19 avril 2011 2 19 /04 /avril /2011 15:51

20108130204910-amr-adib-1-.jpg

قراءة تحليلية في الأزمة الإعلامية الجزائرية – المصرية

     لم أشأ الانطلاق في تأليف هذا المقال بعد نهاية اللقاء الفاصل بين المنتخبين الجزائري و المصري في السودان, في الثامن عشر نوفمبر الماضي, لأنني كنت في حالة انفعالية غير سوية بسبب الفرح الذي عشته بتأهل الجزائر إلى المونديال القادم, و قلت في نفسي بأنني قد أفتقر إلى الموضوعية إن حرَّرت هذا المقال تحت تلك الحالة العاطفية الاستثنائية.

     لقد انتهت المباراة برابح و خاسر, لكن الاحتقان لم ينته بل تحول إلى أزمة حقيقية بين البلدين وصلت إلى أعلى المستويات, رغم أن لهيبها ظل مشتعلا عن آخره على مستوى وسائل الإعلام و الشارعين, الجزائري و المصري, مما يدفع بي لأحاول رصد الكيفية التي وصلت بها الأمور إلى هذا الحد, رغم أنه و مع الأيام الأخيرة قبل مواجهة القاهرة في 14/11/2010  بدا أن انزلاقات خطيرة ستحدث, بالنظر إلى وصول الحرب الإعلامية بين البلدين حد الجنون, و الذي وصل بالاحتقان و حالة التربص بين مناصري المنتخبين إلى مستوى الانفجار, الذي وقع فعلا بحادثة الاعتداء على حافلة المنتخب الجزائري في 12/11/2010  بالقاهرة و جرح بعض لاعبيه, و ما تلا ذلك من إساءة  و اعتداءات مؤسفة على المناصرين و الصحفيين الجزائريين, و هي موثقة بالأدلة المادية.....

     دعوني أولا أضع أرضية من الأفكار, التي يجزم المتتبعون لما حدث بين البلدين الجارين حتى الآن, بأنها تمثل الجانب الأول و النهائي من الحقيقة الموضوعية حول كرة القدم في حد ذاتها:

1- يتفق الجميع على أن كرة القدم باتت من أنجع " الأسلحة الصامتة " التي تستعمل اليوم في التحكم بوعي الحشود على المستوى العالمي, لأنها تخدم جانبا عميقا من اللاوعي الجماهيري و هو غريزة الإنجاز و الغلبة الجماعية, و التي في حالة ما تم إشباعها فهي تدخل الجماهير في حالة من النشوة التي قد تنسيها ردات الفعل و الأساليب التي ألفت التعاطي بها مع مشاكل الحياة الواقعية, إلى حد أن هذا الميكانيزم السري قد يُغير أنماط السلوك التقليدية العنيفة التي قد ترفض بها الحشود الواقع الذي تعيشه, إلى أساليب أقل عنفا و تهديدا بالنسبة للأنظمة الحاكمة, خاصة في البلدان المتخلفة...., المواجهات اليومية بين الشباب الغاضب و شرطة مكافحة الشغب قد اختفت تماما و إلى حين, من شوارع مدن الجزائر العميقة مباشرة بعد تأهل البلد إلى كأس العالم ؟.

2- يتفق الجميع كذلك بأن كلا من الجزائر و مصر بلدان ينتميان إلى حلقة بلدان العالم الثالث, المثخنة بالمشاكل الداخلية العالقة, سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي, مما يخلق  واقعا صعبا على الشعبين, و بما أن نسبة الشباب مرتفعة في الجزائر و مصر, فهذا يعني بلا شك أن رياضة كرة القدم تحتل مكانة هامة و متنفسا أساسيا للطبقات الاجتماعية الشابة و البسيطة في البلدين.

3- و بما أننا نتحدث هنا عن العالم الثالث, فهذا يعني بالضرورة أننا نتحدث عن عدم النضج السياسي و الفكري و الإعلامي, حيث لا تزال النزعات الفردية و الاندفاع و الرغبة في إعادة إنتاج نفس الأنظمة الحاكمة و استمرارها, هي الوازع المسيطر على التوجهات الكبرى في الجزائر و مصر, و قد تفطن نظام الحكم في كل قطر إلى مناسبة تصفيات كأس العالم كونها فرصة ذهبية لإعطاء كل من الشعبين جرعته المخدرة المناسبة, للحفاظ على هدوئه المؤقت.....

    إن النظر للأمر من هذه الزاوية سيجعل كل العقول الغاضبة مما حدث تتفطن إلى حقيقة أنها راحت ضحية سِحر كرة القدم و سحر الإعلام الرياضي لبعضه البعض, و الذي أعمى البصائر و الأذهان في كلا البلدين, بل و وصل ذلك السحر إلى حد التأثير على الطبقات النخبوية و جرّها إلى تلك الفوضى الغوغائية, رغم أن الجانب الأعظم من المتتبعين لتلك الأحداث – و منهم كاتب هذه الأسطر – يرى أن المسؤولية الأخلاقية الكبرى تتحملها الفضائيات المصرية الخاصة, التي وفرت اليوم كما هائلا من الدلائل المادية و الموثقة على ما يمكن اعتباره " البنزين الإعلامي " للأزمة التي باتت واقعا حقيقيا بين الشعبين, و ليس لي إلا ملاحظة صغيرة حول حقيقة التأثير السلبي الهائل الذي مورس على الإدراك الجماعي للجزائريين و المصريين من طرف تلك القنوات, تثبت أن أصل المشكلة يكمن في  صحافة مصر المرئية أكثر – و ليس قطعا – من صحافة الجزائر المكتوبة, و تكمن هذه الملاحظة في كون معظم الأفكار الإيحائية التحريضية التي أوصلت الجماهير إلى حالة الاحتقان التي شهدناها قبل مباراة القاهرة, كانت تبث عبر الفضائيات المصرية, بما أن الجزائر لا تملك سوى قناة تلفزيونية وطنية واحدة و هي واقعة تماما تحت نفوذ السلطة, التي حافظت على سياسة التهدئة و لم تنزلق وراء تلك الحرب, إضافة إلى أن الفضائيات المصرية تحظى بتتبع واسع في بلدان شمال إفريقيا ككل, و كلنا يعلم أن تأثير وسائل الإعلام السمعية – البصرية أكبر و أعمق من تأثير وسائل الإعلام المقروءة.

     لن يجد الباحثون في هذا الموضوع أي صعوبة تذكر في الوصول إلى أهم الاستنتاجات – التي طرحتها مواد تلك القنوات بنفسها و ليس كاتب هذا المقال – التي تغذي الطرح القائل بأن الفضائيات الخاصة لمصر كانت وراء شحن 90 في المائة من مشجعي المنتخبين سلبيا, خاصة من الجانب المصري, إذ يكفي مراجعة تسجيلات الحصص الرياضية و الإخبارية على تلك القنوات منذ فوز مصر على زامبيا – حتى لا أقول قبل ذلك بكثير – و استعادتها لأمل التأهل إلى المونديال, لنكتشف أن بعض الوجوه الإعلامية الرياضية كانت قد بدأت حينها تخلط بين شحن همة الشارع المصري و رفع معنوياته, و بين تحريضه " إيحائيا " من خلال طرح أسئلة غريبة على شاكلة: لماذا يكرهنا الجزائريون ؟.... فهل حقا كان  ذلك الوقت الأنسب لتلك التصرفات (.....؟ )

     هناك جانب جوهري في هذا المستوى الخاص بالتوجه الفكري  و المهني العام لهؤلاء المنشطين, و يتعلق أساسا بمدى تناسق ما يقدمونه لملايين المشاهدين مع أخلقيات مهنة الصحافة من جهة ( كمفهوم مجرد ), و أبجديات العمل الصحفي من جهة ثانية ( كسلوك إجرائي ), خاصة عندما نعلم بأن الكثير من هؤلاء كانوا رياضيين و لاعبين سابقين في المنتخب المصري, و نتساءل إن كانوا قد خضعوا لأية دورة تكوينية في مجال الصحافة قبل بدئهم العمل التلفزيوني. فإن لم يحصل ذلك فالمسؤولية تقع على عاتق من يوظفونهم في تلك القنوات, و إن كان قد حصل فالمسؤولية تقع عليهم و على مسئوليهم, نتيجة تصريحاتهم النارية – خاصة بعد تأهل الجزائر – التي عجبت منها كل وسائل الإعلام الدولية, و أكد أكبر الأكاديميين و الإعلاميين العرب و الأجانب على أنها منافية تماما لأبسط أخلاقيات مهنة الإعلام.

     قد نفسر هذه الظاهرة الشاذة بالرغبة في امتصاص صدمة و غضب الشارع المصري, عبر كل تلك البرامج الرياضية التي حضرت فيها كل أنواع السب و الشتم و التجريح, و تم اللجوء فيها إلى كل الشخصيات التي لها تأثير عاطفي على الشباب المصري كالمطربين و الممثلين بل و حتى الراقصات, و الذين لا تربطهم أية علاقة مع الرياضة, و الاستماع إلى ردات فعلهم و أقوالهم المستفزة في حق الجزائريين و ثقافتهم و تاريخهم, فكانت أفضل وسيلة لتفادي خروج الغوغاء إلى الشوارع و إفراغ شحنة غضبهم, عبر التكسير و التحطيم و رفع المطالب التي يشتكي منها المواطن المصري..., إذ كانت الوسيلة الأنجع هي لجم تلك الحشود عن طرق التلفاز و امتصاص غضبها بربط رؤوسها أمامه لساعات طوال, حتى لو أدى ذلك إلى التعدي على كل الأخلاقيات المهنية و الصحفية....

     و قد يُقال بأن ردة الفعل تلك لم تكن بسبب إقصاء مصر من المنافسة بقدر ما كانت بسبب التجاوزات التي طالت المشجعين المصريين من طرف " الهوليغانز " الجزائريين في الخرطوم, و هنا أود أن أؤكد – من باب الواقعية – بأن من ادعوا بأن المباراة و ما بعدها سارت في روح رياضية و هدوء تامين.... ليسوا صادقين تماما و إن كنا نتفهم ظروفهم لأن السياسة و الدبلوماسية فرضت منطقها هي الأخرى. لكن, شخصيا, لا أتصور مقابلة مصيرية في كرة القدم دون أعمال شغب, أو استفزاز على الأقل بين المناصرين, فقد أصبح الأمر من البديهيات و هو حاضر في بعض الأحيان حتى في البلدان المتحضرة, لذلك أقول: ربما, قد تكون أحداث شغب و عنف حدثت بين المشجعين, لكن لا يجب أن ننسى أنه و في حالة  " ثبوت " أن العنف الجزائري ضد المصريين كان قد وصل إلى الحد الأخطر الذي حاولت الفضائيات تصويره للرأي العام, فلا يجب التعجب من ذلك, لأنني أفسره كردة فعل عنيفة على ما وقع لعشرات الجزائريين في القاهرة ليلة الرابع عشر من نوفمبر, و الذي غضت كل الفضائيات المصرية الطرف عنه, و فضحته كمرات الهواتف النقالة.... و التي جاءت على إثرها ردود أفعال الصحف الجزائرية في اليوم الموالي أكثر دراماتيكية و جنونا , مما أدى إلى زيادة الغضب العام في الجزائر... و هذه نتائج طبيعية لسياسة التعتيم و عدم الواقعية و الحذر في نقل الأخبار و تغطية الأحداث بين الطرفين, فهل كنا ننتظر بعد ذلك شيئا آخر غير الموجة التالية من العنف الغوغائي المضاد ؟... أو كما قال أحد المحللين على إحدى الفضائيات في تلك الأيام, بأن الجماهير عندما تتحرك فهي لا تخضع للمنطق و العقل, بل تخضع للعاطفة و الغريزة و ردة فعل النخاع الشوكي.

     في الحقيقة فإن الحديث عن السلوكيات الإعلامية للصحافة الجزائرية و المصرية تجاه بعضها طيلة هذا المشوار و طيلة هذه المهزلة المؤسفة يجعلنا نخرج ببعض المعطيات, التي تثبت بأن الموضوعية القصوى لم تجد طريقها النهائي بعد إلى ذهن الصحفي العربي, و الأدلة على ذلك في الحالة المصرية – الجزائرية هي كالآتي:

أ - لاحظت أن الصيرورة التي كانت تسير بها المعلومات المتداولة في صحافة البلدين, قد بدأت أول الأمر من نقل الأخبار المتداولة في صحافة الطرف الآخر, كأخبار في حد ذاتها, إلى تناقلها كردات فعل بسبب تراكم التعاليق الصحفية المبنية أساسا على الأفكار الخاصة و الأحكام المعمّمة " الإيحائية " في أحسن الأحوال, و مثال ذلك نقل تصريحات المنشطين المصريين على بعض الصحف الجزائرية من حالة " قال فلان كذا و كذا في حق الجزائر " إلى حالة " قال فلان كذا و كذا في حق الجزائر, لأنه هو كذا و كذا.. و بلده كذا و كذا...", حيث استهدف الجزائريون بتهكمهم أكثر موضوع يؤلم المواطن المصري و يستفز مشاعره, و هو قضية التطبيع مع إسرائيل.

 و هنا نلمس حقيقة نوعا من الالتباس في أذهان الصحفيين بين حقيقة نقل تصريحات الجانب الآخر كما هي دون التعقيب عليها, و بين نقلها و التعقيب عليها من باب واجب الرد و الدفاع عن النفس و تصحيح المغالطات داخل الأطر المهنية الأخلاقية, دون استفزاز مشاعر عامة الناس من الطرف الآخر , ناسين أمرا خطيرا و هو أن الشارع يُراقب ما يحدث و يتفاعل معه من وجهة نظره العامية أو حتى السوقية, و ليس من وجهة التفكير و المنطق النخبوي, و المشكلة – التي ربما تطرح نفسها في عالم الصحافة ككل – هي: متى ننقل الخبر كما هو, دون إدخال رد فعلنا العاطفي تجاهه, و متى نرد عليه في حدود اللياقة و الاحترافية دون السقوط في مستوى سلوك أو ألفاظ الجانب الآخر, و كيف نُفهم الجماهير هذا الأمر " وفق مستواها العامي "؟. فبعض الصحفيين الجزائريين جعلوا من سفاهة بعض الوجوه الفنية و عدم احترافية بعض منشطي الفضائيات المصرية مسوغا كافيا للنزول إلى مستواهم, بعد أن لم يتحملوا المساس برموز و مقومات الدولة الجزائرية ( سب شهداء الثورة و السخرية من الهوية الأمازيغية كمثال ), و هكذا وقعوا في فخ رد الفعل اللاعقلاني و إن كان مقنعا معظم الوقت, لكن كثرة التهكم و الاستصغار و الاستفزاز التي فاضت بها كتاباتهم الصحفية عكسته إلى العلن, دون الحديث عن المقالات المليئة بالغضب الصريح " غير المُحدَّد " ( مِمَّن نحن غاضبون بالضبط ؟ ), و التي جرَّت عقول الجماهير و العامة إلى الغضب " المُعمم " على كل ما هو مصري, و هو نفس الأمر مع الجانب المصري, و هذه كانت الغلطة القاتلة بالنسبة للجانبين.

بـ - لاحظت كذلك أنه و في خضم ازدياد التوتر بين الجانبين و جمهور كل منهما, صارت الكتابات الصحفية و التعاليق التلفزيونية تميل دائما إلى تبرئة ذمة جانبها, و تصوره على أنه البطل الحقيقي المتحضر و المسالم, و تصور الجانب الآخر على أنه الأعنف و الأحط شأنا و الأكثر تخلفا, ناسين أو متناسين بأننا بصدد انتظار مباراة بين بلدين ناميين و جمهورين متعصبين كثيرا للكرة و مجتمعين مثخنين بالمشاكل الداخلية, ينتظران أية شرارة لينطلقان في تفريغ ذلك الغضب العام...

و هكذا و بعد أحداث القاهرة و الخرطوم راح كل طرف يبالغ في لعب دور الضحية, و لا يريد الاعتراف بأعمال فئة عنيفة من مناصريه – و هي فئة موجودة و ستظل رغما عن أنوفنا جميعا – و التي ألحقت الأذى بمناصري الفريق الآخر سواء جسديا أو معنويا. و هنا أتوقف لأقول أنه لو حدث و اعترفت القنوات المصرية بحدوث أعمال عنف ضد بعض الجزائريين في القاهرة, و لو اعترفت الصحف الجزائرية بحدوث أعمال عنف ضد بعض المصريين في الخرطوم, لاستطعنا أن نقول بأنه يوجد الحد الأدنى من الموضوعية في صحافة البلدين, و هو ما لم يحدث بتاتا – حسب تتبع كاتب هذه الأسطر لتلك التطورات –  ليُثبت فعلا أن الصحافة في الدولتين كانت قد انتقلت من حالة خصومة إلى حالة حرب إعلامية مفتوحة و حقيقية.

جـ - من المعلوم أن الصحافة في أي بلد تؤثر على توجهات الرأي العام و تساهم بشكل فعال في صياغته, لكن ما حدث في الظاهرة الإعلامية الجزائرية – المصرية هو أن الإعلام بات يؤثر و يتأثر بعامة الناس, ففي خضم هذا العصر الإلكتروني الذي صارت فيه الإنترنت من بين أكبر الفضاءات التي يحضر فيها عامة الناس الذين يتواصلون فيما بينهم و يتبادلون الأفكار, أي يؤثرون في توجهات و سلوكيات بعضهم البعض, من الغريب أن يظهر نوع من التأثر في بعض الكتابات الصحفية و التعاليق التلفزيونية بالمواجهات اللفظية التي شهدتها مساحات الدردشة و المنتديات في الشبكة العنكبوتية بين مشجعي المنتخبين, بل و يتناقلون بعضا من مظاهر الاستفزاز الحاصل بشتى الطرق و الأفكار, مما شجع المزيد من العامة و الشباب للانضمام للتفنن في طرق الاستفزاز التي غذت أكثر فأكثر حساسية الموقف و زادت من حساسية و انفعال الصحافة ضد بعضها, رغم أنه كان يُمكن في أحسن الأحوال التنبيه إلى أن ما تشير إليه الصحافة يبقى سلوكيات عامية تخص الشارع, و لا تخص " النخبة " المؤثرة التي تمثل الصحافة أحد أطيافها, أو هكذا يُفترض, و برأيي هو يُعد انحرافا خطيرا لهذه المهنة, التي صارت جزء من حلقة مغلقة تتفاعل معها و بداخلها مع عناصر غوغائية تماما, لا علاقة لها بأصحاب الفكر و الرأي.

     الآن و بعد جملة هذه الملاحظات القليلة التي قد لا تمثل الجانب الكامل و النهائي من صورة ما حدث, نستطيع تشكيل نظرة عامة عما حدث بين الجزائر و مصر بسبب اللامسؤولية الإعلامية, و الافتقار إلى الموضوعية و الواقعية حتى في نصرة الجانب الذي تنتمي الصحافة المعنية إليه, و هو ما ساهم كثيرا في تشويه الأفكار و الوقائع في أذهان جماهير البلدين, بل و انتقلت هذه العدوى لتشمل بعض الطبقات التي كان يُفترض أن يكون لها الحد الأدنى من استقلالية الفكر, و القدرة على الحفاظ على الرؤية الحيادية و العقلانية وسط تلك الفوضى المُفتعلة لأهداف سياسية داخلية, أُريدَ لها أن تتحقق و لو على حساب العلاقات الثنائية بين الشعبين, و نحن نرى اليوم تضرر العلاقات الثقافية و التجارية و الأكاديمية بين البلدين " بسبب مباراة كرة قدم و  سذاجة و تهور وعدم واقعية بعض الإعلاميين ", و هذه خسارة أفدح بكثير من الخسارة الرياضية.

     لقد أضحى من الضروري إعادة النظر في العلاقات الإعلامية العربية – العربية بعد الذي حدث, و إعادة تنظيم أساليب عملها على الأسس الموضوعية المتعارف عليها دوليا, إضافة إلى خلق معايير خاصة بها مستمدة من التركيبة السيكولوجية و السوسيولوجية العربية, من أجل تفادي أي سوء فهم أو خلط في قراءة آراء و ردات فعل و سلوك الآخر مستقبلا, فضلا عن تجنيب الصحافة من العناصر التي قد تحيد بها عن طريقها الصحيح..., و قد يقول قائل بأنه حتى الصحافة الغربية و في أكبر الديمقراطيات تكذب و تنحاز و تلفق الحقائق, و أقول: صحيح, لأن ما أشرت إليه حول السلوكيات الإعلامية يبقى موضوعا مطروحا للنقاش عالميا, و أقول كذلك بأن تلك الصحافة الغربية تحيد عن طريقها الأخلاقية في بعض الأحيان من أجل أهداف كبرى, و في حالات حروب ذات أهداف إستراتيجية تُخاض ضد أمم و مِلل أخرى.....و ليس من أجل مباراة كرة قدم بين شعبين يشتركان في التاريخ و العِرق و اللغة و الدين و حتى المستقبل. و أدعو الجميع في النهاية, و بخاصة الساسة و أرباب و منشطي الفضائيات المصرية, للتأمل في المثال الفرنسي الايرلندي, و تعلم منه المعنى الحقيقي للرزانة و التحكم في الانفعالات و احترام الذات و الآخر عند الانكسار.

-----------------------

الجزائر في 28-11-2009

Partager cet article

Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens

Partager cette page Facebook Twitter Google+ Pinterest
Suivre ce blog