Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
15 avril 2011 5 15 /04 /avril /2011 15:44

mountain-fog-kenneth-lepoidevin-1-.jpg

من التراث الجزائري: أسطورة الفتاة اغريبة

في أواسط سنوات السبعينات من القرن الماضي, ظهر شاب جزائري مغمور يُدعى " حميد شريت " مقدما أغنية بعنوان " أفافا إينوفا " ( يا أبي إينوبا ), حيث بدت من الوهلة الأولى أنها ستكون عملا رائعا, و قد كانت فعلا واحدة من الأغاني النادرة القادمة مما يُسمى "العالم العربي", التي أفلحت عبر ألحانها و كلماتها و معانيها في تحريك و مخاطبة وجدان المجتمعات الغربية الفاتر, و صنعت الملمح العام و الواجهة الرئيسية للثقافة الجزائرية العابرة للحدود و المؤثرة في الثقافات الأخرى منذ الاستقلال. فهي الأغنية التي أحدثت ثورة حقيقية في مفهوم الهوية الوطنية في بعدها البربري, و التي كانت و لا تزال تعاني من التناقضات, فقد قربت بين الجزائريين من الناطقين بالعربية و الناطقين بالأمازيغية, و أزالت الكثير من العقد التي خلفها الاستعمار و كرستها هفوات النظام الحاكم بين أبناء الشعب الواحد, فرغم بساطة الأغنية تلحينا و كلمات, إلا أن أجيال و أجيال من الجزائريين على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم أحبتها و حفظتها و لا تزال تتغنى بها إلى اليوم.

فبصوته الدافئ و بمشاركة صوت أنثوي ناعم, أدى المطرب حميد شريت المعروف فنيا باسم: إيدير(1) أغنيته باللغة الأمازيغية, بلحنها البربري الهادئ الذي يهيئ النفس للدخول المباشر في الجو القصصي الخرافي لهذه الحكاية الجميلة, التي تقص أسطورة جزائرية قديمة بطلتها الفتاة " غريبا ", أو كما يلقبها البعض بالقبعة الحمراء الجزائرية, التي تصارع قسوة الأيام و صعوبة الزمن و تقلباته, من أجل إعالة أسرتها الفقيرة, بعد أن يُقعد المرض والدها الكهل.

فينطلق الفنان و شريكته في الأغنية في سرد الأسطورة بأسلوب حِواري غنائي ساحر, لا يترك المجال للمستمع حتى لو لم يكن يتقن تلك اللغة الضاربة في أعماق جذور الشعب الجزائري لآلاف السنين, إلا أن يرحل إلى تلك الأزمنة الغابرة, التي عاش فيها الأمازيغ في قرى تحيط بها أصوار من أحجار مشيدة على سفوح الجبال فوق مستوى السحب, بعيدا عن متناول القبائل المحاربة و الممالك المتوسعة, و وحوش الجن الغريبة و السحرة و الشياطين التي كانت تعيش في كهوف الغابات الكثيفة المظلمة. حيث يضرب فصل الشتاء بعباءته الباردة الثقيلة ذات اللون الأزرق الداكن على البلد كل سنة, فيحجب نور الشمس و يُسكت زقزقة الطير و يعري الأشجار و النبات و يُضيق على الأرزاق, ليفرض جوا رماديا كئيبا و صامتا لا يعلوه سوى عواء الذئاب الجائعة, التي تبدأ في التجمع من أجل الانطلاق في البحث عن قطعان الأيل البربري السغب و المنهك من الزمهرير القادم من أرض الروم الشمالية الواقعة وراء البحر المتوسط.

 هناك أين تعود الفتاة غريبة تجر ذاتها المتثاقلة حاملة بعض القوت, تحاول الإسراع قبل أن يدركها الظلام بعد يوم من الكدح في الحقول, فتصل عتبة الكوخ المعزول عن بقية المساكن القروية وسط الطود المظلم و هي تلتفت خلفها بين الفينة و الأخرى خوفا من ذاك المسخ, الذي لا تعرف ملامح وجهه و شكل جسمه إلا في خيالها و كوابيسها الطفولية البريئة, فتفترض أنه في طريقه إليها يتتبع آثار قدميها على بساط الثلج, أو هو يتربص بها بين أشجار البلوط و الصنوبر في تلك اللحظات, فتهم الصغيرة بدق الباب بيدها المزرقة من البرد و بلهفة  ترجو والدها " إينوبا " أن يفتح لها حتى تلج البيت, أين يوجد دفء الكانون الممتلئ بالجمر و العيدان المحترقة تحت القِدر, و صراخ و ضحكات الإخوة الأربعة الذين يلعبون بدماهم المصنوعة من قماش محشو و هم يفترشون جلود الأنعام, و الحساء الساخن الذي تكابد يوميا كغيرها من أبناء المجتمع من أجل أن لا ينقطع عن عائلتها, و الأمان الذي تبعث به نظرات الجدة الطاعنة في السن ذات الجبين المليء بتجاعيد السنين.

لكن الأب يتأخر مترددا, فتصرخ الفتاة باكية في ذلك الجو المثلج و هي ترجو والدها أن يفتح الباب, لأنها تخشى أن تدركها دابة الغابة المخيفة, فتخطفها تحت جمح الظلام و تأخذها إلى عالمها الرهيب الذي لم يره أحد من قبل, تحت جذور الأشجار و الصخور في أعماق الأرض, فلا تستطيع الرجوع إلى عالم البشر مرة أخرى. فيخطو الأب الشيخ بحذر و بطء نحو الباب و هو غير مقتنع بأن تلك التي تلطم و تبكي هي ابنته الحبيبة, و يساوره الشك في أن المتحدث هو دابة الغابة البارعة في تقليد الأصوات و اللعب بالقلوب لافتراس ضحاياها في لحظات ضعفهم القاسية, فهل يغامر بفتح الباب لقادم مجهول قد يدخل إلى داره و يحدث مجزرة في أهله العزل ؟, أم يعدل عن ذلك ليترك ابنته البكر و سنده في الحياة لتكون هي ضحية البرد و الذئب و الغول ؟.

إنه لمشهد إنساني صعب للغاية بالنسبة لأب مسكين ضعيف الموقف قليل الحيلة, و قلبه يحترق حزنا أمام ذلك الاختبار القاسي. لكنه يتذكر في لحظة يأسه أن الابنة تضع بعض الأساور في أطرافها, و في اللحظات التي تستمر فيها بالتوسل خلف الباب, يطالبها هو بأن ترج تلك الأساور التي يعرف صوتها جيدا, ليتأكد أن تلك هي ابنته الحقيقية, لكن الفتاة ترتعب في تلك الأثناء و هي تخبره بأنها تخشى مسخ الغابة, الذي قد يسمع بدوره الأساور و يُسارع نحو صوتها فيتحول الكابوس إلى حقيقة, فيعود الأب مجيبا بكل ألم, بأنه هو الآخر يخشى ذاك الغول على أهله, فهو لا يستطيع أن يفك القفل قبل أن يتأكد من أن الصغيرة غريبة هي فعلا الواقفة هناك. فبعد أن يتأكد من كل شيء, يفتح الباب أخيرا لترتمي الصغيرة بين أحضانه و هي تبكي بحرقة تعبر له عن شدة خوفها من ذلك المجهول الذي يعيش في عمق الجبل و يخشاه السكان, و هما لا يعلمان أنه في يوم ما سيتحول الكابوس إلى حقيقة, عندما يكتشف المسخ سر خدعة الأساور. إنه اليوم الذي ستجد فيه الفتاة نفسها رهينة الوحش الذي سيحملها إلى عرينه, أين تندلع معركة بينه و بين الإخوة الذين يهبون رفقة القرويين لنجدة غريبا الفتاة المضحية.

هذا ما يفعله فصل الشتاء القارص في تلك البلاد البعيدة, أين يحتمي الشيخ في برنسه و هو يتدفأ, في حين ينهمك ابنه في تحصيل خبز العيش, يتأمل مفكرا في أيام المستقبل القريب و صباحه المنظور. و تلك المرأة الجالسة هناك تنسج على آلتها المصنوعة من حطب, و ألائك الصبيان الذين يجتمعون حول العجوز يُمعنون السمع للقصص و الأحاجي و الحِكم. و في الوقت الذي يستمر فيه الثلج بالتكدس على العتبة خلف الباب, ينضج الطعام على النار في القدر بهدوء, في حين يحلم الأعيان و سكان القرية بالربيع القريب و ما يحمله من الثمار و الأعياد و الأعراس, رغم أن الصمت و السكون لا يزالان يخيمان على آغورا(2) المفروش بطبقات الثلج , و القمر و النجوم قد احتجبوا عن أنظار الجميع, دلالة على أن الشتاء لن يرحل بعد. لكن العائلات المتضامنة تجتمع  و هي تسترجع الذكريات و حكايات الماضي, في محاولة لجمع صبرها و حشد همتها في مواجهة ما بقي من أيام هذا الفصل, التي تقف خلفها أيام الربيع المشمس, بعد مرحلة مريرة و صعبة مر بها السكان و البلد.

بهذه العبارات و المضامين عبر الفنان إيدير عن هذه الأسطورة التراثية الرائعة, التي تحمل كما هائلا من الرسائل و المعاني الإنسانية العميقة حول واقع الحياة و تناقضاتها بين لدغها و ترياقها, و التي تحولت بها أغنية إيدير نفسها إلى جزء من التراث الموسيقي الجزائري – العالمي, فقد سحرت كل من سمعها في جميع أقطار العالم, حيث تمت ترجمة كلماتها إلى أكثر من ست عشرة لغة, و قد كانت آخرها اللغة الصينية.

______________________

-1 إيدير اسم أمازيغي معناه: سوف يعيش.

-2 آغورا  أو ثاجماعث: هو مكان يوجد في القرى و المداشر الجزائرية, حيث تختلف تسميته من منطقة لأخرى, لكنه يخصص للمناسبات الاجتماعية و الدينية و الالتقاء بين القرويين في الأيام العادية أو الاستثنائية من أجل النقاش و تبادل الأفكار و توطيد العلاقات.., حيث يعد مقياسا لحالة العلاقات الاجتماعية.

 

_____________________

 

 

 

 

 

 

Partager cet article

Repost 0

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens