابقا لكلامك في المضمون يا صاحبي.

 

 طلبت منه توضيح سبب وجودنا هنا فرد علي بكل بساطة: " حماية مصالحنا الإستراتيجية و حماية رعاة هذه المصالح في المنطقة من عرب و إسرائيليين, لا تفكر كثيرا في مصلحة العراقيين لأنهم هم من أرادوا الانقلاب على نظامهم, رغم عِلمهم بأن ذلك كان سيؤدي إلى وقوع أراضيهم في قبضة الأجانب, ثم إنهم ليسوا من جلدتنا على أية حال, تذكر, نحن من المارينز و لسنا من القبعات الزرق الملاعين ".

 

أفهم الآن لمَ تتصرف الكثير من عناصرنا كالحثالة عند النزول إلى الميدان, فهم لا يراعون أحاسيس العراقيين في شيء. بصراحة نحن نشعر بتلك النظرات الغاضبة الحاقدة التي تتوعدنا بالانتقام طوال الوقت, خاصة بعد فضيحة سجن أبوغريب المخجلة التي زادت من عقدة هؤلاء القوم تجاهنا. بعضنا اعتقد أن الرد عليها بالقوة و العنف و الترهيب كفيل بكسرها, إلا أن العكس يحدث في كل مرة و كأننا لم نقم بشيء, و هذا هو اللغز المحير في العراقي ؟.

أحاول ترك ذهني مركزا و صافيا طوال الوقت وسط المناخ الحار و الزوابع الرملية و المشاعر المنغصة, حتى لا تلتبس عليّ الأحاسيس فأتهور بعد أن أفقد قدرتي في الحكم على الأشياء و الأشخاص الذين أحتك بهم في المهمات المختلفة. رغم ذلك فقد شهدت الكثير من المواقف التي انتهت بشيء أحاول وضعه في خانة الجريمة, لكن هنالك جانب براغماتي في أعماق ذاتي  ما فتئ يحاول دوما تبرير ما يقع بظروف الحرب القاهرة التي تفرض على عقل الجندي و عواطفه المنهكة التصرف بتلك الطريقة, و أخشى أن ذلك الجانب يكبر في دواخلي يوما بعد يوم, خاصة مع تذكري لكل العنف و الحقد الذي قوبلنا به, لأنه لا يسعني في النهاية إلا أن أكره وجودي في هذا المكان و أكره هؤلاء القوم رغم محاولاتي الطويلة لتفهم وضعهم, لكن حياتي في خطر, هنا مكمن السر على ما أعتقد, إنهم لا يفهمون ما نمر به و نحن كذلك لا نفهم ما يعيشونه.

 

على الأقل فأنا أشعر بقدر من الراحة لأن سلوكاتي العنيفة ضد العراقيين المدنيين لم تتجاوز حد الصراخ و التخويف في حالات الخوف و التعب, رغم أنها وصلت في بضع مرات إلى حد الدفع الخشن و الضرب في أقصى حالات الشعور بالتهديد و الغضب, عكس بعض من يعملون معنا و الذين اقترفوا أشياء أخجل منها كأمريكي نزيه.... إليك هذه الحادثة الرهيبة:

 

ذات يوم وصلتنا معلومات عن تواجد بعض أتباع السفاح الزرقاوي في بيت بإحدى الضواحي في بغداد, و أنها تجهز لتفجيرات انتحارية تستهدف مساجد شيعية, انطلقنا و نحن نأمل تحقيق نتيجة ما قد تساعد في خدمة صورتنا المهتزة في أعين عامة الناس. عند وصولنا إلى الحي الفقير الذي تملأ الأوساخ و المياه القذرة طرقاته, قمنا بتطويق المنطقة بالإجراءات التكتيكية المعهودة و انتشرنا كما يجب بحيث سددنا جميع المنافذ الميدانية و ضربنا حصارا بريا و جويا محكما.

                                         

كان يفترض أن نعثر على المسلحين في أحد البيوت و عددهم بين سبعة إلى تسعة حسب مصادرنا الاستخبارتية, إضافة إلى الأسلحة و المتفجرات التي أعدوها لمجزرتهم المرتقبة. كنت رفقة زميلين نقبع على مقربة أمتار من الطابق الأرضي للمنزل الذي اقتحمه الملازم ماكارثر و من معه, بحيث لم تكن قد مرت سوى بضع دقائق على بداية المداهمة. كنا في غاية التوتر لأننا بصدد اقتحام مكان مليء بالمتفجرات و الانتحاريين الذين لن يترددوا في نسف أنفسهم إن أدركوا أنهم محاطون بالأمريكيين, كان جندي يدعى "جوش" يجثم في مكانه غير بعيد عني و إلى جانبه جندي آخر يدعى "آرون", كان يتمتم بكلام غير مفهوم بين شفتيه و قد طالت تلك التمتمة, جعلني ذلك أتوتر و أفقد تركيزي فالتفت إليه أسأله ما الذي يفعله بحق الجحيم, و في اللحظة التي أجابني فيها بأنه يتلو صلواته اليهودية انطلق وابل من الرصاص المتقطع داخل البيت تلاه صراخ بعض النسوة, و إذا بالملازم يأمرني عبر جهاز اللاسلكي بالإسراع في محاصرة شرفة الطابق الأول لأن هناك فارا قفز إليها من إحدى نوافذ البيت العلوية, فأسرعنا للالتفاف حول البناء طالبين من الرجال الذين كانوا في الطابق الأرضي ألا يتحركوا من مراكزهم, ثم تسلقنا أحد الأسوار و قفزنا إلى الشرفة و إذا بي ألتقي بالفار وجها لوجه و هو يسقط على ظهره, بعد أن انزلقت قدماه الحافيتان على البلاط, عندما توقف فجأة و هو يلمح بنادقنا مصوبة نحوه.

 

ألقينا القبض على الإرهابي الذي لم يكن سوى شاب هزيل البدن, تبدو عليه آثار الجوع مع بعض الكدمات القديمة نسبيا المتفرقة على وجهه, و أعدناه إلى الداخل حيث وجدت الملازم و بقية الرجال يقفون في غرفة ضيقة فيها بعض الأفرشة الرثة, و قد جلس عليها مواطنون بسطاء بدا لي أنهم عائلة واحدة, فيهم رجل عجوز و ثلاث نساء و غلامين صغيران و فتاة. كان الجميع في غاية الذعر في الوقت الذي أمسك فيه الملازم بالمشتبه به و هو يصرخ عليه بأعلى صوته يسأله عن أماكن إخفاء الأحزمة الناسفة و المتفجرات, لكن الشاب ظل يُحدق به و هو يتنفس بسرعة و يرتعش بشدة, فطلبنا إحضار المترجمة العراقية التي تعمل معنا و اسمها "سُمية", لعلها تساعدنا في فهم ما يحدث, و إلى ذلك الحين, استمر بعضنا في البحث في أرجاء البيت و هم يقومون بقلب و تحطيم بعض الأثاث القديم و الرديء دون أدنى احترام, و البعض الآخر يتحسس الجدران و هو يطرق عليه بقبضة يده أو بعقب سلاحه لعله يكتشف مخبئا ما.

 

كان الرجل العجوز يتحدث بكلام غير مفهوم و كأنه يحاول شرح شيء ما, لكن جوش كان يحاول جعله يهدأ و أن لا يخاف و هو يقوم بإجلاسه برفق, لكن الظاهر أن العجوز هو الآخر لم يكن يفهم كلامنا, في حين أخذ الملازم الشاب إلى غرفة مجاورة رفقة العريف كول, حيث انهال هذا الأخير بالضرب المبرح على الفتى من أجل جعله يتحدث عن رفاقه أو على الأقل يُفصح عن مكان إخفاء الأحزمة الناسفة, لكن بلا جدوى. حاولت و بعض الشباب التدخل لمنع ذلك التصرف لكن الملازم ألزمنا بإغلاق أفواهنا قائلا بأنه سيقتلع عيني الشاب إن لزم الأمر, من أجل إحباط مخططهم الشرير و إنقاذ مئات الأرواح المدنية, أو على الأقل إنقاذ أرواح جنودنا الذين قد يسقطون في هجمات على هذه الشاكلة و هذا هو السبب الأقرب لسبب اقتحامنا لهذا الحي, فكل شيء بالنسبة له كان يدور حول صورة أمريكا و مصالحها و ليس حبا في سواد عيون العراقيين.

 

لقد طال الأمر و بدأنا جميعا نسأم أمام تأخر وصول المترجمة لسبب نجهله, و بعضنا ممن على شاكلة كول كانوا قد بدءوا يفقدون انضباطهم و صبرهم أكثر فأكثر, في حين استمرت الفرق المختلفة المشاركة في العملية تمشط الحي و البيوت المجاورة بلا فائدة, فبعد أكثر من ساعة و مع اقتراب مغيب الشمس, و بعد أن تحول أثاث البيت إلى حطام و فوضى, و بعد أن ثقبت و حُفرت بعض جدرانه دون وجود شيء بداخلها, أصيبت إحدى النساء بحالة صرع بسبب التوتر و لم يكن ينقصنا غير ذلك, لكننا هرعنا إليها محاولين مساعدتها, غير مدركين بأن الكارثة ستقع عندما كان طبيب الفريق رونالد يحاول إدارة رأسها إلى الجانب حتى لا تبتلع لسانها, حاولت أنا و جوش و آرون و خوسيه إبعاد أفراد عائلتها عنها, في حين وقف كول متفرجا على ما يحدث بكل برودة و هو يمضغ علكته كعادته, مختبئا وراء تلك الصبغة السوداء التي يدهن بها وجهه مقلدا أعضاء فريق موسيقى الروك " كيس ", حبا في الحصول على ملامح شريرة.

 

و بينما نحن على تلك الحال فإذا بإحدى النساء تهجم بأظافرها على وجه جوش منقضة عليه كالهرة و هي تصرخ بأعلى صوتها, عندما ظنت بأنه كان يحاول الاعتداء عليها بعد أن قام بحملها مطوقا إياها بين ذراعيه, فدفعها عنه بقوة ليجد الشيخ الطاعن في السن يرمي بجسده المنهك عليه و كأنه يحاول الدفاع عنها, لكن كول تحرك في تلك اللحظات و بكل قوته لطم الشيخ بمؤخرة رشاشه على وجهه.

 

ارتطم العجوز الكهل بالأرض و ما إن رفع رأسه حتى رأى جزمة كول الغليظة و هي تنطح وجهه بكل عنف و قسوة, في اللحظة التي صرخنا فيها عليه بأن  "توقف عن ذلك ", و دخل الملازم ماكارثر يتبعه جوي و بعض الرجال إلى الغرفة بعد أن سمعوا كل تلك الجلبة.

                               

في حياتي كلها لم أسمع مثل ذلك الأنين, و لم أحسب أن الإنسان يُمكن أن يصدر مثل ذلك الصوت الذي أصدره العجوز, بعد أن كسر كول فكه السفلي الذي بقي معلقا عن طريق جلدة الذقن و فاضت دمائه من فمه و أنفه, قبل أن يلفظ أنفاسه بعد ثوان لأن تلك الخبطة كانت قد كسرت عنقه. لم نستطع تصديق ما فعله العريف إلى درجة أننا و من شدة الصدمة أفلتنا النساء أللواتي هرولن إليه و هن يصحن باكيات, قبل أن ترفع إحداهن رأسها و هي ترمق كول بنظرات غاضبة  فانطلقت نحوه, لولا أن سلسلة متتالية من الطلقات كانت قد اخترقت صدرها و بطنها في تلك اللحظة فأردتها قتيلة على الفور. التفت إلى مصدر النار و لم أرَ سوى كول و هو يصوب سلاحه نحو الضحية و قد كان الدخان يخرج من فوهته, قبل أن يدفعه الملازم محاصرا إياه و هو يصيح بأعلى صوته يلومه على ما فعل, و بأنه لم يكن مجبرا على ذلك فالمرأة لم تكن تشكل أي خطر مُميت.

 

بشكل لا إرادي وجدنا أنفسنا جميعا نصوب أسلحتنا تجاه البقية و نحن نتراجع بأوامر ماكارثر الذي أمر بالانسحاب, فالجلوس و الانتظار لم يعد ينفع هناك. كنت آخر من خرج من الغرفة متراجعا أحمي ظهور أصحابي مصوبا السلاح في وجوه ألائك الضحايا المساكين, و كان آخر ما رأيته هو الأطفال الثلاث الذين كانوا يقفون عند الزاوية ينظرون إلي من دون حراك و هم في غاية الصدمة, لا يجرؤون حتى على الاقتراب من القتيلين, كان مشهدا حطّم قلبي تماما.

 

في تلك الليلة لم يستطع معظمنا النوم, تماما ككل مرة يحصل فيها أمر مشابه, فقد صار الأرق صديقنا الدائم, خاصة بعد أن علمنا أن ذلك الشاب لم تربطه أية علاقة بالإرهابيين, و أنه فر منا ظنا منه أننا كنا نود اعتقاله, بسبب سطوه على إحدى المخابز قبل ساعات من الاقتحام لسرقة بعض الأرغفة لأسرته.

 

أما كول فلم يحصل إلا على توبيخ نابي قاس و تحذير نهائي من طرف الملازم, الذي حث الجميع على تجاوز الأمر و نسيانه وعدم إشاعته, و برر ذلك بأن مواقف مماثلة تحدث يوميا لجنود المارينز.

 

لم يبق شيء أستطيع التعبير به بعد هذه الحقيقة الجلية, أجل, هكذا و بكل بساطة, فما حصل جعلني أعيد ترتيب أفكاري و أفتح عيني على الوهم الذي طالما رباني عليه أفراد أستري المساكين. و كثيرا ما أتساءل اليوم عن عمي الأكبر الذي سقط في فيتنام, لو أنه نجى و عاش ليحكي عما رآه و خبره هناك لما وجدت نفسي اليوم هنا. و بالنظر إلى الكثير منا, ألائك الذين ارتكبوا تجاوزات كثيرة و خطيرة كما حدث و يحدث في السجون و المعتقلات و الشوارع, أفهم أن أمريكا و بطريقة ما, أرسلتهم إلى هنا للتخلص منهم و من مشاكلهم و جرائمهم و أعمالهم الشاذة, التي كانوا سيرتكبونها في شوارع و بيوت و محلات الوطن.

 

مشكلة هذه الحرب أنها انطلقت كبنية جماعية كبيرة بهدف كبير, لكنها مع طول المدة التي استغرقتها و التي بدأت تعرضها لمشاكل وتفاصيل منهكة مع الإخفاق و الإحباط و فقدان الثقة في كبار القادة, بدأت تتفتت إلى مئات الحقائق و المشاكل الجزئية, و كل تلك التناقضات التي حملناها معنا من الوطن, و أخفتها الأيام و الأسابيع الأولى من النصر الوهمي الذي صنعناه هنا, عادت لتنفجر و ترتفع إلى السطح, إنها الجزئيات التي انطلقنا نتعاطى معها كألوية ففرق ففصائل, إلى أن انتهى بنا المطاف لنتعاط معها كأفراد كل على حده, لقد تحولت من حرب نخوضها إلى جانب بعضنا البعض, إلى حرب يخوضها كل شخص منا لوحده داخل نفسه, لذلك لم أعد أعجب من الإحباط و الانهيارات و الفرار من الخدمة و الانتحار, فقد بات كل واحد منا يحارب الإرهاب و العراقيين كما لو كان وحيدا تماما في هذا البلد الرهيب. ببساطة هذا ما يحدث عندما تضيع قيم الذات و الوطن, و في النهاية أفهم أننا لم نُرسل للنقذ أمريكا, بل أرسلنا لنصنع لها المزيد من الأعداء, هذا ما برع فيه المارينز طوال عقود. "

 

... يُبع

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens