Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:30

6.jpg

وجدانات موسيقية

  

         كان يوم إلياس مليئا بالعمل رغم أنه لم يكن في كامل تركيزه على ما يقوم بتدريسه لؤلئك الذين كلما نظر في عيونهم تذكر أيامه و أسابيعه الأولى في هذا البلد, نظراتهم تحمل في طياتها قصصا مختلفة عاشوها في أوطانهم الأصلية المنهكة, و تحكي عن أمل حذر بشأن هذه الأرض الخيالية الواقعية, التي قد يتحول فيها الحلم إلى حقيقة جميلة تماما كما قد يتحول فيها إلى كابوس مرعب, لا شيء ثابت في هذه الأمريكا العجيبة. لذلك أخذ الياس دوما على عاتقه و في نهاية كل حصة أن يجعل ألائك المواطنين الجدد يفتحون له قلوبهم, و يعبرون له عما يختلج صدورهم أو يطرحوا أسئلتهم التي لا تنتهي عن هذا البلد و عن سكانه و عن فرص العيش الجيد فيه: "ببساطة ابتعدوا عن كل أنواع المشاكل و الأنشطة المشبوهة, اربطوا صداقات مثمرة مع المواطنين الأمريكيين و سددوا ضرائبكم بانتظام, حينها تكونون قد عبدتم الطريق لتحقيق كل ما ترغبون في تحقيقه, فقط ابذلوا ضعف الجهد الذي كنتم تبذلونه في دياركم من أجل الوصول إلى أهدافكم, و لن يستطيع حينها رئيس الولايات المتحدة نفسه حرمانكم من حقوقكم و امتيازاتكم ". هذه هي نصائحه الدائمة للمغتربين الجدد, و هي نفس النصائح التي أسداها له موظف زنجي بدين بمكتب الهجرة في أسابيعه الأولى قبل ستة أعوام, و ها هو إلياس يحاول اليوم أن يكون في مقام كل ألائك الذين وقفوا معه و ساندوه أيام الشك و الخوف و الشعور بالاغتراب و الوحدة.

 

في منتصف النهار و على غير العادة, جعل إلياس أحاديثه على الغداء مع زميليه في التدريس "جيمس" و "إليزابيث" تتركز على ما شغل تفكيره من خطاب جيف, فلمس تجاوبا من زميلته التي دخلت معه في نقاش هادئ حول ما يقع في العالم, من اعتداء على كرامة الشعوب و زج بشباب الدول في حروب قذرة من أجل أهداف ربحية اقتصادية, تدخل إلى جيوب و موائد و بطون كبار الشركات المتعددة الجنسيات و تجار السلاح و النفط, أما جيمس فقد كان منهمكا في تناول شطيرته و قد بدا عليه عدم الاكتراث لهذا النوع من الأحاديث, رغم أنه شعر فقط بالرثاء على حال أمريكا الحالية.

 

قال إلياس:" لو أن كل تلك البلايين من الضرائب التي تم إنفاقها على الحرب وجهت إلى خدمة التنمية الداخلية لكانت الحال أفضل بكثير مما هي عليه وسط هذا الركود الرهيب ".

 

أطلقت إليزابيث ضحكة خفيفة من أنفها و هي تقضم شطيرة الجبن :" أشك في أن ضرائب الأمريكيين تكفي لتمويل و افتعال تلك الحروب و الأزمات, ثم إن هذا البلد يعاني من أزمة التهرب من دفع الضرائب, لا أحد يريد خنق جيبه مادامت أمور التعليم و الصحة و الإيجار تنهك كاهل الجميع ".

 

نظر إليها جيمس البدين الذي كان قد أنهى وجبته قبل الجميع و قد تمدد على كرسيه مشابكا بين أصابع يديه و قد وضعهما فوق بطنه الكبير قائلا بتهكم: " إن كان لديك خدعة ما تجنبني ملاحقة السلطات, فأظن أني أول من سيعفي نفسه من الضرائب. ", فكر مع نفسه قليلا ثم نطق مرة ثانية و هو يقطب ملامح وجهه متململا و متسائلا: " تبا, ثم لمَ هذه الأحاديث المزعجة منذ الصباح ؟, منذ متى كنا نخوض في السياسة ها ؟ ".

 

نظر إليه إلياس هنيهة و هو يفكر ثم أخذ رشفة من كوب المشروب الغازي و استمر في التفكير للحظات قبل أن ينطق: " لقد تلقيت خطابا هذا الصباح من صديق لي في العراق, لهذا السبب يفيض رأسي بهذا الكم من الأسئلة و الأفكار ". قالها و نظراته شاردة فوق الطاولة, لترد عليه إليزابيث من فورها بنظرات مترقبة:" تقصد جيفري ؟, راسلك جيفري ؟, لا أصدق, كيف حاله ؟, هل هو بخير ؟, لم يصب بأذى ؟... .", أخذت تسأل في لهفة ليرد عليها إلياس: " لا تقلقي إنه بخير, فقط يشعر بكبت انفعالي شديد شأنه شأن جميع المارينز, أظنكما شاهدتما فيلم مايكل مور الوثائقي, لو أنكما تعلمان ما يحدث هناك ". لترد عليه إليزابيث: " أفهمك جيدا, الأمر يفوق التصور ".

 

 شعر جيمس بضيق أكبر و أخذ يتنهد قائلا: " هلا غيرتما موضوع الحديث من فضلكما ؟, ألم يبقى لنا شيء نفعله سوى تذكر تلك الصور الفظيعة ؟, نحن في أمريكا و لسنا في العالم الثالث – ثم يشير بسبابته إلى إلياس مستطردا – مع احترامي لدوله و شعوبه ".

 

أجل...هذا هو بالضبط ما كان يفكر فيه إلياس, لمَ ننغص مشاعرنا و أفكارنا بالالتفات إلى معاناة العالم الثالث و شعوبه ؟, و نحن نعيش في بلد قد لا يراه معظم سكانه بأنه جيد جدا للعيش, و يراه أبناء الجنوب جنة على الأرض ؟. أما حديث إليزابيث عن كونها تعرف ما يقصده إلياس فلم يتجاوز حد رؤية الأمر من خارج الحيز, أما الرجل الشاب فقد كان يقصد ما قصده جيف في رسالته حول حقيقة ما عاشه و خبره بنفسه كجندي مقاتل, و ما عاشه إلياس و خبره كجندي مقاتل أيضا.... لا أحد سيفهم الأمر.

 

في المساء و بعد نهاية هذا اليوم الذي يعد أكثر أيام الأسبوع المثخنة بالعمل لإلياس, دخل الشاب المتنزه العام بدل أن يتوجه إلى البيت مباشرة, أخذ له مكانا على مقعد خشبي و هو يتفحص وجوه بعض من كانوا يجلسون تحت الأشجار أو في المقاعد المجاورة, أو يمارسون تمارين الركض, أو يسيرون برفقة كلابهم أو بمفردهم لعله يتعرف على جار أو صديق.

 

كان المكان مضاء بأشعة شمس المساء الأخيرة التي كانت تميل إلى الاحمرار شيئا فشيئا, و مع لمساتها اللطيفة على أوراق الأشجار المُحمرّة و بعض السحب المتفرقة التي انعكس ضياءها على المباني الزجاجية المجاورة للحديقة, و على سطح البحيرة التي تتوسط المكان, صنع جو الخريف المثالي الذي طالما عشقه الرجل رغم برودة الجو النسبية. إنه الجو المسائي الذي تطغى عليه الأنوار البرتقالية و الحمراء على المظهر العام للمكان, إنه الجو الذي يذكره بتلك التي أعجب بها ذات مرة و هو مراهق في الثانوية, ثم أحبها كالمجنون بعد الثانوية, تلك التي كان قد تعرف عليها في أيام تشبه هذه الأيام, شيء ما حز في نفسه, إنه ذلك الحنين الغريب الذي اعتاد عليه و قد رافقته بعض الأسئلة: " كيف هي الآن ؟, ما الذي صنعته في حياتها يا ترى ؟, هل تزوجت ؟, هل تغيرت ملامحها ؟, هل تتذكر من حين لآخر ذاك الذي أحبها و لم تستطع منحه فرصته ؟. ". شيء واحد يعبث بمشاعره في مثل هذه الحالة و هو أنه في الغالب يكاد يخلط بين صورة الوطن الأم و بين صورة حبيبة المراهقة, إلى درجة أنهما بالكاد يتحولان إلى شيء واحد ؟. تنهد إلياس للحظة ثم أخرج الظرف مرة أخرى, رسالة جيف التي لم يبقى الكثير منها بحسب ما يبدو, لكنه يأمل أن لا يقرأ المزيد عن فظاعة حرب العراق:

 

"..... قد تتساءل ما الذي يبقيني متماسكا بعد كل الذي قصصته عليك, إنه ليس الصلاة فالإيمان ما عاد ينفع أغلبنا, بعد أن تأكدنا جميعا و في أعماقنا أن هذه الحرب لا علاقة لها بالرب فهو بريء منها, و لا بمعركة "هرمغدون" و لا بعودة المسيح كما يفتري المتدينون, و لا علاقة لها بحماية أمن و حرية الولايات المتحدة من خطر الأسلحة البيولوجية, التي كان يعدها صدام حسين و جيشه بالتعاون مع أسامة بن لادن كما يتشدق القوميون, هي فقط حرب بترول و صفقات إعادة إعمار و تسليح و مديونية و انتشار استراتيجي لا أكثر كما يقول الملازم ماكارثر, نقطة للبراجماتيين.

 

أما سرّنا فهو الموسيقى يا صاح, إنها ملاذنا الأخير وسط هذه الفوضى الشرق أوسطية و حساباتها الكبيرة, التي تفوق تفكيرنا نحن الشباب البسطاء السذج الذين ننفذ الأوامر و الخطط فقط. الموسيقى هي ملاذنا الذي من خلاله نهدئ من خواطرنا المختلطة, و نتذكر من خلاله كم نحن مطالبون بالتشبث بالأمل رغم كل ما حدث و يحدث, بعد أن صار هدف أغلبنا في هذه الحرب و لو بشكل غير معلن, هو الحفاظ على سلامة أجسادنا و عقولنا من أجل قلوب كل من نحب في الوطن, لعلنا نستعيد جزءا من حياتنا الاعتيادية إن نحن عدنا سالمين إلى الديار يوما ما.

 

لقد اكتسبنا عادة جماعية في الفريق عكفنا على ترسيخها, خاصة عندما نكون في طريق عودتنا إلى القاعدة بعد يوم شاق و مخيف, تتمثل في الاستماع إلى أغنية " نوكينغ أون هيفنس دورز "( الطرق على أبواب الجنة ) لفريق " غانز أن روزس ". لا أعلم من بدأ بهذه العادة التي صارت نوعا من طقوس الاسترخاء أثناء العودة إلى البيت, لكنني أحببت الفكرة خاصة و أن ريتم الأغنية المنتظم و الثقيل الممتزج مع صولو الغيتار الهادئ, يجعل المرء المنهك من يوم شاق يغمض عينيه مستمتعا بذلك اللحن. تنساب الألحان بلطف داخل رأسك المُحطّم بكل أنواع مشاهد العنف و القتل المتراكمة لتبدأ في تهدئة صداعها الذي يسحق النفس في صمت, ناهيك عن أنها تذكرنا بأجواء الوطن, فقط, تستمر في التحديق بوجوه أصدقائك المنهكة و هم يغمضون أعينهم يحاولون النوم قليلا, تقرأ على تلك التقاسيم عبارة واحدة: " سئمت هذه الحرب... سئمت حمل هذا السلاح ". تراقب ملامحهم و أنت ترى من خلالها صورة الأمريكي, ذلك الشخص المُغرر به من قبل تجار الحروب, ذلك المغرور الساذج الذي يورط نفسه في صراعات الآخرين عن حسن نية ظنا منه أنه يفعل الصواب, و ما هو في الحقيقة سوى أداة في يد ألائك القادة الذين يتحكمون في رقبته, و يعمون عقله بالخطابات الوطنية الحماسية الرنانة و الوعود الكاذبة.

 

في تلك اللحظات التي تراقب فيها وجوه أصحابك ينتابك نوع من الإشفاق على حالهم و على حالك,  بعد أن تدرك و تلمس إلى أي مدى رُحت ضحية هذه الحرب رغم أنك لا تزال حيا, و تقول في نفسك لو أن كل هؤلاء الشباب الذين يفيضون بالطاقة و الحيوية و روح التنكيت علموا أن الأمر سيكون قذرا و مقرفا هكذا لما تطوع أحدهم في الجيش. و في اللحظات التي ترتفع فيها المروحيات التي تقلنا إلى مستوى قريب من السحب التي تبدأ في التبدد بعد يوم غائم, ينعكس عليها نور شمس آخر المساء فتدخل تلك الأشعة عبر النوافذ الدائرية و تلامس وجوهنا و نحن نستمع إلى تلك الأغنية و أغان أخرى. في تلك اللحظات يكون الطيارون أكثرنا حظا و هم يشاهدون تلك اللوحة السماوية البديعة يعبرون من خلالها بالمروحيات, و كأنهم يعبرون بوابات الجنة العملاقة عائدين بنا من أرض الجحيم. في تلك اللحظة أتذكر كثيرا من لم يعودوا في صفوفنا أبدا, تتراءى لي وجوههم في لحظة واحدة, هي اللحظة التي يبتسمون فيها, لذلك غالبا ما تكون تلك هي الصورة الأخيرة التي أحتفظ بها لهم في مخيلتي, إنها صورة وجوههم الباسمة الضاحكة في مواقف طريفة كنا قد عشناها معهم, و رغم أن أغلبنا لم يتمالكوا أنفسهم و دموعهم يوم تأبين كل واحد من ألائك الإخوة, إلا أنك تشعر في النهاية بأنك لست مضطرا إلى أن تحقد على من تسببوا في مقتلهم بشكل ما, تشعر فقط بأن ما حصل قد حصل, فنحن نقوم بما يجب علينا القيام به من جهتنا من أجل القضاء عليهم, و هو الأمر معهم كذلك, فهي فقط حرب في النهاية, بغض النظر عمن يكون عدوك فيها, فينتاب خلدك شيء واحد و هو كيفية البقاء على قيد الحياة و الحفاظ على سلامة الضمير, إلى حين أن تضع هذه الحرب أوزارها و يحين وقت العودة إلى الديار, و لا يهم من كان الرابح, فقد قمنا بالصواب و اقترفنا الأخطاء... و الكل يشعر بالتعب الآن.

 

لم أحدثك عن المترجمة العراقية سمية, إنها فتاة لم تتجاوز الرابعة و العشرين فقدت معظم أهلها في تفجير انتحاري قبل بضعة أعوام, لكنها تتحدث الانكليزية بطلاقة عالية لأن أبويها كانا يدرسان هذه اللغة في الجامعة.

 

لم تكن مرتاحة لي في الأيام الأولى و كانت تظن أنني مخبر أو جاسوس أو ما شابه, كلف بمراقبتها عن كثب, لأنني كنت أسألها كثيرا عن العراقيين, ماذا يحبون, ماذا يكرهون, خاصة و أني كنت أستعمل بعض الكلمات و العبارات العربية التي تعلمتها منك و من جون, فاهتمامها بي بدأ يوم سمعت تلك الموسيقى التي بدت لها أنها ليست أمريكية و لا غربية, فقد اقتربت مني ذات مرة عندما كنا ننظف مراكبنا و شاحناتنا, و هي تمعن السمع إلى تلك الألحان الجميلة, سألتني عن نوع هذه الموسيقى فأخبرتها أنها موسيقى " القناوي " الجزائرية, فأشعرها ذلك بنوع من الارتياح تجاهنا, ثم تعرفت على ملازم اسمه "عمر" رغم أنه ليس عربيا و لا مسلما, لكن والده الذي درس التاريخ الإسلامي كما يحكي عنه كان مهوسا بشخصية و مآثر و بطولات عمر بن الخطاب, فسمى ابنه بهذا الاسم, منذ ذلك الحين انفتحت سُمية تجاهنا, و فهمت أن الكثير من الأمريكان لا يحملون أي شيء ضد العرب أو المسلمين. لكنها ظروف العالم و تشابك ملابساتها و تشويش القادة و المنظرين و الإعلام على مشاعر الأجيال و الشباب, و الحقيقة هي أني اكتشفت أن المسيحيين و المسلمين و اليهود يعيشون جنبا لجبن في هذه البلاد منذ قرون بكل تناغم و انسجام, فتبا لمن أخبرونا في الديار أن تصادم الحضارات هو حتمية تاريخية.....هراء.

 

لا أزال أحتفظ بأغاني القناوي–روك و القناوي–جاز التي يؤديها " كاتب أمازيغ " و " جمال لعروسي" التي حصلت عليها منك أيام تواجدي في الوطن. خارج أوقات العمل أستمتع بإيقاعاتها الإفريقية الراقصة و أتذكر الكثير من الأحداث السابقة, أتذكر أيام الصيف أين كنا نرقص كالمجانين في البيت على وقعها, حين كان شقيقي ماك يفاجئنا بخرطوم المياه و يعلن عن انطلاق حرب المياه...

 

آه كم أشتاق إلى الديار و الحياة السابقة يا صاحبي, وحدها الموسيقى من تبعدني عن واقعي الحالي و تحملني إلى هناك, إلى تلك التلال الخضراء و البراري الشاسعة و الجبال المغطاة بالثلوج و البحيرات العظيمة.... أمريكا, أشتاق إلى بلدي و بيتي, أشتاق إلى أعياد الهالوين و أعياد الميلاد و الفصح و الاستقلال, أشتاق إلى مباريات البيسبول و مسابقات الرياضات الميكانيكية القصوى و مهرجانات ترويض الخيول البرية, مستعد أنا لأراهن بأي شيء مقابل استعادتي لحياتي الماضية التي كانت تسير في خط جيد قبل أن أتورط في هذا المنحى.

 

لم أخبرك بأن علاقتي مع إيمي قد انتهت, أجل يا صاح, ها قد أصبحنا أنا و أنت متعادلان. بالنسبة لها فقد تطلب الأمر بضع كلمات منها في آخر محادثة هاتفية بيننا " هذه العلاقة لم تعد مجدية ", و ما فهمته من كلامها هو أنها باتت تفكر في شخص آخر, لكنني لا أملك أن ألومها فأنا أتحمل جزء من الذنب, فقد بذلت جهدها لمنعي من الذهاب إلى الحرب تماما كما فعلت أنت, لكنني مصمم على استعادتها بعد عودتي, و آمل فقط أن لا تكون علاقتها قد توطدت مع هذا الوغد الذي أخذها مني... سأوسعه ضربا على طريقة العسكر.

 

 لقد جاء على خاطري ما قلته لي ذات يوم, في أمسية من أمسيات أكتوبر, كنا عائدين من "غرين وود" على الطريق السريع إن كنت تذكر, و قلت لي بأن فتيات هذا الزمان يقعن في الحب البصري فقط, فهن لا يمنحنك الفرصة إلا إذا كنت أمام أنظارهن طوال الوقت و الأيام, و كنت تحدثني عن هذا الشهر و لمَ تحبه, كنا نستمع إلى أغنية " تيوزديز غون " ( يوم الثلاثاء قد انقضى ) بصوت "جيمز هاطفيلد" الرائع, عندما كانت نفس الأشعة الحمراء ذات الجمال تعانق كل شيء على الطريق ممتزجة مع نسمة باردة.....أجل, لا أزال أتذكر كل التفاصيل, سألتك حينها عن سر تعلقك بتلك الأشعة, فالتزمت الصمت للحظات قبل أن تخبرني بأنها تشبه لون شعر الفتاة التي أحببتها.

 

توقف إلياس عن القراءة و خرج من تلك الرسالة بنبضه العميق و هو يتنهد مبتسما ناظرا إلى نفس الأشعة الشمسية و هي تلامس بشرته, فقد تذكر أكثر مما يجب و التهب حنينه إلى أيام هو الآخر مستعد للمراهنة بأي شيء من أجل استعادتها, فقط ليشبع ناظريه في تلك التي افتقدها لسنوات دون أن يتمكن من إخبارها بكل ما كان يود إخبارها به, لكنه أخذ يستعيد ما دار بينه و بين جيف ذاك المساء دون الحاجة لقراءة الرسالة.

 

لقد كانا ينطلقان بسيارة قاطرة استعاراها من أحد الأصدقاء عائدين من نيويورك, كان النسيم يداعب شعر إلياس بلطف و هو شارد الذهن بأفكار مبعثرة متقطعة كتقطع تلك الأنوار الشمسية الحمراء على وجهه بفعل مرور الأشجار و الأعمدة المصطفة على طول الطريق الذي كانا يعبرانه هو و صاحبه.

 

" هل جميع الجزائريين يحبون الصمت هكذا أم أنك تعد استثناءا ؟ " قال جيفري و هو يمسك المقود بيمناه واضعا ذراعه اليسرى على مخرج زجاج النافذة في الباب, فأطلق إلياس ضحكة خفيفة مجيبا: " يُشاع عن الجزائريين أنهم عصبيون, لكني لا أظن ذلك شخصيا, كل ما هنالك هو أنني أصبح شاعريا بعض الشيء في مثل هذا الوقت من السنة, فهو يذكرني بالكثير من الأشياء و الأشخاص ".

 

 نظر إليه جيف و هو يرفع حاجبا فوق الآخر: " تركت فتاة خلفك في الوطن ها ؟, لم تخبرني بأنك كنت على علاقة مع إحداهن ".

 

_ " لم أحظ بعلاقة معها, كنت مغرما بها فحسب, رغم أننا كنا زميلين في الدراسة لفترة ما, فأنا لم أعرفها عن قرب,كلما نظرت إلى شمس المساء أين تكتسب هذا اللون الأحمر الفريد من نوعه, يذكرني ذلك بلون شعرها الأصهب, عيناها البنيتان, بسمتها اللطيفة , روحها المرحة,عفويتها المسلية, تفتحها على جميع الناس.., كائن دافئ جميل لكنه كان ذو ملمس بارد على روحي, تماما كهذا الشعاع الأحمر, أليس هذا غريبا ؟. " قالها إلياس و هو يمد يده جهة الشمس لعله يشعر بدفء تلك الأشعة على راحة يده مبتسما بحنو, يتذكر ما رآه و لم يحظ به في ماضيه من تلك الصهباء, في حين واصل جيف القيادة و هو يرمي ببصره إلى الطريق تارة و إلى إلياس تارة أخرى, و كأنه يحاول تفسير الأمر بينه و بين نفسه قبل طرح رؤيته للموضوع ثم نطق : " لا تقل لي بأنك هجرت بلدك بسببها يا رجل ؟ ". تنهد الرجل و هو يحك خصلات حاجبه بسبابته يبحث عن جواب منطقي دون أن يعثر عليه: " صدقني لا أعلم, ربما, كل ما أعلمه هو أنها جعلتني أكتشف شيئين لم أعشهما مع أي شخص آخر في حياتي كلها... " يصمت قليلا ثم ينظر إلى جيف قائلا: "..حب مطلق, و يأس مطلق, هل تصدق هذا ؟ ".

 

الحب المطلق و اليأس المطلق, رددها إلياس مع نفسه بضع مرات و قد عاد بوعيه إلى حاضره, فقد وجد نفسه يقف على شط البحيرة الصناعية فانقلب و عاد إلى كرسيه و جلس يكمل ما بقي من الرسالة:

 

" ...عندما أمعن التفكير أجد أنكم جديرون بالإعجاب أنتم عرب أمريكا, هل تعلم السبب ؟, رغم كل ما عشتموه من تهميش و مضايقة و كره, إلا أنكم فرضتم وجودكم في الوطن بالصبر و الكفاح و القدوة الحسنة, و ها أنت ترى, ففي الوقت الذي صرت فيه أنا الأمريكي ذو الأصل الايرلندي النقي  أحارب صورة و قيم أمريكا الحقيقية في الخارج, و أنشر عنها تصورا بشعا للغاية, أنت هناك صرت مواطنا أمريكيا صالحا بكل معنى الكلمة, يعمل من أجل تطوير و تحسين بلده, فمن منا الأجدر بحمل لقب المواطن الأمريكي الآن ؟.

                                              

صديقي إلياس, يجب أن أشكرك لأنك أتحت لي فرصة مراسلتك لأفرغ لك عن كل هذا الكم من الكبت, حتى أني أشعر بتحسن و انتعاش و انشراح في صدري, و أشكرك أيضا لأنك علمتني كيف أنظر إلى الطبيعة بعين القلب, بفضل قصتك مع الخريف و مع أكتوبر, فذلك جعلني مع مرور الوقت أفهم و أشق طريقي الخاص بي نحو البحث عن الصفاء في أعماق الذات, هو جانب لم أكن لأكتشفه في نفسي لولاك, بل لم أكن أعلم بوجود جانب كهذا في عمق الإنسان, أدين لك بواحدة يا رجل.

 

 أعتقد أن هذا الخطاب سيكون بين يديك بعد معرفة من سيكون رئيس الولايات المتحدة الجديد, و إلى ذلك الحين أتمنى أن أكون على قيد الحياة, فالمرء لا يعلم ما الذي قد يصادفه في هذه البلاد, رغم أن أعمال العنف الموجهة ضدنا قد انخفضت في الأسابيع الأخيرة عما كانت عليه, أتمنى يا صاحبي أن يقرر القادة عندنا سحبنا من هنا لنعود إلى ديارنا و عائلاتنا, هكذا لن تضطر و لن أضطر إلى الكتابة لبعضنا مرة أخرى, سأكون معك و مع بقية الأصدقاء هناك, جون, إليزابيث, إيمي, وانغ, ويلي, بيتر... و البقية, و سنعيد أيامنا الجميلة و نصحح علاقاتنا التي اهتزت بفعل هذه الحرب التي فرقت شملنا.

 

الأيام مدرسة يتعلم منها الجميع ما شاء من الدروس, و هل تعلم ما علمتني إياه ؟: وحدهم ألائك الذين يعارضون منطق الحياة سيستمرون في اقتراف نفس الأخطاء, رغم أن التاريخ أثبت أن تحقيق المصالح لا يتم بهكذا طريقة و منطق, أنت قلت لي ذات مرة بأن أحد الفلاسفة الجزائريين الكبار قال بأن الخطأ المنهجي خير من الصواب الفوضوي, صدق و صدقت يا صاح. يجدر بقادة أمريكا الذين أرادوا تحقيق أهدافهم بطرق فضيعة أن يتعلموا من هذا القول, فتحقيق المصالح عن طريق نشر الفوضى في العالم, و العدوان على الآخرين و سحقهم ليس منهجا سليما على الإطلاق اعتنِ بنفسك جيدا, آمل أن أراكم عما قريب.....جيفري.

 

هكذا كان هذا اليوم الحافل الذي عاشه إلياس و كأنه إلى جانب جيفري. أفكار و مشاعر و ذكريات و وجهات نظر: " مكانك الحقيقي كان يجب أن يكون في الجامعة يا صاحبي ". همس بها إلياس بين شفتيه متحسرا و هو يفكر في ذاك الشاب الأشقر الذكي و المتقد الحواس و العقل, الذي كان من الممكن أن يخدم بدله أكثر لو أنه بقي هنا شأنه شأن الآلاف من الشباب أمثاله, لكن ما حدث جعل إلياس يستخلص أمرا مهما للغاية في لحظة شرود و تفكير عميق بخصوص هذه الدولة المعقدة التي يعيشها فيها.

 

من أغرب حقائق أمريكا أنها عنيفة و دموية حتى في ربط علاقاتها بالأمم, لقد كان الإنكليز من ألذ أعداء الأمريكيين عندما كان هؤلاء يحاربون من أجل الاستقلال عن التاج الملكي البريطاني, لكنهم صاروا و منذ عقود من أقرب الأصدقاء و الحلفاء لهم. حصل نفس الشيء تجاه الألمان و اليابانيين في الحرب العالمية, حيث اعتبرتهم أمريكا من شر الخلق و قاتلتهم بقسوة و شراسة منقطعة النظير, في الأخير انضموا إلى قائمة حلفائها و أصدقائها المقربين. و بعدهم جاء دور السوفييت و الصينيين عن طريق الفيتناميين و الكوريين الذين عاشوا نفس التجربة التي يمر بها العراقيون اليوم, و في النهاية تحول الكل إلى أصدقاء و إن بقيت عقدة الشيوعية تظهر من حين لآخر, و قد انتبه إلياس إلى أن الدور قد جاء على العرب و المسلمين اليوم, فقد اتجهت نحوهم الأفكار و الآراء و الدراسات في نفس الوقت الذي صُوبت فيه المدافع نحو رؤوسهم, فهذا القرن هو قرنهم, إنه يعيش المرحلة الفاصلة و الحساسة التي يجب فيها على كل عربي و على كل عربي أمريكي أن يسهم في خدمة الحضارة العربية الإسلامية و مصالحها و صورتها في ذهن الغرب و أمريكا بأحسن صورة و بأحسن شكل. إنها فرصتهم التي يجب عليهم اغتنامها خلف ظهور الذئاب المخططين في واشنطن, الذين حتما سيجدون بعد بضعة عقود خروف أمريكا التالي, ألائك الذين جعلوا من هذا البلد الرائع لا يستمر إلا بالحروب و الغزو.

 

بعد أن أشبع وقته بالتفكير في أمور السياسة و التاريخ و علاقات الأمم, و بعد أن رن جرس ساعة يده معلنا عن اقتراب صلاة المغرب, أراد  إلياس القيام بشيء أخير قبل توجهه إلى المسجد, فأخرج دفتر ملاحظاته الصغير و أخذ يسجل على إحدى أوراقه: " هناك من يقول بأن العالم يجب أن يكون ربيعا دائما يعمه السلام و الأزهار و الدفء, ذلك غير ممكن لأنه مهما حصل فالأشرار سيضلون دوما يعيشون بيننا, و الحياة إذن لا يمكنها أن تكون ممتازة دائما, و هناك البعض الآخر يقول بأن العالم هو شتاء دائم بسبب المنكر و الفظاعة التي تقع كل يوم و في كل مكان, و ذلك لا يمكن أن يكون أيضا لأنه لا يزال يعيش في هذا العالم أشخاص طيبون يبذلون المستحيل من أجل تحسين الأوضاع, ثم إنه و رغم كل شيء هناك دوما قدر من الجمال في هذا العالم.

 

و الحقيقة هي أنه سواء نظرنا إلى العالم و التاريخ أو نظرنا إلى قلوبنا, سنجدها دوما مخلوقة من خريف, فترات من الدفء و فترات من البرد, فترات من السعادة و فترات من الهم, فترات من الأمان و فترات من الخوف, فترات من الصراع و أخرى من الوفاق,  قلوبنا و حياتنا كلها خريف, أين تمتزج فيها جميع الألوان و جميع المواسم, إنها حقيقة البشر, و حقيقة الحياة. ".

--------------------------------

فنور علاوة - البليدة في 17/10/2009.   

 

خلاصة القول: متى يسترد الغرب الرحمة و متى تسترد العرب العقل ؟؟؟؟؟

 

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens