Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
16 avril 2011 6 16 /04 /avril /2011 14:58

 Snapshot_2-copie-1.png

 

تمر هذه الأيام 54 سنة على استشهاد واحد من أكبر قادة و مفجري الثورة الجزائرية, العربي ابن مهيدي, الرجل الذي لا يزال يسيل الكثير من حبر أقلام التأريخ و الصحافة و الأدب بين ضفتي المتوسط, في الأوساط الأكاديمية و الأدبية و حتى السياسية, لما يمثله هذا الرجل من رمزية استثنائية في تاريخ الحركات التحررية في العالم, و الذي أجمع كل من عرفوه سواء من الأصدقاء أو الأعداء, على تفرد شخصيته و توجهاته و الكيفية التي سخَّر بها حياته منذ مرحلة المراهقة و إلى غاية إعدامه في خدمة القضية الجزائرية, حيث التصق تاريخه الشخصي بتاريخ الثورة, إلى درجة صار فيها الفصل بينهما مستحيلا. و هذه لمحة عن حياة و نضال و استشهاد الرجل الزاخرة بالعمل و الأحداث و الأسرار و الجدل:                                                                                                                        

المولد و النشأة:

وُلد محمد العربي بن مهيدي عام 1923 بمنطقة الكواهي الريفية بناحية عين مليلة التابعة لولاية أم البواقي بالشرق الجزائري, وسط عائلة متمسكة بهويتها الثقافية و الدينية. دخل المدرسة الابتدائية بمسقط رأسه قبل أن ينتقل إلى ولاية باتنة لمواصلة تعليمه الابتدائي, قبل أن يعود إلى أسرته و ينتقل إلى مدينة بِسْكرة بالجنوب الشرقي الجزائري, التي أتم فيها تعليمه هناك حيث انضم إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1942, و هي المرحلة التي التقى فيها برفيق دربه, المجاهد و المناضل الكبير عبد الكريم حساني سنة 1944 عندما كان بن مهيدي قائدا لفوج الكشافة الإسلامية لمدينة بسكرة. و إلى جانب شغفه بالفنون و المسرح و السينما و الموسيقى الأندلسية, كان بن مهيدي رياضيا محبوبا من طرف الجميع, و سبب حب الأهالي له هو الأهداف الكثيرة التي كان يسجلها في مرمى الفرق الفرنسية, عندما كان لاعبا في صفوف فريق الإتحاد الرياضي الإسلامي لبِسكرة, الذي أنشأته الحركة الوطنية.                                         

ملامح النضال الأولى و المشاركة في تفجير الثورة:

تم اعتقال العربي بن مهيدي خلال مسيرات مايو 1945 السلمية الشهيرة, التي اعتبرت حينها – كما هو الشأن مع معظم أبطال الثورة الجزائرية – أولى تجاربه النضالية المؤثرة, بعد الرد الجهنمي الفرنسي عليها. و سنه لا يتجاوز 23 عاما, تم الزج ببن مهيدي في أحد الأقبية رفقة جماعة من السكيرين و المجرمين حسب شهادة المرحوم حساني, الذي أكد أن بن مهيدي كان قد تقدم تلك المسيرات التي تحولت إلى مظاهرات في الصفوف الأمامية.                                                                                    

بعد أهوال مظاهرات مايو 45 التي خلفت أكثر من أربعين ألف قتيل جزائري, و مثلهم من السجناء, تقرر إنشاء المنظمة الخاصة ( أو- أس ) عام 1947 كأول تنظيم سري جزائري ذو طابع شبه عسكري, الهدف منه التحضير لاندلاع العمل المسلح من أجل تحرير الجزائر باستخدام نهج العنف الثوري, بعد الفشل الفاضح للنضال السلمي و السياسي في تحقيق مطالب الجزائريين. و قد كان العربي بن مهيدي من أوائل الشباب الذين التحقوا بهذا التنظيم. و طيلة سبع سنوات من التحضير السري للثورة, تدرج بن مهيدي في صفوف المنظمة الخاصة من مسؤول الجناح العسكري بمنطقة سْطيف عام 1949 و نائب رئيس أركان التنظيم بالشرق الجزائري " محمد بوضياف " آنذاك, إلى المسؤول الأول عن التنظيم عن نفس المنطقة عام 1950, قبل أن يختفي عن الأنظار بعد اكتشاف السلطات الاستعمارية لأعضاء المنظمة و تفكيكها, فيما عُرف بأزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية بين 1950 و1953 , حيث تم تعيين بن مهيدي في تلك الفترة الحساسة كمسؤول الدائرة الحزبية في ناحية وهران بالغرب الجزائري.                            

كل تلك المسؤوليات التي تقلدها الشهيد جعلت منه اسما بارزا يتداول بين ألسن المناضلين, و حين تكوين اللجنة الثورية للوحدة و العمل في مارس 1954, كان بن مهيدي ضمن الشخصيات البارزة التي حضَرت الاجتماع السري لمجموعة الـ 22 الكبار بالعاصمة الجزائرية صائفة 54, و الذي خرجت منه مجموعة الـستة التاريخية, بضمها خيرة الشباب الوطنيين الذين تحولوا إلى الآباء المفجرين للثورة الجزائرية ميدانيا و هم: مصطفى بن بولعيد, محمد بوضياف, رابح بِطاط, مراد ديدوش, كريم بلقاسم, و طبعا العربي بن مهيدي, الذي أسندت إليه قيادة الولاية التاريخية الخامسة ( الغرب الجزائري ). حيث اجتمع الستة الكبار شهر أكتوبر 54 بعد إتمام الاستعدادات العسكرية في كل مناطق الوطن, محددين تاريخ و ساعة انطلاق الثورة و محولين اسم اللجنة الثورية للوحدة و العمل إلى جبهة و جيش التحرير الوطنيين.                   

بعد الانطلاقة المفاجئة و المزلزلة للثورة الجزائرية, و في أشهرها الأولى, بذل بن مهيدي جهودا جبارة من أجل الحفاظ على استمرارية العمل المسلح, خاصة في مرحلته الأولى, ذلك أنه كان يدرك أن أخطر ما يهدد الثورة هو خمود حماسها في نفوس جنود جيش التحرير و حتى في الشارع الجزائري الذي كان لا يزال منقسما و مترددا بشأن هذه الحرب, التي أطلقت عليها السلطات الاستعمارية عن طريق إعلامها و دعايتها اسم " الأحداث المعزولة ". لذلك عُقد مؤتمر الصومام في 20-08-1956 بجبال ولاية بِجاية, و الذي كان يهدف إلى إعادة هيكلة جهاز الثورة بعد النجاح في تفجيرها, بشكل يضمن لها أن تكون أكثر فعالية و شمولية, و أن لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية, بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و تفعيل الكفاح السياسي على ضوء الكفاح المسلح, حيث كان بن مهيدي من الوجوه البارزة التي حضرت المؤتمر. و رغم الخلافات الكبيرة التي شابت الاجتماعات بين كبار القادة, و التي تحولت فيما بعد إلى أحد أسباب الصراعات الداخلية بينهم ( الصراع بين السياسي و العسكري ), أنتج المؤتمر أجهزة كلجنة التنسيق و المتابعة و المجلس الوطني للثورة, التي رأى فيها البعض أنها زادت من توسع لهيب الثورة و فعاليتها, بينما رأى فيها البعض الآخر خروجا بالثورة عن خطها الأساسي. بالرغم من ذلك, فإن بن مهيدي ظل مركزا على مسئولياته و واجباته كقائد عسكري.                                        

ظروف الاعتقال و الاستشهاد:

في 1956 وقعت عملية القرصنة الجوية الشهيرة, التي قام بها سلاح الجو الفرنسي للطائرة التي كانت تقل الزعماء السياسيين الكبار في لجنة التنسيق و المتابعة, الذين كانوا في طريقهم من المغرب إلى تونس, و هو ربما الحدث الأبرز في السيرة القيادية لبن مهيدي. فإعلان السلطات الاستعمارية إلقاءها القبض على رؤوس جبهة التحرير و على رأسهم المناضل الكبير " أحمد بن بِلّة ", و زجها بهم في السجن, كان يوحي بأن الثورة – في شقها السياسي و الدبلوماسي على الأقل – قد دخلت نفقا مسدودا. و هو ما كان يعني من ناحية أخرى, أن بن مهيدي و بفعل ترتيبه القيادي في جبهة التحرير و رتبته العسكرية في جيشها كعقيد, كان قد صار عمليا المسئول العسكري الأول للثورة مع أربعة من رفقائه في لجنة التنسيق و التنفيذ, و من ثم الرأس الأخطر الذي لا يزال طليقا بالنسبة لباريس.                                                          

آنذاك, كان الرجل قد تنقل إلى الجزائر العاصمة – حسب شهادة الفدائي الكبير " ياسف سعدي" ( لا يزال على قيد الحياة ) – للتحقيق في التفجيرات التي كانت تهز العاصمة, قبل أن يتأكد من أنها ليست من تنفيذ الحزب الشيوعي الجزائري, الذي كان يومها في صراع مع الحكومة الفرنسية من جهة, و جبهة التحرير الوطني من جهة أخرى.                                                                                                   

و بعد أن تيقن بن مهيدي من أن ياسف سعدي ( قائد المنطقة المستقلة ) و أعضاء شبكته هم من كانوا وراء عمليات التفجير, و بعد أن أعجب بقصبة الجزائر باعتبارها مدينة ملائمة للعمل الثوري, قرر البقاء و الإشراف على قيادة معركة الجزائر شخصيا, غير عالم بما يخبئ له القدر وسط حرب الوشاة و الجواسيس و القنابل تلك. ففي شهر فبراير 1957 و بسبب وشاية ابن أحد الأثرياء الجزائريين, اقتحم رجال وحدة المظليين الثالثة التابعة للكولونيل " مارسيل بيجار" أحد المساكن, و ألقوا القبض على العقيد بن مهيدي. فانتشر الخبر و تصدر عناوين الصحف الفرنسية و العالمية في الأيام الموالية, و تناقلت محطات التلفزيون و وكالات الأنباء صور اعتقاله, في لقطته الشهيرة حين وقف مُصفّد اليدين وسط المظليين يبتسم إلى المصورين بكل ثقة و هدوء, رغم عِلمه بما كان ينتظره بعيدا عن أضواء الكمرات. و قيل إنها رسالة إلى رفاقه و جنوده يدعوهم فيها إلى الثبات و عدم القلق على أنفسهم وعلى خلاياهم و مخابئهم, لأنه لن يتفوه بشيء. رغم أن بيجار و رجاله – إنصافا للحقيقة – عاملوا الشهيد بلباقة منذ لحظة اعتقاله.                                                 

و الحقيقة أن القبض على بن مهيدي العظيم الذي أرعب السلطات الفرنسية لسنوات, كان يعني بالضرورة العد التنازلي لإخماد الثورة الجزائرية و فشل مشروع التحرير. فقد كان بيجار و هو يُمسك برأس بن مهيدي الثمين بين يديه, على يقين تام بأنه كان يمسك في الحقيقة بالعلبة السوداء للجناح العسكري لمنظمة التحرير الجزائرية, بكل ما فيها من أسرار مفتاحية عن الهيكلة و التنظيم العسكري و المالي للثورة مع كل أرقامها اللازمة, باعتباره أحد الآباء المفجرين الذين تحولوا إلى ما يشبه الأسطورة بعد الذي أقدموا عليه. و ظن الجميع حينها أن الحصول على تلك المعلومات و الاعترافات و الوشاية بمكان تواجد بقية مناضلي لجنة التنسيق و المتابعة, إنما هو قضية ساعات لا غير... لكنهم و بعد أيام من الاستنطاق و المراوغات و المساومات, لم يحصلوا على أي سر قاتل من الرجل. فقرر حينها بيجار تسليم المناضل إلى ضابط الاستعلامات المظلي " بول أوساريس" المتخصص في تعذيب و إعدام الأسرى, بعد أن يئس من محاولة كسب وده و تأليبه ضد رفاقه و استغلال عامل الخلافات الداخلية التي كانت تعيشها جبهة التحرير.        

فقد تقرر حينها و بكل بساطة تصفية الرجل, قبل أن تأخذ قضية اعتقاله منحنيات أخرى لدى العدالة الفرنسية الواقعة تحت الضغوط و الرأي العام الدولي المترقب, كأن يُطالب بمحاكمة علنية للرجل و في إطار اتفاقية جونيف و القوانين الخاصة بأسرى الحرب. و هذا ما لم يقبل به ساسة فرنسا و ضباطها, خاصة و أن الظروف الدولية كانت كلها توحي بأن القضية الجزائرية في طريقها للتدويل في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة, بعد الصدى الكبير الذي نجح بن مهيدي و رفاقه في إحداثه في الداخل, عبر عملياتهم العسكرية المُكثفة, التي هيَّجت الشارع الجزائري, و جعلته يتبنى مواقف الثورة عبر الإضرابات و المظاهرات التي نجحت جبهة التحرير في تنظيمها طيلة سنوات الكفاح..., و ما نتج عنه من رد فعل فرنسي عنيف و صدى على المستوى الدولي. فكان لا بد من نهاية هذا الكابوس بالنسبة للجنرال " جاك ماسو " قائد المظليين في العاصمة و " فرانسوا ميتيران " وزير العدل, و من ورائهما الحكومة الفرنسية.

و هكذا خرجت سلطات الاحتلال لتعلن أن العربي بن مهيدي قد أقدم على شنق نفسه باستخدام قميصه في زنزانته ليلة 4 إلى 5 مارس 1957, لتخلص نفسها من الورطة الأخلاقية و القانونية التي سببها لها الشهيد الذي أرّق باريس و هو طليق كما أرقها و هو سجين لديها. لكن التصريح أثار رفض و سخط أقارب و أصدقاء الرجل, لمعرفتهم بوازعه الديني الكبير. كما أثار شكوك الصحافة الفرنسية بسبب غرابة هذه الفرضية, التي ضلت سارية لنحو 26 عاما, حيث اعتبر خلالها موت بن مهيدي من ألغاز حرب الجزائر حسب التعبير الفرنسي. إلى غاية 1983 حين نشرت السيدة " ظريفة بن مهيدي", شقيقة الشهيد و زوجة المجاهد عبد الكريم حساني مقالا أكدت فيه أن شقيقها لم ينتحر, بل تمت تصفيته. المقال الذي أحدث بلبلة واسعة بين صحافة الضفتين, و أعاد إلى الواجهة ظروف موت قائد الثورة الجزائرية الشهير.               

تكشُّف الحقائق و استمرار الجدل حول موت القائد بعد عقود:

بشهادة المجاهد المرحوم عبد الكريم حساني للأستاذ الكاتب عمر بن عيسى, أنه في عام ألفين, جاءه اتصال هاتفي مفاجئ من الجنرال بيجار, الذي طلب لقاءه لأمر مهم للغاية. فاستشار المجاهد بعض رفاقه و منهم شقيقة بن مهيدي التي لم تكن متحمسة للفكرة. بل إن الأمر وصل ببيجار ليُعرب عن استعداده لزيارة الجزائر للإدلاء بشهادته حول بن مهيدي, لولا أن السلطات الجزائرية لم تمنحه تأشيرة الدخول إلى البلد. الأمر الذي دفع بالزوجين حساني لزيارة الجنرال في فرنسا. و كتب الأستاذ عمر بن عيسى نقلا عن شهادة عبد الكريم حساني ما يلي: لما رأى ( بيجار ) السيدة ظريفة قبَّل رأسها و بكى و قال له ( للمجاهد حساني ): " ثلاثة لن أنساهم أبدا: هوشي منه, جيسكار ديستان, و العربي بن مهيدي, لقد كان له وجه ملائكي. "                                                                                                                    

و تابع المجاهد حساني وصفه لما دار بينه و بين الجنرال, فقال أن بيجار أكد له و لزوجته أنه لم يُعذب بن مهيدي شخصيا, لكنه سلمه لأشخاص آخرين ( أوساريس و رجاله ), في اعتراف ضمني بصحة فرضية التعذيب و الإعدام, بل أعرب عن استعداده للذهاب إلى الجزائر لإقامة ندوة إعلامية حول الموضوع " بشرط أن ينحني أمام روح العربي بن مهيدي ".                                                                      

و في نفس الفترة تقريبا, كان الجنرال أوساريس قد قرر هو الآخر و في آخر أيامه الخروج عن صمته الذي دام أربعين عاما, فأدلى بتصريحات لجريدة " لو موند " الفرنسية هزت الرأي العام الفرنسي, حول عمليات التعذيب الوحشي السِّرية للمناضلين و المعتقلين الجزائريين, و إعدامهم دون محاكمة و دفنهم في مقابر جماعية أيام الثورة. و نشَر مذكراته التي تناول فيها الحرب الجزائرية و مواجهته لاثنين من عمالقتها: الشهيد " زيغود يوسف " و العربي بن مهيدي. في محاولة لتبرير ممارسات الجيش الفرنسي في تلك السنوات, و إعطائها طابع الحتمية بإلصاق صفة الإرهاب و الروح الإجرامية بمقاتلي جبهة التحرير. حيث جعل حديثه عن الضحايا المدنيين من الفرنسيين و بعض الجزائريين الذين سقطوا في العمليات التفجيرية, التي كانت جبهة التحرير تنفذها في قلب الأحياء الأوروبية بالعاصمة بأوامر بن مهيدي, أساس تبريره لأفعاله الشنيعة تجاه المعتقلين الذين كان يُشرف على استنطاقهم. ناسيا أو متناسيا أن أعداد الجزائريين الأبرياء من ضحايا همجية القوات الفرنسية كانت لا تحصى قياسا بعدد ضحايا الطرف الفرنسي من الأبرياء.                             

لكن أوساريس خرج باعتراف مهول حطم به أكاذيب فرنسا حول نظرية انتحار بن مهيدي, و هو أنه كان قد هرَّب الشهيد من مقر فرقة بيجار بِحي "الأبيار" وسط العاصمة مع عدد من الجنود في منتصف الليل, تفاديا لأي شهود عيان, و أخذوه تحت حراسة مشددة و بسرعة جنونية إلى مزرعة مهجورة خارج مدينة الجزائر, هناك أين قاموا بشنقه, بمعرفة و مباركة مسبقة من طرف كبار المسئولين الفرنسيين, بينهم وزير العدل فرونسوا ميتيران. ثم لفقوا تقارير عسكرية تؤكد أنه انتحار.                                                 

و شهد أوساريس أن بن مهيدي كان هادئا جدا, كما رفض أن توضع عصابة حول عينيه في لحظاته الأخيرة, ليُفهم أعداءه أنه  لا يخاف الموت و أنه يُريد ميتة جندي لا ميتة صعلوك, و حين قيل له بأنها الأوامر, رد مكابرا: " أعرف ماهية الأوامر, فأنا نفسي عقيد في جيش التحرير الوطني".                    

أما عن الفدائي ياسف سعدي, فقد طرح نظرية مخالفة تماما لما أورده أوساريس في كتابه, و هي أن ضباط الجنرال ماسو كانوا قد نكّلوا بالشهيد قبل أن يقتلوه, ثم سلّموا جثته إلى أوساريس الذي اختلق قصة الانتحار. و من بين الأدلة التي قدمها المناضل, هو أنه و بعد الاستقلال, تقدم بطلب لإعادة إخراج رفاة بن مهيدي, و أنه و بعد تفحصه لرفاته, اكتشف آثار الرصاص في مناطق مختلفة من عظام الشهيد. رغم وجود قصة أخرى تقول أن جثة الشهيد قد تم التنكيل بها بعد الإعدام شنقا من طرف جنود أوساريس نكاية في الثورة, بعدما قهرهم قائدها معنويا....                                                                              

و مهما كان حول لغز تعذيب بن مهيدي و قتله, فالنتيجة التي تلتقي حولها كل الروايات الخاصة بمقتله – عدى كذبة الانتحار – هي النهاية البطولية للرجل, الذي رفض كل الإغراءات المادية و المعنوية التي قُدمت له مقابل كسب تعاونه مع الاحتلال و الانقلاب على قضيته و رفاقه و شعبه. و المؤكد أيضا هو أن أوساريس ظل يحقد على الشهيد, و لم يهضم فكرة خروج فرنسا من الجزائر طيلة تلك السنين كما أظهر ذلك في مقابلة متلفزة على قناة الجزيرة القطرية عام 2003. كما ورد في الصفحة 132 من كتابه أن بن مهيدي استحق عشر إعدامات بدل واحد. و لحِكمة الصُّدف, ورد ذلك التصريح الحاقد ( في الطبعة العربية للكتاب ) في الصفحة التي تحمل رقم عمر احتلال فرنسا للجزائر ؟.                                              

شخصية تقية و قائد تاريخي محنك:

لقد كان بن مهيدي مجرد شاب بسيط متخلق شديد التواضع بشهادة معارفه, بل و حتى مجرد إنسان بمحاسنه و عيوبه. و مهما أصاب و أخطأ في حياته النضالية, شأنه شأن جميع قادة الثورة الجزائرية, فالثابت و المؤكد هو ثرائه و غناه بالقيم الوطنية و الدينية, و قناعته الكاملة بالقضية التي كان يعتقد أنها صحيحة, مما دفعه ليقاتل لها بكل ما يملك, و ذاك كان السبب الأول في تحوله إلى شخصية كاريزمية, يُشار لها في الأفلام السينمائية و الوثائقية و كتب التاريخ و الروايات. حتى أن المعجبين بشخصه استخلصوا السر اللغوي من اسمه ( ابن مهيدي ), و هو من الهداية و التمهيد للثورة و الاستقلال. و هذا بالضبط ما اهتدى إليه الشاب و فعله طيلة حياته دون أي شيء آخر.                                              

فعندما التقى بيجار بعدوه السابق المجاهد حساني, و في خضم حديثهما عن الشهيد, سأل الجنرال إن كان بن مهيدي من أتباع تيار الإخوان المسلمين, لما رآه فيه من تمسك شديد بتأدية صلواته الخمسة في أوقاتها, فرد عليه المجاهد بالنفي, و بأنه كان فقط متدينا, متمسكا بتعاليمه و فرائضه الدينية كما هي الحال مع معظم ألائك الشباب الذين فجروا ثورة نوفمبر. و حتى قبل الأسر – حسب المجاهد حساني –  كان بن مهيدي لا يفوت صلاة واحدة, حتى عندما كان يحضر اجتماعات عظماء الثورة, كان إذا حضرت الصلاة ينسحب على استحياء في صمت, ليصلي ركعاته, ثم يعود إلى الاجتماع. و هذا مثال بسيط يوضح أن الشاب كان مستقيما و تقيا, و كل ما كان يشغل باله هو تحرير وطنه.                                             

أما عن عبقريته الحربية التي قد يُشكك فيها البعض, فنقول أنه خلال أيامه الأخيرة, عندما كان أسيرا لدى بيجار في حي القصبة, و بعدما نجح الجنرال ماسو في تفكيك جل شبكات الفدائيين الجزائريين في العاصمة, ممهدا بذلك لحسم المعركة عسكريا لصالح فرنسا. أراد بيجار تحطيم معنويات أسيره على أمل أن يكسب تعاونه – حسب ما قصه في لقائه بالمجاهد حساني دائما – ففتح نافذة الغرفة التي كان يحتجزه فيها و قال له: " لم يبق لكم يا العربي شيء, نحن الأسياد, لقد صرنا نتحكم في مقر عملياتكم, أنتم صفر مُكعب. " حينها رد عليه بن مهيدي رد من يُخبِّئ مفاجأة, بعد أن يكون قد أدرك أن فرنسا ابتلعت الطعم تماما: " أنت مخطئ يا جنرال, نحن نتغلب على الجيش الفرنسي بالحق و ليس بالسلاح, أنتم ستخسرون التاريخ."                                                                                                                     

و هو القول الذي صدق بعد بضعة أشهر من ذلك, فالحقيقة أن فرنسا كانت قد فطنت حينها إلى أنها خسرت المعركة الدبلوماسية خارجيا, بتركيز كل جهودها على الورطة الأمنية و حلولها اللاأخلاقية التي جرها إليها بن مهيدي و بقية الثوار. فألَّبت المجتمع الدولي على نفسها, و أثارت اهتمام الأمم المتحدة بما كان يجري في الجزائر, مما مهد لتدويل القضية و طرح فكرة استفتاء تقرير المصير. و هكذا تفوق بن مهيدي – من خلال تسييره لمعركة الجزائر في شقيها العسكري و الشعبي – ببصيرته و استشرافه على قادة فرنسا مجتمعين.                                                                                                       

و تجدر الإشارة فقط إلى أن معركة الجزائر التي هندسها ياسف سعدي و قادها بن مهيدي, قد تم تدارسها العام 2003 في مقر وزارة الحربية الأمريكية ( البنتاغون ) من طرف كبار الجنرالات الأمريكان, بعدما تم احتلال العراق, من أجل استشراف أساليب المقاومة المُحتملة في المدن العراقية, و استلهام تكتيكات أنجع من الحلول التي لجأ إليها ماسو و بيجار و أوساريس في مواجهتهم لحرب العاصمة الجزائرية في وقتهم. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "أرييل شارون", كان هو الآخر مهتما بدراسة الثورة الجزائرية خلال فترة حكمه التي عرفت الانتفاضة الفلسطينية الثانية, و ما زامنها من عودة للعمليات الفدائية داخل المدن ذات السيطرة الإسرائيلية.                                                                        

خلاصة القول:

لقد رحل محمد العربي بن مهيدي قبل 54 سنة من اليوم إذن, و لم يخلف ميراثا ماديا أو نسلا من البنات و البنين, فقد سخّر شبابه و ماله و حياته الخاصة من أجل القضية الوطنية. و لكنه ترك تاريخا ثوريا حافلا, و ميراثا ثوريا يستشهد به الغرب كمرجعية في العمل المسلح, و بصمة عريضة في إنجاز الاستقلال الباهر الذي حققه الجزائريون. إضافة إلى مجموعة من الأقوال المأثورة التي يجدر تدوينها في كل كتب التاريخ, كمقولة: ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب. و هي المقولة التي أثبتت أنها صالحة لكل مكان و زمان, بعدما قام به شباب تونس و مصر و ليبيا مؤخرا... أو مقولة: أعطونا دبَّاباتكم و طائراتكم و سنعطيكم حقائبنا المُفخخة. و التي يجب أن نتوجه بها إلى دعاة الكيل بمكيالين, من وزارات خارجية و حكومات غربية, ظلت تنتقد و من غير خجل, بعض أساليب المقاومة في الأراضي الفلسطينية و اللبنانية, و تخفف من لهجتها تجاه ألوان العدوان الفتَّاك من الجانب الإسرائيلي. أو مقولة: قادة الثورة هُم وقودها. و هي مقولة يجب أن تُوجه إلى بعض القادة الذين يديرون المقاومة – أيّا كان نوعها – من المكاتب الفاخرة, عن طريق الهواتف المحمولة و الفاكسات, دون أن يظهر لهم أثر في ساحات المواجهة وسط الجماهير.   

ختاما نقول أن تفرد العربي بن مهيدي و قيمته التاريخية و المعنوية لكل الشعوب المحبة للسلام و الحرية, تتجسد في كونه مثال حي عن تلك الحالة الإنسانية التي يجد فيها المرء نفسه – حتى لو كان مسالما بطبعه – و من أجل تحقيق طموح شعبه إلى السلام و الحرية و الكرامة الكاملة, و تخليص بلده من الاستعمار و الهيمنة الأجنبية, مضطرا ليتحول إلى محارب شرس غير مهادن و غير منخدع بدعوات سِلم الشجعان الاستغبائية, التي يروج لها ألائك الذين يُعتبرون هم سبب العنف و الظلم و الاستغلال الأول في العالم. أما عن بن مهيدي كشخص, فتكفي شهادة العدو الوحيد الذي أنصفه, الجنرال بيجار مرة أخرى, بعدما أذهلته مواهبه التخطيطية و القيادية, و قوة نفسه و حسه الكبير بالتضحية من أجل رفاقه و جنوده و شعبه, و إيمانه الكامل بالقضية التي قاتل لها و مات من أجلها, حيث قال فيه بيجار مذهولا و بملء الفم, مُمنِّيا نفسه بشيء لن يناله أبدا: لو أن لي عشرة منه لغزوت العالم.                                                             

----------------------

علاوة أمير فنور – مدينة البليدة, الجزائر في 29-02-2011

  ---------------------

المصادر:

الجزيرة نت.

الجنرال أوساريس, شاهدتي حول التعذيب, مصالح خاصة: الجزائر 1957-1959. ترجمة مصطفى فرحات, دار المعرفة, الجزائر 2008.

جريدة الشروق الجزائرية بتاريخ 20-11-2010.

ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

http://www.benbadis.org

 ---------------------------------

Six chefs FLN - 1954[1] 

مجموعة الستة التاريخية ( الآباء الستة ), الوقوف من يمين الصورة إلى اليسار: محمد بوضياف, مراد ديدوش, مصطفى بن بولعيد, رابح بطاط. أما الجلوس: على اليمين العربي بن مهيدي و على اليسار كريم بلقاسم 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

bigeard-21-1-.jpg

العقيد مارسيل بيجار ( سفاح حي القصبة ), العدو اللدود لبن مهيدي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 للمخرج باتريك روتمان L'ennemi intime- شهادات تاريخية حية لكل من الضابطين أوساريس و آلير عن البطل بن مهيدي من الفيلم الوثائقي

 


 

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⵓⵏⵏⵓⵔ - dans مواضيع أخرى
commenter cet article

commentaires

abdelkader 06/07/2013 16:21

freedoooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooooom

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens