Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
22 mai 2011 7 22 /05 /mai /2011 21:47

668054637 e5a922551a[1]

أمريكا بين جحيمين: التطرف الديني و البراجماتية

 

مرت قبل أيام الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول, و ككل عام وقف الأمريكيون في مانهاتن و واشنطون لتخليد الذكرى, وسط مزيج من المشاعر المختلطة, بين الحزن على من فقدوا, و عدم القدرة على نسيان أو تجاوز آثار تلك الصدمة, و الإحساس العميق بالغضب تجاه من تسببوا لهم في تلك المأساة. و طبعا ما يلاحظ كل عام هو تزايد الأسئلة بخصوص " الحقيقة الكاملة " و الأجوبة الشافية بخصوص تلك الهجمات المروعة, فهي تتضاعف عاما بعد عام بدل أن تنحصر و تنحصر, مما يدل على أن الحقيقة لا تزال جاثمة في مكانها, و أن الكثير من الأمور لم تكن واضحة قبل و بعد الأحداث, و هي أمور ظل الغموض يلفها من كل جانب ما عدى جانب واحد – بالنسبة لإدارة بوش وقتها و اليمين المسيحي حاليا –, و هو أن الإسلام هو المسئول الأول و الأخير عن أي مكروه يصيب أمريكا ؟.

 

و بسبب ذلك, دخلت أمريكا في حرب ضروس ضد القاعدة و طالبان في أفغانستان, و ضد نظام البعث العراقي, صارفة بذلك بلايين الدولارات على ما سمي الحرب على الإرهاب, حيث ظلت الأغلبية في الولايات المتحدة تعتقد أن ذلك الغزو الواسع كان كرد فعل طبيعي يكتسي الطابع الأخلاقي و القانوني, بعد ما فعله العرب في نيويورك صبيحة ذلك الثلاثاء الأسود. و لكن بالنسبة للبعض لم تكن تلك سوى البداية التي جعلتهم يطرحون على أنفسهم بعض الأسئلة, التي دفعت بهم للبحث عن الحقيقة بعد تيقنهم من أن إدارة البيت الأبيض و الترسانة الإعلامية و الدعائية الأمريكية عكفتا على إرباك و تضليل الجماهير الواسعة حول عدد من الحقائق المتعلقة بتلك الهجمات و الحروب التي تلتها. ليس أقلها إثارة للملاحظة هو المماطلة الغريبة التي ظلت تمارسها الحكومة الأمريكية فيما يخص سير التحقيقات الخاصة بهجمات مركز التجارة العالمي و وزارة الدفاع, و الأسئلة الكثيرة التي أثيرت حول تعامل إدارة بوش الابن مع كل التحذيرات و التقارير المخابراتية, التي أكدت جميعها على أن هجمات إرهابية كبيرة على وشك الوقوع على الأراضي الأمريكية بين صائفة و خريف 2001, لكن البيت الأبيض تعامل معها جميعا ببرود و عدم مبالاة, تذكرنا بنفس ما حدث يوم كان اليابان يجهز لغارات كاسحة على قاعدة بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية. و الأهم هو أن الأمريكيين ظلوا لأكثر من عقد من الزمن يواجهون العالم الإسلامي, ذلك أن بعض القوى و المؤسسات في الغرب ظلت تحشد كل الدلائل الموضوعية المؤكدة على أن مشاكل العالم الأمنية و هجمات مركز التجارة العالمي إنما مردها هو الشريعة الإسلامية.

 

إن البحث في حقائق ما حدث صبيحة الحادي عشر من سبتمبر و اندلاع هذه الحروب الدينية بين التطرف الشرقي و الديمقراطية الغربية تستلزم نظرة شاملة و موسعة على أوضاع أمريكا و العالم قبل هجمات 11/9, و التحقيق في المسار الذي سلكته تلك القوى للتطور. فقد يعتقد الكثير من الناس أن التزمت و التطرف الديني موجود فقط في العالم العربي و الإسلامي, الذي يرجع إلى القصور و الأخطاء في تفسير النصوص الدينية, و الذي غالبا ما يستغل عن قصد أو عن غير قصد في تبرير استعمال قوة التفجير و القتل من أجل فرض تلك الرؤى بالقوة داخل المجتمع و مؤسساته المختلفة, مع وجود الأنظمة الشمولية المستبدة – المدعومة من الغرب – التي تساهم في تعميق و توسيع تلك الأفكار و الأنشطة المتصلة بالعنف. غير أن المتيقظ سيلاحظ أيضا أن نفس تلك الظواهر ظلت موجودة و تتفاعل داخل الولايات المتحدة مستمرة في التصاعد, و ذلك طيلة سنوات السبعينات و الثمانينات, أو ربما أبكر من ذلك ( أي في نفس الفترة التي خلقت فيها الـ "سي آي إي" قاعدة الجهاد الإسلامي لمحاربة المد السوفيتي في أفغانستان ), فهل كان صعود التيارات الدينية المتشددة المتزامن في العالم الإسلامي و في الولايات المتحدة مصادفة ؟. و هنا لا بد من تصحيح الحكم المطلق الذي عادة ما يطلقه العرب على بلاد العم سام, القاضي بأنها بلاد إباحية لا وجود للدين أو الله في حياة شعبها كما هي الحال مع أوروبا التي التهمتها العلمانية التهاما, لأن ذلك غير صحيح, فأمريكا و إن كانت من حيث التصنيف تعد من البلدان الغربية الديمقراطية, إلا أنها تتفرد عن أوروبا بخاصية التدين لشرائح واسعة من الشعب.

 

هذه الملاحظة خلص إليها الباحث الجزائري " نور الدين قلاله " أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر, خلال زيارته العملية لأمريكا, التي نشرت على شكل ريبورتاج مطول في صحيفة الخبر الجزائرية بتاريخ 29/07/2004, حيث يقول بأن الانطباع الأول الذي يمكن أن يأخذه أي مواطن عربي على الشعب الأمريكي أنه شعب يبيح الجنس كما يبيح شرب الماء ( كما هي الحال في هولندا أو الدانمرك مثلا ), لكن عادة ما يتحول هذا الانطباع إلى اكتشاف جديد و غريب في آن واحد, الأمريكيون محافظون جدا و أحيانا إلى أبعد الحدود. و يسرد الباحث أمثلة عن القوانين و التشريعات القاضية بمواجهة الترويج المباشر أو المبطن الذي تمارسه شركات الدعاية و الإشهار للجنس و الروح الإباحية, و هو عكس ما يحدث في أوروبا, مما يوحي بوجود معارك قانونية و أخلاقية مستمرة و مد و جزر داخل أمريكا حول هذا الموضوع.

 

إن هذه الملاحظة تعفينا من طرح تلك الاستفسارات المحيرة و المربكة حول حقيقة الدين في المجتمع الأمريكي و توضح الرؤية لعقولنا نسبيا على الأقل. لكن ما يهمنا – للرد الموضوعي على افتراءات اليمين المسيحي القائلة بأن الدين الإسلامي يمثل خطرا على العالم – هو معرفة أفكار هذا اليمين العقائدية, و مدى انتشاره في الولايات المتحدة, و مدى تأثيره في صياغة السياسات الداخلية و الخارجية لواشنطن و من ثم العالم ؟. فوصول هذا اليمين المتطرف إلى منصب الرئاسة لأكثر من مرة, ليس سوى انعكاس و ثمرة منطقية للجهود الكبيرة التي ظلت تبذلها الكثير من الجماعات و المنظمات الإنجيلية اليمينية في هدوء خلال عقدين من الزمن, عندما كان العالم مشتت الذهن جراء الحرب الباردة, حيث ظلت تروج لفكرها اللاهوتي المتشدد عبر شبكات علاقات عامة و وسائل إعلام مسموعة و مرئية و مقروءة و وسائط تربوية مختلفة.

 

تقوم هذه المذاهب على نبوءات توراتية – إنجيلية بشكل جلي, و فكرتها الأساسية هي أنه في زمن حيث تسيطر الشياطين و الوحوش على الأرض و تتحكم في حياة الناس عبر التفكك و الانحلال الخلقي و اختفاء الله من حياة الناس, يكون الوقت قد حان لمعركة " هارمجدون " التي ستنشب بين إسرائيل التي تمثل ملكوت الله على الأرض و بين جيرانها يأجوج و مأجوج, و بأنها – وفقا للنصوص الإنجيلية – ستكون مهولة و مدمرة, حيث ستمطر السماء نارا و تذوب الحجارة و تنسف الجبال – و قد تم تأويل ذلك على أنه إشارة للقنابل الذرية – و جراء ذلك سيبيد العرب و اليهود بعضهم بعضا, قبل أن يأتي يسوع المسيح مع جيش من القديسين و الكائنات السماوية التي ستتشكل منها نفوس المسيحيين الأتقياء, لخوض المعركة و القضاء على الأعداء, و إنقاذ ما تبقى من اليهود الذين سينحنون أمام عظمة المسيح, و يعتنقون النصرانية.

 

فنرى بداية الخطوط العريضة لهذه العقيدة: أرض الميعاد, شعب الله المختار, عودة المسيح المنتظر, معركة هارمجدون, إبادة يأجوج و مأجوج, المُلك الألفي..., و كلها نبوءات ترتبط بشكل مباشر مع أمن و وجود و استمرار دولة إسرائيل, إضافة إلى حدث عالمي مهول ( حرب نووية ) كشرط لتحقق نبوءة هارمجدون التي تعتبر ركيزة هذه العقائد. و من هنا ترتسم أمامنا أهداف تلك الجماعات التي عملت و لا تزال تعمل على تحقيقها داخل النسيج الاجتماعي الثقافي الأمريكي, و هي صياغة توجه أتباع تلك الطوائف روحيا و عاطفيا ليكون في صالح التجند و الدفاع عن الدولة العبرية التي أقيمت على الأراضي العربية منذ عقود. و من بين تلك الأمثلة هي الجهود التي بذلتها شخصيات دينية متطرفة سنوات الثمانينات, كالزعيم الإنجيلي " جيري فولويل " الذي أسس منظمة " الأغلبية الأخلاقية " أواخر السبعينات, لتكون من أشد المنظمات اليمينية المتطرفة تأثيرا على الإدارة الأمريكية وقتها و على الرئيس " رونالد ريغان " نفسه.

 

في هذا السياق, تضع الدكتورة " سالمة شعبان عبد الجبار " أستاذة علم مقارنة الأديان بجامعة الفاتح بطرابلس – ليبيا, مجموعة من المعطيات التي استقتها في بحثها عن الإنجيليين, الذي نشر في مجلة كلية الدعوة الإسلامية, تثبت بما لا يدع مجالا للشك, أن التطرف الديني الأمريكي لا يقل خطرا, إن لم نقل أنه أخطر بكثير من التزمت الديني الإسلاموي, لعدة أسباب, و أهمها هو أن هذه التيارات ظلت تبذل جهودا جبارة للنفوذ و التأثير في المؤسسات و التوجهات السياسية و العسكرية " لأقوى دولة في العالم ". بحيث تعطي الباحثة الليبية بعض المعطيات الإحصائية نقلا عن الكاتبة الأمريكية " غريس هالسيل " التي تعمقت في بحوثها عن الطوائف الإنجيلية الأمريكية سنوات السبعينات و الثمانينات, لتخرج بكتابها الشهير " النبوءة و السياسة ", الذي اعتبر حينها صرخة تحذير من خراب العالم على أيدي فولويل و أمثاله من المتطرفين المسيحيين. و تنقل سالمة شعبان عبد الجبار عن هالسيل قولها أن:

 

- 30 بالمائة من الأمريكيين يعتقدون ( كانت هذه النسبة سنوات الثمانينات ) بأن تدمير الأرض عبر حرب    نووية ( معركة هارمجدون ) هو السبيل الوحيد لعودة المسيح المخلص إلى الأرض.

- 61 مليون أمريكي كانوا يستمعون إلى الوعاظ من الطوائف الإنجيلية التدبيرية.

- كانت هناك 1400 محطة دينية تنشر تلك الأفكار.

- كان القس فولويل يبث برنامجه " ساعة من الإنجيل " عبر 600 محطة في أنحاء العالم.

- معظم المدارس الأمريكية كانت ( و ربما لا تزال ) تعلم أصول التدبيرية و لاهوت هارمجدون.

- تلك المدارس كانت تجهز مائة ألف طالب ليصبحوا قساوسة يبشرون بهذه المذاهب.

 

إن إلقاء نظرة معمقة على هذه المعطيات يُذهب اللبس المتعلق بوصول مرشحي هذه الطوائف إلى مراكز اتخاذ القرار الخطيرة, حيث يصبح الأمر مفهوما و منطقيا, بالنظر إلى الجهود التي بذلتها تلك المنظمات طيلة أكثر من عقدين, لتشكيل هذه الأرضية الانتخابية الواسعة التي تسيل لعاب أي مرشح لمجلس الشيوخ أو الرئاسة حتى لو كان بوذي المعتقد. و تعتقد هالسيل أن تلك المجموعات تشكل لوبيات حقيقية مستقلة عن المخطط الصهيوني, الذي تسانده لوبيات أخرى كـاللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة ( أيباك ), لكن اللوبيات المسيحية – الصهيونية تشكل مرادفات لنظيراتها اليهودية داخل البنية السياسية الأمريكية. فقد ظل قساوستها يغتنمون فرص اجتماعاتهم مع الشخصيات السياسية في المناسبات المختلفة لتدعيم و تثبيت معتقداتهم, لحماية إسرائيل حتى و لو كان ذلك على حساب مصالح الشعب الأمريكي الحقيقية. فهم يحاولون دوما إصباغ الأحداث و الظروف الدولية العامة بالإشارات و الرموز المذكورة في أسفار التوراة و الأناجيل القريبة منها, و يدعون أنها مطابقة تماما لما يحدث في العالم و في الشرق الأوسط تحديدا.

 

إن أخطر ما في هذه العقيدة المتطرفة لا يكمن في تأكيدها لأتباعها على حقيقة تسخير أمريكا لإمكاناتها المالية و العسكرية و العلمية للدفاع عن وجود إسرائيل ضد يأجوج و مأجوج ( القوقاز و الفرس و الترك و العرب ), كواجب ديني و التزام أخلاقي فحسب, بل إن الخطر الحقيقي الكامن وراء هذه العقيدة هو نجاحها في إقناع ملايين الأمريكيين, بما فيهم الرؤساء كريغان و بوش و بوش الابن, بأن تفجير حرب نووية و " إبادة الملايين من البشر " يمثل تحصيل حاصل و شر لا بد منه لتحقيق النبوءات التوراتية, و دفع ( إجبار ) المسيح المخلص للعودة إلى الأرض. أو كما قالت سالمة شعبان نقلا عن هالسيل بأن التيار المسيحي الصهيوني قد نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز " العمل بفعل الإيمان ". بمعنى أن هذه الأطراف لا تؤمن فقط بحرب عالمية ثالثة تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل, بل تعمل هي نفسها من أجل تجهيز الظروف الدولية لاندلاع تلك الحرب. فنفهم أخيرا لماذا لا يمكن للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أن تصل إلى حل شامل و عادل, و لماذا لا يستطيع العالم التخلص من آفة السلاح النووي, و لماذا لا يمكن إجبار إسرائيل على التخلص من قنابلها الذرية و لا ثني إيران عن المضي قدما في تطوير برامجها النووية, و نوقن بأن هؤلاء الذين يتحدثون عن السلام في المنصات المضاءة هم أنفسهم الذين يتلقون التعليمات لصناعة الحروب و التوترات في الكواليس المعتمة, لاعتقادهم – كما تخبرهم عقيدتهم – أنهم كمسيحيين لن يعيشوا تلك المأساة التي سيعيشها العرب و اليهود عندما ينقض بعضهم على بعض في ساحة المواجهة, فقد تبدو هذه الفكرة مروعة و مخيفة لكثير من المسيحيين الذين يُعتبر التمتع بالحياة أحد أصول التفكير لديهم في هذا العصر المادي, فإن كانت الأرض ستتخرب بفعل كارثة نووية, فهذا لن يشجع أي عاقل للسعي نحو هذه المأساة و خصوصا إن كان مسيحيا .

 

لكن هذه المشكلة قد تمت معالجتها منذ عقود وفقا لأقوال و تفسيرات القس " سايروس سكوفيلد " الذي عاش في القرن التاسع عشر يؤسس لهذه المذاهب الهدامة, حيث كان يقول في إنجيله :" إن المسيحيين المخلصين يجب أن يرحبوا بهذه الحادثة لأنه فور أن تبدأ المعركة النهائية، فإن المسيح سوف يرفعهم إلى السحاب، وإنهم سوف ينتصرون، وإنهم لن يواجهوا شيئا من المعاناة التي تجري تحتهم". و هكذا حُلت مشكلة الذعر و التردد تجاه هذا الحدث التخريبي العظيم, و صار بإمكان المؤمنين أن يعملوا لها بنفوس و ضمائر مطمئنة.

 

و في هذا السياق, جاءت هجمات 11/9 بعد كل تلك السنوات من العمل على تجهيز ملايين الأمريكيين ذهنيا و روحيا لهذه الحرب, لتكون القطرة التي أفاضت الكأس. الإنجيليون في أمريكا كانوا يبحثون عن ذريعة تاريخية كهذه ليعلنوها صراحة حربا مقدسة على الإسلام, فمن المنطقي أن الرئيس بوش الابن كان يدمج الخطاب الديني في كثير من الخطب السياسية, و لنا في هذا الكثير من المصطلحات التي اشتهر بها كالفاشية الإسلامية, الحرب بين الخير و الشر, محور الخير و محور الشر أو الظلام..., و الأهم من كل هذا أنه و بعد تسعة أعوام من تلك الأحداث, لا يزال المخيال الجماعي لغالبية الأمريكيين – بسبب البروباغاندا المتقنة – يجد صعوبات في التخلص من الجمع بين تلك الهجمات و بين العنصر العربي أو الشريعة الإسلامية, ظنا منهم أنهما السبب فيما حدث. لكن السؤال الذي طرحه كثير من اليقظين في الغرب هو: لماذا سارت الصدف و لا تزال تسير في صالح " تحقيق " – و ليس تحقق – نبوءات اليمين المسيحي الأمريكي ؟, فأي صدفة هذه التي فتحت الباب على مصراعيه أمام الانتقام الأمريكي اللامحدود من أعداء أمريكا ( أعداء المسيح ) دون الحاجة إلى اللجوء أو الاعتراف حتى بما يسمى الشرعية الدولية ؟. و الحال أن الجميع يعلم أنه في عالم السياسة الدولية تعتبر " الصدفة " من أكثر المصطلحات إثارة للسخرية. فقيل حينها: فلنكن واقعيين و نمعن في التفكير, من كان أكبر مستفيد من تلك الهجمات ؟, أحقا هم العرب ؟. هل حقق بن لادن و أتباعه شيئا غير هزهم لِعش الدبابير ؟, و لصالح من ؟...

 

قبل عدة أعوام – في شهر أبريل 2002 كأقرب تقدير –  كانت صحيفة الخبر الجزائرية قد أجرت حوارا مطولا مع محقق و كاتب فرنسي يُدعى " تيري ميسان ", و هو اللقاء الذي كان قد أثار حفيظة السفارة الأمريكية في الجزائر آنذاك, و التي هددت بمقاضاة الصحيفة لنشرها الحقائق التي جاء بها المؤلف الفرنسي في كتابه المثير " الخدعة الرهيبة ", و كان السفير الأمريكي حينها قد رد في مقال مترجم له على صفحات نفس الجريدة رافضا كل ما جاء في الحوار. فتلك كانت سابقة في تاريخ علاقة السفارة الأمريكية مع الصحافة الجزائرية, مما يؤكد أن الناشط الفرنسي كان يقلق الأمريكيين حقا. حيث أنه و بعد الهجمات على مركز التجارة العالمي و مقر الجيوش الأمريكية, انطلق ميسان في رحلة بحث طويلة لجمع خيوط هذه القضية الخطيرة ,التي جعلت من أمة و ديانة بكل ما لهما من تاريخ و رصيد حضاري يفوق عمر و وجود الدولة الأمريكية بقرون في قفص الاتهام الباطل. و لكي يٌبعد عن نفسه تهمة الهوس بنظريات المؤامرة الكلاسيكية, اعتمد ميسان في جمعه للمعلومات على المصادر المادية الموثقة ( التقارير و البيانات و تسجيلات الندوات الصحفية و التعليقات الحكومية الصادرة من الحكومة الأمريكية نفسها ) و الحقائق الموضوعية ذات الصبغة التقنية و العلمية المحضة ( اللجوء إلى خبراء صناعة الطائرات و الملاحة الجوية و الهندسة المعمارية ) لفهم ما حدث صبيحة ذلك الثلاثاء.

 

فبعد بحث معمق و طويل, خرج المحقق الفرنسي بكم هائل من الدلائل الموضوعية التي تثبت تورط مسئولين سامين و رؤوس كبيرة في الإدارة الأمريكية في تلك الهجمات و لو بصفة غير مباشرة. فقد أثبت ميسان – على سبيل المثال – و بدلائل علمية دامغة و حسابات رياضية مضبوطة مدعمة بملاحظات محايدة لخبراء الطيران, أنه لم تسقط أية طائرة ركاب ضخمة على مبنى البنتاغون, و إنما يتعلق الأمر بتفجير أرضي داخلي ( صاروخ ). كما أثبت أن الأجهزة الاستخباراتية كانت على علم دقيق بموعد الهجمات و لكنها لم تفعل شيئا من أجل إنقاذ أرواح الأبرياء الذين قضوا في تلك الصبيحة. كما يكشف الكاتب و بوضوح تلك الثغرات العجيبة و التناقضات المضحكة في تصريحات و أقوال أكابر المسئولين الأمريكيين و رواياتهم بخصوص الأحداث, و التي لا تدع مجالا للافتراض أنها كانت بفعل الصدمة التي تسبب فيها الهجوم..., و من بين تلك الأمثلة ما يمكن اعتباره أشهر زلة لسان في التاريخ السياسي على الإطلاق. ففي مؤتمر صحفي بعد الهجمات بأسابيع, أجاب الرئيس جورج والكر بوش المعروف بغبائه السياسي الفاضح عن سؤال بخصوص المشاعر التي انتابته ,عند إبلاغه بأن مركز التجارة العالمي يتعرض لهجوم بطائرات مختطفة, ففي خضم الإجابة التي نقلها تيري ميسان, قال بوش و بالحرف الواحد: " كنت جالسا خارج الفصل ( كان في زيارة لفصل دراسي في فلوريدا ) في انتظار لحظة الدخول... ثم رأيت طائرة تصطدم بالبرج...ثم نُقلت ( إلى الفصل ) و لم يكن لدي الوقت للتفكير في ذلك...فدخل آندي كارد سكرتيري العام و قال لي: طائرة ثانية صدمت البرج, لقد هوجمت أمريكا ".

 

إنها الإجابة التي صَعقت الجميع, فالرئيس كان قد شاهد في  وقت سابق في مكان مُغلق رفقة بعض رجاله الطائرة الأولى و هي تنطح البرج الأول, في حين نعلم جميعا أن أولى الفرق التلفزية التابعة للقنوات الإخبارية, كانت قد وصلت إلى عين المكان بعد دقائق من ذلك لتبدأ في البث المباشر لما يحدث, أي قبل ثوان من اصطدام الطائرة الثانية بالبرج الثاني الذي شاهده العالم ذلك اليوم ؟؟؟.

 

و هكذا خلص ميسان في سياق عرضه المطول في كتابه للحقائق و الثغرات التي تم التكتم عنها أو إهمالها, إلى أن القيادة الأمريكية كانت على علم بالمكان و الزمان الذي ستقع فيه الجريمة, بل و سعت لخلق ظروف تؤدي إلى تخفيف الأضرار البشرية بأكبر قدر ممكن. لكن طبعا, و لاعتبارات متعلقة بما يسمى " منطق الدولة " ( المصالح الوطنية ) فقد انخرط الجميع في هذه المسرحية. فالهجوم على أمريكا في عقر دارها كان يمثل فرصة غير سابقة من أجل الانطلاق في تنفيذ المشاريع المختلفة التي كانت في أجندة لوبيات النفط قبل تلك الأحداث بوقت طويل, كما كانت الفرصة الحقيقية لإنعاش و تنشيط المجمع الصناعي العسكري مرة أخرى, بعد الركود النسبي الذي مسه بعد انتهاء حرب البلقان عام 1999. و الأهم من ذلك هو أن خوض تلك الحروب سيلقى دعما شعبيا لا مشروطا هذه المرة, أو يُنفذ رغما عن أنوف الجميع في أسوء الأحوال.

 

كما أن الاستخدام السيئ و الأناني للمعلومات المخابراتية المختلفة التي كانت تنذر بوقوع الحادثة من طرف كبرى الجماعات الصناعية الأمريكية, ليطرح تساؤلات عديدة عن مدى الاختراق و النفوذ الذي حققه رجال الصناعة و البنوك داخل المؤسسات المخابراتية و الأمنية وداخل دواليب السلطة في الولايات المتحدة. فآل روكفيلر مثلا, و هم الذين يمثلون واحدة من أكبر تكتلات المال و النفط في أمريكا و العالم, كانوا على علم مسبق بوقوع أحداث كبيرة ستؤدي إلى مد أنابيب النفط و الغاز في منطقة القوقاز. فهنا نجد ذلك التداخل المعقد بين المال و الأعمال و السياسة و الأمن القومي.

 

قد يعلل أي مسئول أمريكي التواطؤ الواسع و الرهيب الذي حصل في هذه الحادثة التاريخية – إن لم نقل المشاركة في التآمر على تنفيذها – أنه كان شر ظرفي أصاب أمريكا من أجل خيرها المستقبلي الدائم, و قد يعلل أيضا الحجب المستمر للحقيقة عن الرأي العام في الولايات المتحدة كون الجماهير هناك لا تستطيع التفقه في أمور السياسة فهي لا تعرف ما يصلح و ما لا يصلح لها. و سيقال أيضا أن التضحية بثلاثة آلاف أمريكي كثمن لمستقبل زاهر لثلاث مائة مليون أمريكي يبدو صفقة عادلة و منطقية من المنظور الاستراتيجي الشامل. و طبعا سيكون الاتهام الباطل و الحرب الشرسة التي شنت على أفغانستان و العراق و باكستان و لبنان و غزة – و أقطار أخرى قادمة على اللائحة – بذريعة محاربة البعبع الإسلامي اتهامات لها ما يبررها كذلك, و هو أنها, من المنظور الديني لقادة أمريكا من أتباع الطائفة الإنجيلية, شر آخر لا بد منه لحماية ملكوت الله على الأرض ( إسرائيل ) إلى حين وصول الفوضى المصطنعة في الشرق الأوسط الكبير حدا لا يمكن معه إصلاح الأمور أبدا, حيث يكون الخيار الأوحد يومها هو الحرب الكبرى كحل نهائي و شامل... و لا يهم حياة ملايين العرب و اليهود إن كانت ستزهق, فالمهم هو تحقيق النبوءة و الأجندات و المصالح جنبا لجنب. ففي النهاية هي حروب من أجل الدين و الدنيا.

 

إن التفكير فيما اقترفه النظام الذي يحكم الولايات المتحدة, سواء ضد شعبه أو ضد شعوب أخرى, باسم الدين و باسم المصالح, يجعلنا نخلص إلى أنه لا يختلف كثيرا عن أشد الأنظمة عنفا و قمعا و دموية في العالم الثالث, إنما الاختلاف الوحيد يكمن في شكل القمع. و الفضل في هذا الاستنتاج يعود إلى المفكر الأمريكي " نعوم تشومسكي " الذي يعتقد أنه لا فرق بين الهراوة الديكتاتورية و الدعاية الديمقراطية. فإن كانت هراوة البوليس هي الطريقة المناسبة لفرض الواقع و الأفكار التي تريدها الأنظمة الشمولية قسرا على شعوبها, فإن الدعاية الإعلامية هي الوجه الآخر لهذه العملة  داخل أمريكا, فالمجتمع هناك لا يزال يتخبط في الظلام داخل أفكاره اللاهوتية المتطرفة تارة, و اعتقاداته و أحكامه الخاطئة ضد الإسلام و المسلمين تارة أخرى, بفعل سطوة الدعاية على الفكر الجمعي للجماهير, إضافة إلى منطق البراكماتية القاتلة الذي لا يزال يعشش في مؤسسات الدولة, و نفوذ و جبروت رجال البنوك و الشركات المتعددة الجنسيات و تسخيرهم إمكانات الدولة لتحقيق مصالحهم الشخصية, و ما يمثله كل هذا من خطر تحويل بلد جميل بمبادئ عظيمة كأمريكا إلى العدو الأول للحرية و الأمن في العالم.

 

------------------------------------

 

علاوه أمير فنور- مدينة البليدة – الجزائر في 16-09-2010.

 

هذه المقاطع تثبت أنه لم تقع أية طائرة على مبنى البينتاغون

 

إلى متى سيظل الشعب الأمريكي المسكين و بعض من سذّج العرب و المسلمين يصدقون كلام ساسة أمريكا ؟؟
  
 


 

 

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens