Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
17 avril 2011 7 17 /04 /avril /2011 22:01

botte roses pales[1]

كهينة: تلك البتول... ( قصة قصيرة )

 

          ربما كان مقدرا لها أن تحمل اسم ملكة جبال الأوراس الجزائرية الأمازيغية " كهينة ", تلك المرأة التي مثلت صورة الشموخ و الكبرياء و القداسة التي أحاطها بها شعبها أوقات الحروب في تاريخ أمتنا القديم, ربما لم تكن مصادفة أن تجتمع فيها خصال المرأة التي يصعب الاقتراب منها أو افتكاك إعجابها, رغم أنها تسحب الأرواح و القلوب إليها سحبا في الوقت عينه, أو على الأقل فقد سحبت روحه و قلبه إليها, أو ربما لا تزال تسحبهما لولا أنه يُقاوم و يقمع مشاعره تجاهها يُحاول جاهدا الفرار في الاتجاه المعاكس, ليس كراهية في الحب, فلا عيب في الحب الموزون و الناضج, لكن,  و أمام فتيات رصينات و محترمات, يجدر به أن يخاف مما قد يُحدثه حب هذه البتول " كهينة ".

لذلك فهو كثيرا ما يُحاول احتلال الأماكن الأولى في قاعة الدرس, فمن جهة هو يريد أكبر قدر من التركيز بما أنه جاد فيما يدرس, لكنه أيضا يحاول أن لا تكون تلك الظبية في مرمى ناظريه, فهو لم يعد يطيق تلك المواجهات العُصابية الطاحنة و الصامتة التي يعيشها بينه و بين قلبه, ذلك التلميذ الغبي الذي لا يحفظ الدروس..., و رغم ذلك لا تسلم الجرة في كل مرة, و غالبا ما يجدها تجلس أمام ناظريه مباشرة أو على الزوايا التي تصل إليها مقلتيه بسهولة, لذلك يستسلم رغما عنه في بعض الأحيان, فعين على الدرس و الأستاذ, و أخرى على  من يُفترض بها أن تكون العروس الموعودة ذات يوم.... ربما ؟, لكنه يراها جميلة جدا, في قلبها و قالبها.

 إنها فتاة ليست ككل الفتيات رغم أنها مجرد فتاة لها محاسن و عليها عيوب, أو هكذا هو يُحاول إقناع نفسه معظم الوقت ليقمع المزيد من مشاعره النامية يوما بعد يوم...., سر جمالها يكمن في بساطة ملبسها و مظهرها و ابتعادها التام عن أشكال البهرجة, التي حولت معظم شابات اليوم إلى جيل من الدمى الموجهة للاستهلاك الآني, أما هي فسلوكها و طبعها فريد من نوعه يُميزها عن كل من يعرف و من لا يعرف من بنات, إنها من النوع الذي يُستثمر للعمر كله.

عيناها بنيتان تنطلق منهما نظرات دافئة و هادئة على مدار العام, عادة ما تجعله يحاول وصف ما يوجد فيهما لكنه يعجز عن ذلك, بسبب أنها لا تنظر أبدا في عينيه إلا عرضا, ربما لحيائها, لكنه يعتقد أن ثمة أمرا ما, فإن كان في عالمنا هذا أربعة فصول في السنة, فلا بد من وجود الفصل الخامس في عينيها بكل تأكيد... و هو يأمل أن يكون الرجل المحظوظ الذي سيعيش ذلك الفصل يوما ما ؟.

طريقتها في الحديث مميزة, خاصة عندما تمزج لكنتها القبائلية عن غير قصد في بعض الكلمات العربية مما يجعل حديثها حلوا و ممتعا, فقد سبق و أن سمعها تتحدث, كما أنها كلّمته ذات يوم, ليس بالشكل الذي كان ينتظر أو يأمل, لكنه سمع صوتها عن قرب لأول مرة....لم تكن كلمات في الحقيقة... بل لكمات.

عندما تتحدث إلى الناس عادة فهي لا تكتفي بمجرد الحديث إليهم, بقدر ما تحاول دوما التواصل معهم بحنو تطغى عليه رزانتها و لطفها في تزاوج لا يُلاحظه إلا الشخص المهتم بها و بصدق, ربما هي صفة اكتسبتها من تربيتها المنزلية فصارت جزءا من سلوكها الاعتيادي, لذلك يكون تعاملها مع الناس مبنيا دوما على الود و احترام الذات الذي يفرض على الآخرين الاحتراز و الاحترام المتبادل, و في أحيان أخرى تستعمل إيماءات يديها و بسمتها البريئة التي تشرق من وجهها الطفولي في الحديث مع صديقاتها, بشكل يجعل الملاحظ المحنك يتفطن إلى كنزها الدفين,  فتلك الحركات الخفيفة و الرقيقة تدل على دلال و أنوثة خالصة و نقية قد يحلم بها أي رجل سليم الفطرة, عجبا من شباب مختلف الأقسام الذين لم يلحظوا ذلك, لكنه أمر مُطمئن لصاحبنا و هو يتمنى أن تظل أبصارهم مغشوة  بفتيات الملابس الضيقة و العطور الخانقة و القهقهات المفزعة ماداموا هم يرغبون في ذلك, ليس بغضا فيهم, بل غيرة عليها, بما أن صنفها بات نادرا جدا في زمن صارت فيه مطربات الفضائيات الهستيريات قدوة لجميع الصبايا...

و كثيرا ما يعود إلى نفسه و هو يبحث و يسأل عن سر كلمة " غيرة ", فمن نغار عليه هو شخص نحبه بالضرورة, لكنه لا يحبها بل يُكن لها العزة...., لكن..., من نحمل له العزة في قلوبنا هو شخص نحبه بالضرورة كذلك ؟.... لا, هو يحترمها فقط, لشخصيتها و اتزانها مقارنتا مع من هن في مثل سنها الصغيرة, لكنه يحمل لها بعض الإعجاب الذي أباحه لنفسه, ربما حتى لا يختنق قلبه في سجنه الانفرادي, فلا بأس ببعض الهواء النقي و بعض الخيوط الشمسية الذهبية, التي تأتي من تلك الشمس التي تشرق عليه كل يوم, تلك الشمس التي يُقبل عليها يوما آملا, و يفر منها يوما آخر يائسا.

عندما تمشي في الأروقة و الردهات, لا أحد يلاحظ مرورها في الغالب إلا إذا تفطن إلى جمالها إن كان ممن يفهمون معاني الجمال الحقيقية, فخطواتها صامتة, و مشيتها تشبه مشية اليمام... على الأقل هو يراها كذلك, طبيعية, متزنة, تمتزج فيها الرقة غير المصطنعة مع الثقة و الاحتشام, فهي تبعث على نفس من يراها شعورا جميلا بالسكينة و الاطمئنان, و هذا هو جوهر الفتاة الخلوقة... هذا هو جوهر الجمال.

إن أكثر ما يعجبه فيها هو جدها و كدها الدراسيان, إنها تخرج لتكافح من أجل مستقبلها غير آبهة بكل الصور و الأهواء المتلاعبة بعقول جل شباب هذه الأيام, و لعل ذلك كان أول شيء لاحظه فيها أيام الدراسة الأولى منذ انطلاق الموسم, و أول شيء جذبه إليها قبل أن يتطور داخل قلبه, و أهم شيء حتم عليه كبح نفسه بقدر المستطاع, فهي تذكره بأنه هو الآخر مسؤول أمام مستقبله إن كان فعلا يريد الظفر بها يوما ما, كما أنه يجد نفسه دوما مجبرا على الابتعاد عنها احتراما لها مادامت لا تود أي شيء آخر عدى الدروس, رغم أنه رغب كثيرا في التودد إليها تحت غطاء الزمالة ليُطلعها على جوانب شخصيته تمهيدا لما يُخطط له بعد نهاية الدراسة و الخروج إلى محيط الحياة الواسع.

في تلك اللحظات التي يسترق فيها النظر إليها من بعيد, و هي منهمكة في تقليب صفحات دفاترها, ينتابه شعور بالهدوء, لأنه يتأكد في قرارة نفسه بأن أمر إعجابها أو اهتمامها بشخص ما يبقى غير وارد تماما, أو على الأقل في الوقت الراهن, أو على الأقل هذا ما يبدو ؟, رغم أنه كثيرا ما يشعر باليأس من وضعه مع كل ما يحمله في نفسه من مشاعر صادقة و نبيلة, فهو لا يدري كيف يجعلها تفهم أو تشعر على الأقل بأنه ينوي التقدم لخطبتها عندما تجهز أموره, و بأنه جاد كل الجد في ذلك, فهو لا يستطيع إخبارها عن ذلك وجها لوجه لأن هذه الأمور لا تسير بهذه الطريقة في مجتمع مُحافظ, ثم إنه لا ينسى أنه شاب شديد الخجل, متعثر في الكلام, متخشب في الأداء عندما يتعلق الأمر بنبض متغير في فؤاده, رغم أنه في العادة يتمتع بثقة عالية في نفسه و هو طبيعي و  متفتح على جميع من يعرف,... و هكذا يجد نفسه مجبرا على مراقبة أحاسيسه و التضييق عليها حتى لا تتسع و تخرج عن نطاق سيطرته, مادام كل شيء غير واضح, فيستمر فقط في الدراسة و التربص من بعيد, مراقبا إياها و هي تحمي نفسها بمخالطة الفتيات الرزينات مثلها, فهن يتحركن معا بين الصف و المكتبة, باقة من الورود, تشع وسطهن وردة شديدة البياض, تملأ صدره بعبير يكاد يُنسيه أنه يضيق على قلبه فيُسكره من عاطفة الحنان التي يحملها لتلك الناعمة, التي لم يرى منها إلا الخير و لا تستحق غير الخير منه لو تمنحه الفرصة, تلك الفرصة تبدو بعيدة جدا, على الأقل في الوقت الراهن, أو هكذا يظن...., أليس كل هذا مؤشرا على حب ينمو ؟, و يا ليته كان ينمو بينهما, لكنه ينمو فيه لوحده و هذه فكرة تثير خوفه جديا فهو يخشى الوقوع في حب من طرف واحد.

أما هي فتبدو في بعض الأحيان شاردة الذهن مع نفسها, لهذا يتأمّلها من بعيد في صمت عندما لا يكون برفقة أحد محاولا تخيلها و هي متزينة بالحلي البربري و الجبة القبائلية بدلا من الماكياج و ألبسة البهلوانات المنتشرة هذه الأيام..., يبدو أن حُسنها لن يُضاهيه حسن عندما ستظهر بملمحها الطبيعي الأصيل. و في أحيان أخرى يسأل نفسه عن سبب ذلك الشرود, لذلك تعتريه رغبة غريبة و من دون سبب واضح في الذهاب إليها و مبادلتها بعض الأحاديث التي تطغى عليها بعض الفكاهة و التنكيت, لعله يرفه عنها و يزيح عنها أي ضيق مُحتمل يكون سببا في ذلك الوجه الهائم و النظرات البعيدة, لكنها قد لا تقبل أن يقترب منها بما أن لها نظرة مسبقة عنه.

ما حدث, و ما أوصل الأمر إلى ما هو عليه من هذا التعقيد, هو أنه أخطأ في الزمان و المكان الذي قصدها فيه للحديث إليها ذات مرة حول أمر دراسي, رغم أن دوافعه كانت أقوى من تريثه ذاك اليوم, لكن الفتاة لم تكن متسامحة حينها و ظنت به سوءا, لأنها كانت تعلم من قبل أنه كان ينظر إليها بشكل غير طبيعي لأيام, و هو يتعجب كيف فاته أن يتذكر أمرا كهذا و بأنه فعلا يحصل, النساء دقيقات جدا في ملاحظة أكثر لحظات الضعف التي قد يعيشها الرجل تجاه من تنال إعجابه و تبهر ناظريه, و يا لبؤسه و غبائه عندما يحاول التظاهر بأنه لا يقصد شيئا, فضعفه يتأكد فقط في تلك اللحظة من الكبرياء المزيف, إنهن مُلاحظات بالفطرة, حتى و إن أظهرن عدم اهتمامهن المطلق, لكن أسوء ما حدث تلك الأمسية هو أن الشاب قصد أمرا, و هي صدّقت أمرا آخر, ذاك كان من أكبر مخاوفه.

 أراد الاعتذار إليها لاحقا لولا أنه لم يمتلك الشجاعة بسبب الخجل و العار الذي عاشه مع نفسه, بعد أن أدرك كم كان قاصرا و غبيا في حساباته تلك الأمسية, و استشعر حجم الضرر الذي كان يمكن أن يُسببه لها, لكنه لم يكن متأكدا حتى من أنها ستصدقه, فمحاولة الاعتذار كانت يمكن أن تبدو و كأنها مراوغة أخرى بالنسبة لفتاة مُرتابة..., يكفيه في ذلك أنه قد أفسد كل شيء بنفسه في لحظة تسرع و اندفاع قد يعيشها أي رجل في حالة كهذه, و هي لحظة قد لا تفهمها بعض النساء, لكن ما كان يجب الحديث إليها في مكان عمومي لا يبعد كثيرا عن مقر سكنها, و هو يعلم أنها فتاة شديدة الحرص على سمعتها, فهل كانت نيته الصافية و مشاعره الصادقة كافيان ليشفعا له من ذلك الحكم القاسي ؟, الأمر صعب في مجتمع منغلق, لكنه في النهاية لم يُعاتب نفسه كثيرا بما أنه كان متيقنا من حسن نواياه, فقط ما كان يشغل باله هو كيفية إصلاح الأمر؟, كيف يمكنه إظهار صورته الحقيقية التي يعرفه بها الجميع دون تملق أو نفاق ؟.. قبل التفكير في كسب ثقتها ثم إعجابها ثم عاطفتها التي قد تمهد لافتكاك صمتها يوم تصل لحظة الحقيقة في بيت أهلها..., يبدو المشوار طويلا بعض الشيء, و نجاحه فيه غير واضح أيضا.

لقد قرر الابتعاد و الاهتمام بأمور أخرى مؤقتا, بعد أن أيقن أنه الحل لإصلاح ما حدث, فالمشكلة لم تعد بينه و بينها بما أنها لم و لا ترغب في التعاطي مع موضوعه برؤيتها و حُكمها المسبقين, أو على الأقل في الوقت الراهن ؟, لكن المشكلة باتت بينه و بين نفسه, لأنه في النهاية يقف في مفترق للطرق, فلا هو قادر على الاندفاع نحوها مادام غير جاهز بعد لطلب يدها وفق ما هو متعارف عليه, و لا هو قادر على الاندفاع نحوها من دون سبب بسبب المكابح التي وضعها لنفسه احتراما لها و لِسمعة أسرتها, و لا هو قادر على التقرب منها كزميل لأن ذلك سيكون أشبه بمزحة ساذجة في نظرها, بما أنها تعلم انجذابه إليها و هي ترفض ذلك الانجذاب, و لا هو قادر على إنكار عاطفة الحب التي تتجلى في قلبه نحوها يوما بعد يوم, و هذه التي يراها حسناء و يرغب فيها بشدة ستظل أمام ناظريه مادام الموسم الدراسي لم ينتهي بعد..., و الأكثر سوءا هو أنه يلمس حقيقة أن تركيزه الدراسي يتراجع بسبب هذا الصراع الداخلي المرهق, مما يعني أن نتائجه ستبدأ في التقهقر..., لقد تمنى لو أنه كان يعرف أحد أشقائها مثلا, كان ذلك سيُسهل عليه الكثير, فليس هناك أفضل من إتيان البيوت من أبوابها لكن...

هذا أسوء ما قد يحدث لشاب خجول مع فتاة مُتمنّعة, سوى أنه في بعض الأحيان يُدرك المرء أن عليه فقط أن يكون حاسما مع نفسه كالسيف, بقدر ما هو نزيه مع الآخر مادام واثقا من سلامة موقفه, ثم إنه متيقن من أنه كان و لا يزال يستحقها على أية حال, أما هي, فلا خوف عليها, لأنها ستبقى دوما كهينة القوية, الوردة الجميلة التي ستصيب أشواكها كل يد متطفلة قد تطالها, ثم إنه لن يبتعد كثيرا, لكنه سيأخذ لنفسه مسافة تضمن له أن يبقى دافئا أمام تلك الشمس التي يريدها, فلا يبتعد كثيرا حتى لا يتجمد, و لا يقترب كثيرا حتى لا يحترق, و لا بأس بشيء من التفاؤل... فالأيام بينهما, ستغير العذراء نظرتها نحوه و ستعرفه على حقيقته مهما طال الزمن, و قد تفكر فيه بينها و بين نفسها, بل و قد تغريه بالذهاب إلى بيت أهلها يوم تشعر بأنها جاهزة.... يُقال بأن المرأة كالهرة, عندما ترغب في التودد إليها تتدلل و تبتعد متكبرة, حتى و إن لم تقصد التكبر بمعناه الحقيقي, فإن تجاهلتها و اهتممت بشؤونك, حتى و إن لم تقصد التجاهل بمعناه الحقيقي, جاءتك بمحض إرادتها متوددة.

و الحقيقة هي أن كهينة البتول فتاة تشبه تلك الأمطار الرعدية الدافئة التي تهطل على حين غرة في أمسيات أواخر الربيع و بدايات الصيف, لا تخلف بعدها سوى قوسا بديعة من الألوان التي تعلن عن قدوم الليالي الطويلة التي  تكتسح فيها روائح الياسمين الأجواء و تحضن الأرواح.., تلك البتول لن يظفر بها إلا رجل حر في النهاية.

        

  -----------------------------------------

علاوه أمير فنور – 12-01-2010.

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens