Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
15 mai 2011 7 15 /05 /mai /2011 16:12

image001[1]

                                                            

اللغة في حياتنا النفسية

 

            لم يكن من الصعب في يوم من الأيام ملاحظة الأثر الواضح و العميق الذي تتركه اللغة في حياة الإنسان, و الذي لا تزال تكشف عنه أحدث الدراسات النفسية و الاجتماعية, لتعاضد بذلك النظرة الأساسية التي تأسست منذ أمد بعيد, و القائمة على فكرة أن اللغة, و باعتبارها نظاما معقدا من الرموز, التي تحمل مجموعة من المضامين التي تخدم مجموعة هامة من الوظائف العقلية العليا في الإنسان, هي – و كما قال " فيندغرودوف " – نظام الأنظمة ( جمعة يوسف, ص24 ), باعتبارها كلا متكاملا من المستويات التي تربط الإنسان بقطاعات حياته المختلفة, سواء كانت داخلية ( معرفية و سيكولوجية ) أو خارجية ( اجتماعية و علائقية ), بحيث يُترجم السلوك اللغوي هذه الجوانب عبر مختلف الوظائف التي تؤديها اللغة في حد ذاتها.

                                                                                                               

هنا تظهر أهمية دراسة الأنماط السلوكية التي يستعملها جميع الناس في التعبير عن مختلف حاجاتهم السيكولوجية و إشباعها, سواء عن طريق الحديث, الغناء, الكتابة, القراءة بل و حتى الإنصات, و التي تتداخل مع بعضها البعض و تشترك في ميزة أساسية, و هي حضور اللغة في كل جانب منها وفق النموذج الثلاثي التفعالي المعروف ( مُرسِل, مُرسَل إليه و رسالة ذات معنى ). و من خلال هذا النموذج تتم خدمة الجانب النفسي في حياة الفرد, إذ يتفق كل من " بوهلر " و " جاكبسون " في تقسيم كل منهما لوظائف اللغة على الجانب " الانفعالي " كوظيفة أساسية من وظائف اللغة ( جمعة يوسف, ص20 ). ذلك أن اللغة و عن طريق كل المفاهيم المحسوسة و المجردة التي تعبر عنها, تستخدم لإثارة الوجدان و الفكر لأنها تحرّك في نفس المستمع أو القارئ, المتحدّث أو الكاتب, استجابات انفعالية و عقلية مُعينة, بحسب الحالة التي يكون عليها الفرد أثناء توظيف قدراته اللغوية, و مدى خدمة تلك الحالة الوجدانية, و اللغة المصاحبة لها للهدف الأصلي الذي تم على أساسه استخدامها.

 

من أجل تبسيط هذا الأمر, سأتطرق إلى بعض الأنماط السلوكية, التي تتم من خلالها معالجة الجانب النفسي, و إشباع حاجاته المختلفة اعتمادا على اللغة, وفق ثنائية اللغة المنطوقة – المسموعة, و ثنائية اللغة المكتوبة – المقروءة, رغم أن العلاقات بين هذه الجوانب و الجانب الانفعالي من حياتنا جد معقدة, و لا يُمكن الإلمام بكل أبعادها...

 

تُثبت لنا تجارب الحياة أن لغة الحديث تلعب دورها النفسي و الانفعالي منذ السنوات الأولى من اكتسابها, و نلاحظ ذلك من خلال ألعاب الأطفال في حدود ثلاث و أربع سنوات عندما يتحدثون إلى أنفسهم بأصوات عالية, و يعطون الحياة لألعابهم بحيث يجعلون منها الطرف المُنصت لهم, و هي المرحلة الانتقالية التي أطلق عليها " جان بياجي " اسم " فترة ما قبل تكوين المفاهيم ", التي تتفرع منها " المرحلة الحدسية " التي تكون ما بين 4 إلى 7 سنوات. و هي المرحلة التي يصل فيها الطفل إلى اكتشاف أول فائدة عملية للغة, عندما يُدرك أنها وسيلة تساعده على التفاعل مع الآخرين حين يرى ردود أفعال المحيطين به المُستبشرة بلغته الفتية, فيعلم أنها وسيلة تجلب اهتمامهم و تعزز مكانته بينهم, مما يُشكل بوابة خروجه من التمركز حول الذات, و الانطلاق في بناء علاقاته الاجتماعية و العاطفية بمن حوله اعتمادا على فاعلية الذات, فيتحول السلوك اللفظي بذلك من وسيلة تساعد الطفل على اكتساب السلوكيات اللغوية لمحيطه الاجتماعي و استعمال اللغة في عملية التقمص بشكل خاص, إلى سلوك لغوي يستعمله لإثبات ذاته و التكيف وسط محيطه من خلال عملية التنشئة الاجتماعية و ما يجلبه ذلك من توافق و سكينة و طمأنينة و استقرار نفسي.

 

و تكفي الإشارة في هذه البداية إلى أن المشاكل النفسية التي ترافق الأطفال و المراهقين عادة تعاضدها عوامل مرتبطة بالافتقار اللغوي, مما يجعلهم يدخلون في دوامات الانسحاب و الانعزال الاجتماعي في مراحل العمر المبكرة. ( أحمد المعتوق, ص60-61).

 

فعلى مستوى اللغة الموجهة  للآخر, يقول الدكتور "جمعة سيد يوسف: " عند الكلام يضع المتحدثون الأفكار في كلمات, قد يتحدثون عن إدراكاتهم, أو مشاعرهم, أو مقاصدهم التي يريدون نقلها للآخرين, و في الاستماع يقومون بتحويل الكلمات إلى أفكار, و يحاولون إعادة صياغة أو تركيب الإدراكات, أو المشاعر, أو المقاصد أو البيانات التي يريدون فهمها.. " ( ص 24).

 

من خلال ما تقدم تتضح لنا العلاقة الوثيقة بين سلوك الكلام ( لغة الحديث ) و بين سلوك الاستماع أو الإنصات بعبارة أدق, بحيث تتحدد معالم هذه العلاقة من خلال طرفين يتفاعلان بينهما. فيطرح  الطرف الأول أفكاره أو مشاعره أو مقاصده, بعد أن يكون قد حولها من صورتها المعرفية و الانفعالية إلى شكل رموز لغوية منطوقة و مفهومة, ثم يتلقاها الطرف أو الأطراف الأخرى بشكلها الرمزي و يعيدون تفكيكها إلى أفكار و مشاعر و مقاصد, يفهما كل منهم و يتفاعل معها وفق قيمه و معتقداته و مخزون تجاربه الذاتية. و ما يهمنا في هذا المستوى هو مدى قدرة المتحدث على تحويل انفعالاته إلى تعابير لغوية يصف بها حالاته النفسية المختلفة,  و قدرة المتلقي على حسن ترجمة تلك التعابير اللغوية و استنباط معانيها النفسية لفهم ما يعيشه المتحدث, من أجل تحقيق حالة من التوافق و التعاطف الوجداني... و هنا يمكننا لمس الدور البليغ الذي تلعبه اللغة في إيقاظ مشاعر المتحدث – داخل ذاته – ثم إيصالها إلى الطرف أو الأطراف الأخرى ثانيا, ثم تحريك مشاعرهم ثالثا, ثم إيجاد أرضية من الترابط المعرفي و العاطفي معهم كهدف نهائي, و ما ينتج عنه من راحة نفسية و استقرار على مستوى " الأنا ". فليس غريبا من هذا القبيل أن نلاحظ في حياتنا اليومية أن أكثر الأشخاص بلاغة و مهارة في التعبير اللغوي عن أفكارهم و مشاعرهم, هم بشكل عام أناس يتمتعون بشخصيات قوية و متزنة, لذلك أثبتت كثير من نظريات سيكولوجيا اللغة أن هناك علاقة طردية بين القدرة المعرفية العالية في صياغة الحالات الفكرية و الوجدانية في شكل لغة منطوقة, و بين الشعور بالهدوء و الاستقرار مع الذات, و كذا التوافق الاجتماعي, و ذلك ناتج عن الإحساس بالقدرة على الوصول إلى أذهان الآخرين و التأثير في أفكارهم و أحاسيسهم و التفاعل معهم, بحيث تعتبر هذه الحالة الذروة و القمة من الناحية الاتصالية و التواصلية, التي تجعل الإنسان متمكنا و متفوقا في حياته وسط بيئته و مجتمعه, و كل ذلك بفضل اللغة.

 

هذه العلاقة الطردية لا تقتصر فقط على لغة الحديث المسموعة, بل تشمل أيضا الشكل الآخر من اللغة و هو " الكتابة ", و الذي يعتبره البعض الجانب الأهم من حيث التعبير عن هوية الشخص, بسبب علاقته المباشرة مع الجانب الثقافي و التراثي للمجتمع.

 

و يظهر الدور النفسي الذي تلعبه اللغة في هذا الجانب جليا من خلال بعض السلوكيات التي يلجأ إليها الأشخاص ذوي الملكات الأدبية, للتنفيس و التفريغ عن شحناتهم الانفعالية, عن طريق كتابة ما يختلج صدورهم و يملأ عقولهم من أفكار و أحاسيس متنوعة, و هو سبيل آخر و مهم للحصول على السكينة مع الذات و الوصول إلى مستوى معين من خفض الضغط و التوتر النفسي, و لهذا نجد أشخاصا ينزعون إلى كتابة الشعر و الخواطر اليومية لتحقيق ذلك التفريغ بأكبر قدر ممكن, و هذا ما يفسر الأهمية التي يحظى بها هذا النوع من استراتيجيات الدفاع النفسية في مجال العلاج النفسي الحديث.

 

و يرى الدكتور " أحمد المعتوق " في هذا السياق أن من أهم الصور الكتابية للغة التي تستعمل في إثارة الفكر و الوجدان, و الولوج إلى أعماق النفس و التغلغل في دهاليزها المختلفة المعقدة, هو " الأدب ", الذي يُعتبر أرقى مستوى من اللغة المكتوبة, و الذي تتقنه فئة من الناس الذين بلغوا قدرا عاليا من القدرة على الاستبصار المزدوج في الذات و في الكون, و غالبا ما تُقاس براعة الأديب بمدى قدرته على صياغة أحاسيسه الانفعالية و رُؤاه العقلية لغويا, و إيصالها في قالبها اللغوي المكتوب إلى عقل و مشاعر القارئ, و جعله يغوص في معاني النص و يفهم ما يريد الكاتب التعبير عنه بدقة. ثم الانتقال إلى معالجة مختلف المواضيع التي تشغل حياة الناس بنفس الأسلوب, بحيث تُسخَّر اللغة المكتوبة لإشباع الحاجات الانفعالية للقارئ, و هنا يكمن ذكاء الأديب, و هذا الأمر يتطابق مع ما ذُكر آنفا حول لغة الحديث, فنجد أنه كلما امتلك الأديب أو الكاتب القدرة و الزاد الانفعالي و اللغوي اللذين يسيران مع بعضهما, لإيصال ما يود إيصاله إلى المتلقي أو القارئ و التواصل معه عبر النصوص المكتوبة, كلما خدم ذلك الصحة النفسية لكل طرف.

 

و يُضيف أحمد المعتوق معلقا على الوظيفة النفسية التي تلعبها لغة الأدب بما يلي: "... إن الموضوعات الأدبية كما سبقت الإشارة تخاطب عقل القارئ و عاطفته, و تهدف إلى التأثير في نفسه و شد أحاسيسه و هز مشاعره و إيقاظ فكره بكل ما يمكن من وسائل التعبير و أساليب القول.." ( ص109).                    

 

إن كل ما سبقت الإشارة إليه حول الوظيفة النفسية للغة المكتوبة يدفعني للحديث عن سلوك آخر يتم من خلاله تسخير هذه اللغة لإشباع حاجاتنا الانفعالية و العاطفية, و هو " القراءة أو المطالعة ". فليس شرطا أن يمتلك المرء ملكة أدبية يستغلها في التنفيس و التفريغ الانفعالي, بل إن عادة المطالعة هي سلوك متحضر و محمود يترك آثاره الواضحة في الحياة النفسية و المعرفية للمرء, بحيث تثبت الدراسات أن المطالعة لمدة عشرين دقيقة على الأقل يوميا ( خصوصا قبل النوم ), كفيلة بتنظيم العمليات المعرفية و العقلية للفرد و خفض مستوى التوتر لديه و من ثم تهدئة خواطره. و مع الوقت يُلاحظ عليه ارتفاع في ملكاته الفكرية و مستوى فاعليته و تنظيمه المعرفي و ذكائه العام, مما يؤثر إيجابا على سلوكه العام و قدرته على التكيف و يجعل منه إنسانا متزنا و ناضجا فكريا و عاطفيا, و ما يخلفه ذالك من أثار عظيمة على شخصيته و حياته ككل,  و لهذا السبب تظهر الأهمية البالغة في تدريب الطفل على المطالعة منذ سنوات تمدرسه الأولى.

 

سيطول الحديث عن هذه العلاقة الوطيدة و المعقدة بين اللغة و الحياة النفسية للفرد و مختلف الأنماط السلوكية التي تربط بينهما, و يبدو أن ما افتتحت به هذا المقال أعلاه من أن اللغة هي " نظام الأنظمة " صار واضحا الآن, و ليس أدل على الأهمية البالغة التي تلعبها اللغة في حياتنا النفسية و الفكرية من مثال الأشخاص الذين يعانون من الصمم الميلادي ( الصمم الذي يحدث قبل اكتساب اللغة ),  و الذين يعانون من تخلف عقلي معرفي و مشاكل عاطفية جد واضحة مقارنة مع المكفوفين مثلا. فالفئة الأولى خاضعة للتأثيرات السلبية الحتمية الناجمة عن الافتقاد للغلة و على رأسها تأثر القدرات المعرفية التي تؤدي بدورها إلى التأثير على المعاش النفسي للفرد بأسره, مقارنتا مع الفئة الثانية التي – و بفضل اللغة – تتمتع بقدر متفاوت من الاستقرار العاطفي, ناهيك عن أن كثيرا من الأبحاث وصلت إلى عدم وجود فروق دالة إحصائيا بين المكفوفين و الأسوياء فيما يخص قدرات الذكاء و التحصيل.

 

  و هذا مثال جد واضح عن الأهمية التي تلعبها اللغة في حياتنا النفسية أساسا, فهي تعتبر أداة لإثبات الذات و التعبير عن الشخصية, و وسيلة للتواصل و الاندماج و التفاهم العاطفي و المشاركة الوجدانية و توطيد العلاقات الاجتماعية. كما تعتبر سبيلا هاما لتفريغ الضغوط النفسية التي قد تؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية و السيكوسوماتية ( النفس– جسدية ). إضافة إلى كونها مجالا فنيا خصبا للتعبير عما يختلج في النفس من مشاعر و أحاسيس إنسانية راقية, فهي تعكس الحالات الجمالية المختلفة التي تمر بها النفس الآدمية خلال تفاعلها مع المحيط و البيئة, فتنتقل بالفكر بين مختلف الجماليات و الموجودات المحسوسة و المجردة, مما يخلق التناغم بين الإنسان و الكون, و يوجد التفرد و الارتقاء العقلي و الوجداني الذي يميز الكائن البشري عن باقي المخلوقات, و لهذا السبب بالذات تعتبر اللغة بكل أشكالها من العلامات الدالة على الذات الإنسانية, و إحدى الخطوط الفاصلة و النقاط الفارقة بين ما هو إنساني و بين ما هو دون ذلك.                                   

                                                                                           البليدة - الجزائر في 18-04-2010

-------------------------

                                                                           

  -المراجع:

 

1/ جمعة سيد يوسف. سيكولوجية اللغة و المرض العقلي. 1990. عالم المعرفة. الكويت.

 

2/ أحمد محمد المعتوق. الحصيلة اللغوية. 1996. عالم المعرفة. الكويت.       

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens