Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
4 mai 2011 3 04 /05 /mai /2011 16:08

أكذوبة الحرب الإعلامية الجزائرية المصرية

 

تشهد الساحة الإعلامية و الجماهيرية في الجزائر و مصر حربا كلامية هوجاء هذه الأيام, بسبب مقابلة الحسم التي ستجرى يوم الرابع عشر نوفمبر بالأراضي المصرية, و التي ستحدد المنتخب الذي سيمثل الجماهير العربية في مونديال بلاد مناجم الذهب و الأحجار الكريمة جنوب إفريقيا. 

                     

إن النظر إلى هذا السجال الحامي بين أقلام الصحافة في البلدين ليترك عدة تساؤلات تدور في ذهن القارئ المتنبه و الحذر تجاه انفلات العواطف و إغفال الموضوعية في رؤية الأحداث بعين العقل أولا.   

الملاحظ فيما يقع بين البلدين حاليا هو من صنع الصحافة بمختلف أنواعها بدرجة أولى, و الملاحظة الثانية هي أن كل طرف يحاول تبرئة ذمته و يريد إقناع الجماهير بأنه ليس هو البادئ بهذه الحرب الكلامية الفارغة, التي انطلقت في بادئ الأمر في سياقها الرياضي المعروف و المقبول من أجل التأثير على الخصم, لكنها ما فتئت تتحول شيئا فشيئا إلى حرب ليس الغرض منها سوى استفزاز العواطف و إثارة الضغينة في قلوب الجماهير الواسعة, التي تقف باستماتة خلف منتخب بلدها المرشح لورقة المونديال.                                                                                                                     

دعونا أولا نلقي نظرة سريعة على سر هذا التنافس الشديد بين منتخبي الجزائر و مصر إذ أنه ليس وليد هذه الأسابيع, و لم يكن وليد آخر مباراة جمعت بين الأشقاء شهر جوان يونيو الفارط بالجزائر, بل تعود أساسا إلى تصفيات مونديال 1990 بإيطاليا عندما تأهل المنتخب المصري على حساب نظيره الجزائري بملعب القاهرة عام 1989 و ما تلا ذلك من أعمال عنف لا رياضية دارت بين أنصار الفريقين, إضافة إلى قضية اللاعب الجزائري لخضر بلومي الذي اتهم بالاعتداء على طبيب المنتخب المصري في أحداث 89 و التي انتهت قبل أشهر فقط.                                                                                 

السبب الثاني الذي زاد من حدة الحساسية الكروية بين البلدين يعود إلى تصفيات مونديال 2002 باليابان و كوريا الجنوبية إن لم تخني الذاكرة, عندما حُرمت مصر من الذهاب إلى الشرق الأقصى بعدما كانت تنتظر هدية الحسابات من الجزائر في لقاء الإياب على أرضها, لولا أن الثوار لعبوا مباراتهم ضد المصريين بدون تهاون و بكل ما تقتضيه الأخلاق و النزاهة الرياضية..... يضاف إلى كل هذا التاريخ التنافسي الكبير بين المنتخبين قاريا و عربيا و متوسطيا.                  

                                                                     

 كل هذه الأحداث التي تضاف لها هزيمة الفراعنة في دور الذهاب بالجزائر مؤخرا و احتدام السباق بين المنتخبين على صدارة المجموعة الثالثة و على ورقة المونديال, و إعادة التاريخ لنفسه بعد عشرين سنة, قد أعطت الضوء الأخضر لكل أنواع الانتهازيين الذين راحوا يبذلون كل الجهود من أجل افتعال أزمة حقيقية بين الأشقاء في أرض الكنانة و أرض الشهداء, و يبدو أن الصحافة في البلدين قد تأثرت بسموم هؤلاء, و تجدر الإشارة إلى ما يمكن اعتباره الديناميكية التي نشأت بها هذه الحرب المفتعلة التي تقودها أطراف تريد تفريق شمل الإخوة, و تتأثر بها أقلام الصحافة و تؤثر بها على عقول و عواطف الجماهير:                                                                                                                     

1- لا بد علينا جميعا أن نتذكر بأنه في كل مجتمع تظهر فيه مجموعة من المفاهيم التي تخدمها اللغة و اللهجة المستعملة, و ليس شرطا أن تتطابق تلك المصطلحات و المعاني التي تشير إليها مع مصطلحات و معاني اللغة و اللهجة المستخدمة في مجتمعات أخرى, حتى لو كانت تنبع من أصل لساني واحد و هو اللغة العربية التي تنحدر منها اللهجتين الجزائرية و المصرية.                

                                      

مثلا إذا كانت كلمة " عنيف " قد تشير في اللهجة و في الذهن المصريين إلى التحدي و الثقة في النفس, فإنها تعني وفق المفهوم الجزائري " الهمجية " لأنها كانت دوما مرادفة للإرهاب, و عندما يسمع الجزائريون صحفي مصري و هو يقول بأن تصريحات اللاعبين و الجماهير الجزائرية هي تصريحات " عنيفة " قد يفهمون من ذلك أنهم يُتهمون بأنهم قوم همجيون أو ما شابه, بينما الحقيقة هي أن المصريين كانوا يقصدون أنها تصريحات تفيض بالتحدي و الثقة و هو أمر مقبول رياضيا.         

                         

2- عندما تتلقى مجموعات الكتاب و الصحفيين الأولى هذه التصريحات بين البلدين فهم يقومون – و ربما بشكل لا شعوري – بتفسيرها وفقا لما تمثله تلك المصطلحات في أذهانهم و بلدهم و مجتمعهم هم, دون البحث عن مضامينها الحقيقية القادمة من البلد الآخر, و من هنا تنطلق ردات الفعل و تنتشر الأخبار و التحاليل القاصرة و المغلوطة من الأساس بين الطرفين.   

                                                             

3- تتلقى الموجة الثانية من الصحفيين و الكتاب تلك الأخبار الأولى و تبدأ تتفاعل معها آليا, و غالبا ما تكون هذه المجموعات من الصحف الصغيرة و الطفيلية التي لا تهدف عادة إلا إلى زيادة مبيعاتها من أجل عدم الاضمحلال وسط سوق الصحافة المكتوبة و المنافسة الطاحنة, و هكذا تجد نفسها و استنادا إلى المصادر السابقة تضاف لها عدم احترافية صحفييها و افتقادهم للموضوعية, تكتب و تعلق بما هب و دب, على أمل جذب القراء و أعتقد أن اللغط الإعلامي الزائد غالبا ما يظهر في هذا المستوى.    

               

4- يتلقى المجتمع و بشكل مباشر كل ذلك اللغط فيتفاعل معه و يتأثر به, لتأتي ردة فعله و المتمثلة في عواطف الاشمئزاز و الكره و الوعيد تجاه جمهور الخصم الذي يعيش نفس الحالة من جهته, و ما دمنا نتحدث في هذا المستوى عن الجماهير فهذا يعني أننا نتحدث عن الانجراف وراء العواطف و الأحكام المسبقة و الإشاعة و الكلام البذيء....       

                                                                           

5- تعود الدورة لتكمل نفسها من خلال وسائل الإعلام و الأقلام الصحفية التي تكتب و تعلق عن فكر الشارع و عن أفكار بعضها البعض التي كانت هي وراء صياغتها أول مرة, لتزيد الطينة بلة في كل مرة و تستمر الحرب الكلامية في الاتساع كشبكة العنكبوت, و التي تندس فيها أطراف تفهم جيدا أصول هذه اللعبة, و تتحرك في جميع الجهات من أجل زيادة الأوضاع بأكثر قدر من السوء على أمل أن تكون العواطف محتقنة عن آخرها يوم اللقاء, و ينفرج التنفيس عنها مباشرة بعد صافرة نهاية المقابلة من طرف الجمهور الخاسر لتتسبب في الأزمة الحقيقية.                                                                         

إن الصحفيين سواء في الجزائر أو في مصر مطالبون بالتفطن إلى هذا الأمر و تصحيح الأوضاع عن طريق فهم مضامين تصريحات الطرف الخصم وفق ما تعينه في لغة الخصم نفسه قبل نشرها, ليتبين للجميع أنه لا أحد كان يقصد الإساءة أول مرة لا في الجزائر و لا في مصر, لكن الجهل بلهجة و مصطلحات الآخر و عقليته ساهم في خلق سوء الفهم, و الذي غذته الأقلام المتسرعة و غير المحترفة و التي وصلت بهذا الوضع اليوم إلى حد الدخول في مجالات لا تمد للمجال الرياضي و لا للصحافة الرياضية بشيء, كمجالات السياسة و التاريخ ؟. 

                                                                    

مهما يكن من نتيجة للمباراة الفاصلة بعد أربع و عشرين يوما, و كما قال أحد المدربين الجزائريين في إحدى الفضائيات: "يجب على الجزائريين و المصريين أن يرتقوا قليلا بتفكيرهم و حسهم القومي, و بأن لا يعطوا مباراة في كرة القدم أكثر من حجمها, و أن يفهموا أنه ما من أحد يستطيع أن يلوم الآخر على تشجيعه لبلده, لكن في نفس الوقت يجب التفكير في أن الأهم هو ضمان مقعد للكرة العربية في مونديال 2010. " أو كما قال الرجل, و في النهاية فإن حكاية الحرب الجزائرية و            المصرية تبقى مجرد أكذوبة و حلم جميل يراود أعداء البلدين لن يتحقق أبدا.

------------

علاوه أمير فنور - الجزائر في 20/10/2009.                                                             

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens