Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
24 mai 2011 2 24 /05 /mai /2011 22:13

Career_Development-1-.jpg

متى يتعلم الجزائري إفساح الطريق لنفسه ؟

    قرأت ذات يوم في أحد الكتب مقولة جميلة مقتبسة عن المفكر " رالف وامرسن " يقول فيها: إن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب ".

   استوقفتني هذه المقولة الصائبة مطولا و أنا أفكر في مدلولاتها العكسية التي نعيشها في واقعنا اليومي, لأنني قلت بأن غالبية الجزائريين يفتقدون لثقافة تعتبر من بين أهم الثقافات و أنماط التفكير التي يحتاجها كل إنسان في حياته, لأنها تعتبر من أساسيات صيرورة حياة كل عاقل, سواء على المستوى الشخصي و الفردي, أو المستوى الجماعي و المؤسساتي بمختلف صوره, هذه الثقافة هي: " ثقافة التخطيط و الأهداف ".

في الحقيقة لم أجد صعوبة في رؤية عشرات الأمثلة عن هذا الواقع المؤسف في حياتنا اليومية, و لآخذ الشريحة التي أنتمي إليها شخصيا و هي شريحة الطلبة الجامعيين كمثال. يمكن أن نسأل أي طالب في الجامعة إن كان يحمل أفكارا أو تصورات شخصية عن المسار الذي يسلكه و هل يملك رؤية واضحة ( هدف ) عن الواقع الذي سيخلص إليه عند إتمام دراساته العليا, و هل وضع كل ذلك موضع التنفيذ في خطة مرسومة من أجل الوصول إليه...., و قد التقيت شخصيا بزملاء كثر لا يعلمون حتى لم هم يذهبون إلى الجامعة يوميا, و هنالك نسبة أخرى من الذين يدركون لِم هم بصدد الدراسة, لكنهم يُعولون على عامل الغيب و ما يخبئه لكل واحد فيهم مستقبلا, أي أنهم جعلوا من مستقبلهم أحجار للنرد في يد الأيام و الأشخاص و الظروف ظنا منهم أن ذلك متعلق بالقدر...., بالمختصر المفيد أن لا أحد يملك خطة عمل خاصة به يقوم بتنفيذها من أجل الوصول إلى الهدف الذي يود الوصول إليه في حياته, لأنه و بكل بساطة فالهدف نفسه غير موجود أصلا أو غير واضح في الغالب, فكيف يمكن أن توجد خطة ؟.

لقد حاولت تفهم كل التفسيرات المحتملة التي قد يحاول الكثيرون تجنيدها من أجل  تبرير عدم اتخاذهم لنهج التخطيط ثقافة يسيرون بها في مختلف أوجه حياتهم, لكنني لم أجد ما يبرر ذلك كنتيجة نهائية, حتى عندما عدت إلى العوامل المركبة و المتمثلة أساسا في التربية سواء في البيت أو في المدرسة, و رغم أنهما ساهما في إنتاج هذه الأجيال العاجزة عن التخطيط و التسيير لأمورها و أمور غيرها, وجدت أن ذلك ليس كافيا من أجل جعلهما – أي الأسرة و المدرسة – السبب الرئيسي في هذه الظاهرة, لأنه هنالك أشخاص – على قلتهم – يعيشون بيننا و هم نتاج نفس البيئة الاجتماعية و الدراسية تقريبا, يمتلكون حس التخطيط لكل صغيرة و كبيرة في حياتهم و ينجحون فعلا في تحقيق أهدافهم, و هنا يمكن طرح السؤال على المتحججين: ما الفرق بيننا و بينهم ؟.

أما بالنسبة للحجة الأكثر سذاجة و التي تدفع بالبعض إلى عدم التخطيط لأمور حياتهم, و المتمثلة في أن الحياة تحمل دائما ظروفا و ملابسات و مفاجآت و عقبات تجعل من التخطيط مجرد هراء أمام قرارات القدر و واقعه المُسبق, إضافة إلى مُعوّقات الحياة و ظروفها غير المنتظرة...الخ. فهذا الطرح يثير شيئا من السخرية, لأنه إن لم تكن أشياء كتلك المذكورة أعلاه موجودة في حياة المرء, فما فائدة وجود شيء اسمه التخطيط أصلا ؟...

إن أول شيء لا بد لنا أن نعرفه هو أن التخطيط سلوك فطري يوجد في كل إنسان و أن كل فرد يخطط للكثير من صغائر حياته يوميا من دون أن يشعر بذلك, سواء كان من المتذوقين لهذا " الفن " أم من الساخرين منه. فنحن نعتمد على التفكير من أجل ترتيب الأمور التي سنقوم بها صبيحة اليوم الموالي, منذ لحظة استيقاظنا من النوم و على مدار السعات المتتالية, نحن نفكر و نرتب الأولويات, و ننضم الأفكار و القرارات المعبرة عن مختلف السلوكيات العملية التي سنقوم بها في وقت محدد, سواء في ذلك اليوم أو في مرحلة معينة....., لذلك نحن مُخططون بالفطرة و عموما هذا من بين أهم الفروق التي تفصل بيننا و بين البهائم.

لكنني أود أن أشير في هذا المقال إلى ذلك النمط من التخطيط الذي نفتقده كثيرا في حياتنا, و الذي يعتبر ثقافة قائمة بذاتها خاصة في هذا العصر, و أقصد به " التخطيط الاستراتيجي "... قد أبدو هنا أني أتحدث عن أمور أكاديمية لا تخص سوى النخبة الفكرية في المجتمع, لكن الأمر ليس بهذا التعقيد, فماذا يعني أن يكون الإنسان مخططا استراتيجيا في حياته هو قبل أي شيء آخر ؟.

ببساطة, هو أن يضع المرء لنفسه هدفا معين بدقة, بحيث يتلاءم مع واقعه الموضوعي وحاجاته التي يريد تحقيقها في أجل معين, و ما يلزمه هو خطة عمل مضبوطة من كل الجوانب, بحيث يحدد الإنسان قدراته و موارده إلى جانب نقائصه و عيوبه المختلفة, ثم يحدد الطريقة التي سيسخر بها تلك الإمكانيات و يعوض بها تلك النقائص للوصول إلى الغاية المسطرة, مع الأخذ في الحسبان عامل الزمان و المكان, و كذا افتراض أهم العقبات أو الطوارئ التي من شأنها خلق صعوبات في طريق تحقيق الهدف و اقتراح الحلول المسبقة لها, أي أن تتضمن الخطة قدرا عاليا من المرونة....لكن هل هذا ممكن في حياة جزائري اليوم, و هل يمكن له أن يصبح مخططا استراتيجيا لحياته ؟.

إن تتبع النمط العام الذي صار يفكر به الإنسان الجزائري لا سيما المواطن البسيط يبرز الكثير من المؤشرات التي قد تقف عائقا أمام نشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي في حياة الناس, و يبرز ذلك عندما نسأل أي مواطن أربعة أسئلة, يقول خبراء التنمية البشرية أنه إن تمت الإجابة عنها بسلام دل ذلك على أن صاحب الهدف مُخطط بالفعل و يستطيع تحقيق ما يهدف إليه إن وضعه عمليا في الفعل و أصرَّ على بلوغه. فبعد أن نسأل الشخص عن هدف مُحدد يريد تحقيقه, نطرح عليه التالي: لماذا ؟, متى و أين ؟, و الأهم: كيف ؟.

برأيي أن السؤال الأخير هو الذي سيبرز التناقضات الفكرية و النفسية التي يعاني منها الفرد الجزائري, فإن كان يعرف هدفه بالضبط, و يعرف لماذا يريده و أين و متى يُحققه, فإن الإشكال و العجز يبرز في " كيف يصل إليه " أي أنه يفتقد لخطة عملية, و عندما نسأل عن سبب افتقاد هذه الخطة الموضوعية قد نسمع العديد من الإجابات المحملة بالأعذار و النقد و التهكم و اللوم, التي تمس الظروف و الراهن العام اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا... كما قد تمتد لتمس الجانب الديني و العقائدي للتهرب من الواقع, و ذلك راجع إلى الطبيعة التي تقوم عليها العقلية الجزائرية, التي تعتبر نتاج لظروف كثيرة و متراكمة, لابد من النظر فيها. لكن يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط على الأقل من أجل الاختصار, ثم ربطها بظاهرة افتقادنا لثقافة التخطيط:

-1 يقوم نمط التربية الجزائري عموما على الأوامر, أي أن الجزائري و منذ صغره يتلقى التعليمات حول ما يجب و ما لا يجب فعله, دون شرح موضوعي أو نقاش. فالأب و عند وضعه لهدف أو غاية ما تهم مصلحة الأسرة, فهو يخطط لذلك وحده, كما أن تسيير أمور العائلة الجزائرية عموما من اختصاص رب البيت أو الأبوين معا في أحسن الأحوال, دون إشراك الأبناء في ذلك و لو بصفة رمزية.

-2 يمتد الأمر إلى المدرسة, و هي البيئة الثانية بالنسبة للطفل بعد البيت, فمن الغريب أننا نرى المدرسة الجزائرية – و رغم كل الإصلاحات التي عرفتها – لم تتخلص بعد من العقلية " البافلوفية " في التدريس, و ذلك من خلال النمط الذي لا يزال المعلم و الأستاذ الجزائري يتعامل به مع التلميذ على أساس أن هذا الأخير مجرد آلة تتلقى المعلومات وفق قاعدة " مثير و استجابة ", و ذلك راجع – برأي كاتب هذه الأسطر – إلى أن الإصلاحات التي مست القطاع ركزت كثيرا على البرامج البيداغوجية و أهملت واقع تطوير ذهنية المعلم خاصة ( الجانب الإنساني و العلائقي ) في التدريس, و ما يحدث هو أن  المعلم الجزائري و في الغالب لا يزال في لاوعيه ينظر إلى التلميذ نظرة " شيئية " فيما يخص تلقينه المعارف, و يثبت ذلك في أنماطه السلوكية تجاه من يُدرس.

-3 عند النظر إلى السمة الأساسية التي يتميز بها المجتمع الجزائري و منذ القدم, نلاحظ أنه مجتمع عقائدي, أي أن الكثير من قيمه و أفكاره مبنية و منبثقة من أسس عقائدية و دينية, و من بين ما يعرف عن الجزائريين أنهم شديدو الاعتقاد بركن " القضاء و القدر " المشكل لأركان الإيمان المعروفة, و من ثم فهم يربطون كل صغيرة و كبيرة من حياتهم بهذا الركن, و مع التوارث الاجتماعي لهذه العقلية فقد عمل ذلك على جعل كل ما يحدث في حياتنا من عمل القدر, إلى درجة أنه خلق نوعا من الخلط المعرفي ( الذي عززته عقود طويلة من الاحتلال الناسخ و المدمر للهوية و الفكر ), الذي جعل الإنسان الجزائري لا يعرف تحديدا ما هو القضاء و القدر و ما هي المسؤولية الشخصية, فبات يخلط بين المفهومين في غالب الأحيان.                                                    

تلكم كانت ثلاث نقاط عامة تخص البيئة التي يترعرع و يعيش الجزائري في كنفها, و تفحصها عن قرب يجعلنا نخرج بعشرات الاستنتاجات عن الجوانب العقلية و النفسية الطاغية علينا كمجتمع,  و المؤدية إلى فهم الكثير من المشاكل, و يمكن إيجاز بعض هذه النتائج كما يلي:

-1 يجعل نمط التربية في الأسرة المذكور آنفا الفرد ينمو بطريقة " كبتية ", أي أنه ينمو و هو محروم من إبداع أفكاره و التعبير عنها و المشاركة بها في تسيير أمور الأسرة, ناهيكم عن أن التثبيط الاجتماعي الناجم عن الاستهانة أو السخرية من أفكاره يجعله مستقبلا غير جاد في اختيار توجهاته الشخصية وغير واثق من مواقفه... و بالضرورة " شخصا غير ملتزم بشيء ", فضلا عن جعله غير مهتم أصلا بالقضايا المطروحة التي تمس جماعته و من ثم تمسه شخصيا, فهو لا يشارك فيها عن قناعة ذاتية بل يفعل ذلك إما مُجبرا أو مُتكلفا.

-2 الواضح اليوم للعيان – خاصة الأساتذة الجامعيين بشكل خاص – هو العجز الغريب الذي يسيطر على عقولنا كطلبة في الإتيان بالأفكار و مناقشة المواضيع و التركيز الكامل على المادة المعرفية المطروحة علينا, فنحن لا نستطيع التحليل و الاستنباط و الإسقاط.... إلا بمساعدة ثقيلة من الأستاذ, و ذلك راجع إلى النمط التعليمي البافلوفي الذي سرنا عليه طوال حياتنا, و الذي جعلنا عاجزين عن الاستقلال بذواتنا المفكرة, فإن كنا كذلك – و نحن نخبة المجتمع و مستقبل مؤسساته , أو يُفترض أننا كذلك– فما بالكم بالأجيال العاجزة ذهنيا التي أنتجتها المدرسة الجزائرية من أصحاب التعليم المحدود ؟.

-3 عندما يترعرع المرء وسط مجتمع له أسس عقائدية صلبة جدا, أثرت عليها الأزمات و التناقضات المختلفة و المتتالية على مدار عقود, إلى درجة أن الأمور الدينية تختلط بالأمور الدنيوية بشكل التباسي, فإن الفرد يقع ضحية هذا الالتباس إلى درجة أن هذا الالتباس يصبح عقلية أو نمط تفكير مُورَّث قائم بذاته, و في الغالب تجعل هذه الذهنية أو هذا النمط المرء غير قادر على فرز نفسه بين أمرين مختلفين على شاكلة ما هو قدر من عند الله و ما هو مسئولية شخصية يتحملها العبد. و يتضح ذلك في أمور القضاء و القدر, التي جعلت حتى أكبر المسئولين في الدولة يلجئون في أوقات الكوارث إلى الاحتماء بمقولة: قدر الله و ما شاء فعل. بدل أن يواجهوا مسئولياتهم و يتحملون بكل موضوعية التبعات المنجرة عن تلك الكوارث, و هذه " الثقافة " صارت من بين أعمق الأسباب المشكلة للتهرب من المسؤوليات, و التهرب " اللاشعوري " من تأنيب الضمير لدى الجزائريين.

أية صفات و سمات عامة يمكن استخلاصها من النتائج المذكورة سابقا عن البيئة الفكرية و النفسية للجزائريين – أو غالبيتهم –  و كيف نربطها بانعدام ثقافة التخطيط الجاد لأمور حياتهم ؟.

الظاهر هو أنه صار لنا إنسان جزائري – و بعد كل ما ذكر أعلاه – تطغى عليه الكثير من العيوب و النقائص ( المعرفية و النفسية و السلوكية ) التي تعشش في عقله اللاواعي قبل الواعي, فلو طرحنا عليه سؤال حول عدم اتخاذه لثقافة التخطيط الاستراتيجي لأمور حياته نهجا يسير عليه, ستظهر لنا العديد من ردات الفعل التي تثبت أن الإشكال أعمق من مواجهته بطرق سطحية, و التي تبرز خلفها – أي ردات الفعل – كل تلك التراكمات القديمة و هي تعبر عن نفسها بشكل عنيف, لا يستشعره و لا يسمع صداه سوى الدارس أو الملاحظ المحنك في أعماق هذا الفرد المُنهك في الصميم, و أهم ردات الفعل المحتملة قد تبرز في الإجابات التالية على السؤال المطروح أعلاه:

- 1 هل أتعب نفسي في التخطيط و التدبير و إتباع كل تلك الخطوات – خطوات التخطيط الاستراتيجي – من أجل أمر أستطيع تحقيقه بدون كل ذلك ؟. ( الاستهزاء و الاستكانة فيما يخص أمور أو أهداف الحياة, فهذا قد يدل على طبع الجزائري غير الجاد و المستهين بما يُمكن أن تقدمه الأفكار الجادة, و ذلك قد يرجع أساسا إلى التثبيط الاجتماعي الذي مورس عليه في مراحل متقدمة من عمره ).

- 2 لدي هدف لكنني لا أعرف كيف أضع خطة إستراتيجية لبلوغه, ثم لست معتادا أصلا على تحقيق أهدافي بهذه الطريقة. ( هذا قد يدل على النمط الفكري و السلوكي العام الذي تربى عليه الفرد, و المتمثل في عادة قبيحة جدا تغلغلت في أذهاننا, و هي: الخمول الذهني و انتظار الآخر أن يقدم على شيء من أجل تقليده أو تثبيطه, و ذلك راجع إلى عيوب الأسرة و المدرسة ).

  - 3 من سيضمن لي أني سوف أعيش إلى اليوم الذي سأختم فيه تنفيذ هذه الخطة و أصل إلى الغاية ؟, فالأعمار بيد الله, و إن قدر لي أني سأحقق تلك الغاية فسأحققها بدون هذه الخطة المكتوبة على ورق. ( وهنا يظهر لنا الاضطراب المعرفي الذي يعاني منه البعض, بين حقيقة التوكل و التواكل, و هنا يحضرني سؤال لطالما طرحه الدكتور إبراهيم الفقي على هذا النوع من الناس: ماذا ستخسر أو ماذا سيضرك إن خططت بكل جد لتحقيق غاياتك ؟. و نضيف عليه: ثم ماذا لو أن الله قد كتب لك أن تعيش أكثر من مائة سنة ؟, ألن يعني ذلك أنك ستعيش قرنا كله تواكل و استكانة و كسل و تلاطم ؟ ).

  -4 إن طبيعة هذا المجتمع و مناخ هذا البلد لا يمكِّنا المرء من تحقيق أهدافه حتى لو استعان بأدهى خطة إستراتيجية. ( و هذه قد تكون إجابة أغلبية الناس و خاصة الشباب, و قد تدل على حالة الانهيار و الاستسلام التام للظروف الراهنة, يُضاف عليها ما أعتبره شخصيا من بين أسوء العيوب في الإنسان الجزائري المعاصر و هي: الندب و العويل على الواقع بدل " الاستمرار" في البحث عن الحلول لهذا الواقع, و هذا النوع من الناس هم الأحوج على الإطلاق لثقافة الأهداف و التخطيط, لأن عويلهم ذاك هو الذي يحمل بداخله كل أصناف بذور الأمراض النفسية و العقلية الخطيرة, التي نتجت عنها كل أنواع الانحراف السلوكي الذي أدى إلى كل ما عاشه البلد في العقدين الأخيرين....).

من خلال كل ما تقدم, حاولنا أن نضع فكر القارئ في صورة تقريبية تمكن من فهم أعمق للكسل الفكري الذي يعيشه الجزائريون دون أن يعوا غالبا بأنهم يعيشون تحت وطأته, و ذلك راجع إلى هذه النمطية التي تسيطر على المجتمع, و من بين تفرعات تلك النمطية الموضوع المعالج في هذا المقال, و هو ظاهرة افتقادنا للتخطيط الاستراتيجي في حياتنا, بدواع مختلفة لعل أهمها – بالنسبة للذين ليدهم أهداف واضحة يرغبون في تحقيقها بجد – أن الهدف يستحق إرادة مشتعلة لتحقيقه أكثر من خطة إستراتيجية مكتوبة على ورق..., و الحقيقة هي أن الهدف في حالة افتقاده لخطة واضحة و موضوعة بعناية – و مع مرور الوقت و تتالي عقبات الحياة الحتمية – سيضيع و يتبدد و يفقد صاحبه الرغبة إلى أن يستسلم أو يغير وجهته.

لكننا نخلص إلى أمر واحد يجعلنا نتفهم افتقاد الجزائريين لهذه الثقافة, و هو أنها غير موجودة أصلا في قاموسهم الحياتي المتوارث للأسف الشديد, و من ثم هي غير موجودة في سلوكهم و أسلوبهم الحياتي ككل, و ذلك راجع إلى ظروف تاريخية قد تبدأ منذ سنة 1830 إلى غاية هذا اليوم. و إذا أردنا استنتاج قريب من واقعنا الحالي, فيمكن القول أن التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة, في الأسرة و المدرسة و المجتمع ككل, إضافة إلى الظروف السياسية و الفكرية و الثقافية العامة التي يعيش فيها البلد منذ 1962 قد كرّست هذه النمطية السلبية التي جاءتنا بهذا الفقر و العجز عن التخطيط لحياتنا كأفراد و كأسر.

 لا غرابة إذن أن نرى الشباب الجزائري ضائع بين أهداف مستحيلة المنال و رغبات بعيدة الإشباع, لأنه عاجز عن تحديد واقعه بموضوعية و أفقه بروية و العمل بمثابرة و صبر من أجل نيل ما يريد. و ليس من الغريب أن نجد الشباب الجامعي نادم على اختيار تخصصات تتناقض و قدراته أو استعداداته أو طموحاته, أطفأت دافعيته أمام ثقل المقررات و تحديات الدراسة و عيوب المنظومة..., و نرى نصف هؤلاء الطلبة مِمّن أجبروا على دراسة تخصصات لا يرغبون فيها, يستمرّون في الشكوى و اللوم و الاستسلام و السير نحو المجهول بدل محاولة التأقلم مع البحث عن حلول أنسب. و لا غرابة أن نصادف يوميا أشخاص و أرباب أسر غارقين في ورطة الديون و التسليف لأنهم لم يُحسنوا تقدير حسابات الحياة و تسيير مواردهم المالية أمام واقع البلاد الصعب. و لا غرابة أن نرى البلد برمته غارق في فوضى التسيير, مسؤول يبني و الآخر يهدم ليعيد البناء و هكذا دواليك....

و بعد كل هذا, ألا يجدر بنا أن نفكر في الأجيال الصغيرة التي ستحمل كل هذا الإرث العقلي و النفسي الثقيل و " الرهيب " ؟, لذلك لا بد لنا من التركيز على بعض الأمور من أجل إكساب الجزائريين الصغار المؤهلات المبدئية التي تزرع فيهم ثقافة التخطيط, لعل البيداغوجيين سيهتدون إلى خلق مادّة التفكير و التخطيط التي ستُدرّس في المراحل الابتدائية يوما ما ؟, لكن و إلى ذلكم الحين لا بأس من الإشارة إلى بعض الأفكار التي قد تنفع البعض في حياتهم:

- 1 لا بد أن يتعلم الأولياء إشراك أبنائهم في الحوار حول القضايا التي تهم الأسرة, مع تشجيعهم على إبداء آرائهم و التعبير عن مواقفهم و عدم السخرية أو الاستهانة بها مهما بدت قاصرة أو ساذجة, لأن هذا السلوك و رغم رمزيته التي لا تكلف شيئا, فإن نتائجه على الطفل ستكون عظيمة, لأن مجرد أن يجمع الأولياء أبناءهم حول طاولة مستديرة وُضعت فوقها فواتير الكهرباء و الغاز و الماء, يناقشون فيها الكيفيات التي سينفق بها الراتب العائلي.... فكل ذلك من شأنه أن يجعل الطفل يلمس عن قرب الواقع الاجتماعي الذي يعيشه, فيجعله يشعر بالمسؤولية تجاه مصاريف الأسرة, فيقلل من طلب الكماليات و التبذير..., و ذلك يؤهله ليكون مسئولا عن حياته مستقبلا و مدركا لحاجاته و كيفية تحقيقها و تسييرها...

- 2 لا بد على المعلم الجزائري فرض نوع من التنظيم داخل غرفة الصف, فإلا جانب انتخاب رئيس الصف و نائبه, يمكن تخصيص ساعة أسبوعيا يجتمع فيها الجميع مع المعلم, من أجل التخطيط لبعض الأمور أو النشاطات التي يتحفز لها التلاميذ و التي تسجل في أجندة القسم, بحيث يتفق الكل على كيفيات تنفيذها و آجال تحقيقها..., ناهيكم عن اجتماعات تناقش فيها تحديات الصف ككل أو مشكلات بعض أعضائه خاصة في الجانب الدراسي و كيفية معالجتها..., و هذا يشترط بعض الأمور, كأن تكون علاقة المعلم بتلامذته علاقة صداقة قبل أي شيء, و أن يكون ماهرا في الحفاظ على حماسة الأطفال و شغفهم بما يقومون, فكل ذلك يساهم في الارتقاء بثقافة التخطيط الفردي و الجماعي لدى الفرد و يدربه عليها, إلى جانب إدماجه في حركية الجماعة أو المجتمع الصغير الذي ينتمي إليه في سن مبكرة....

- 3 لا بد على الفاعلين الاجتماعيين بمختلف مستوياتهم و تخصصاتهم أن يعملوا على إيقاظ المجتمع من سباته الذهني, و أن يقنعوه أنه لطالما كان ضحية هذه النمطية – التلقائية أو ربما المُفتعلة (؟) – و أنه غالبا لم يشعر بها رغم وجودها القوي بسبب المشاكل و المشاغل, و سيطرتها شبه الكاملة على أفكاره و سلوكه. بحيث يتم إقناع الحد الأكبر من الناس بأن عيوب التربية و التوارث الاجتماعي للأفكار السلبية و التنميط السلوكي الخاطئ و عيوب المنظومات الاجتماعية و الثقافية و السياسية, هي من أوجدت هذا الأسلوب الحياتي القاصر الذي يصوغ في نهاية المطاف ما يُعرف " بالمجتمعات المتخلّفة ", و هو الأسلوب الذي يفتقد للكثير من الذهنيات العصرية التي لا بد على الإنسان تبنيها, لأن ذلك من شأنه وضع حد لعشرات أو مئات المشاكل التي يواجهها الإنسان, بمجرد أن يُدرك و يُسلّم بأنه ضحية تلك النمطية السلبية, و يقرر أنه سيبذل جهودا من أجل تحسين نفسه على جميع الأصعدة, كمواطن و كزوج و كأب و كمعلم و كمربي....

يمكننا القول في الختام أن المرء الذي يطمح إلى غاية ما, لكنه لا يملك خطة مرسومة من أجل تحقيق تلك الغاية, كمن يريد الذهاب إلى مكان ما لكنه لا يملك خارطة للطريق الذي سيسلكه. قد يعتمد على الحدس و الحظ في بلوغ هدفه و قد ينجح, لكن بعد أن يكون قد مر بالكثير من الطرق الخاطئة و المغلوطة التي تضاعف من عثراته و سقطاته و تأخذ منه ضعف الجهد و الوقت.

و المشكلة فينا كجزائريين أننا نضجُّ منذ عقود مشتكين كثرة العراقيل التي تملأ حياتنا و تمنعنا من تحقيق ما نريد, ناسين أن طبيعة الحياة هي العراقيل و التحديات, و حالنا هكذا كذاك الذي يشتكي مستسلما تحت هطول المطر بدل أن يبحث له عن مظلة. و  أعود إلى مقولة السيد وامرسن أعلاه, بأن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب, فقوله: العالم, يعني الحياة بكل ما فيها من تحديات و مشاكل و عقبات, و قوله: يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب. فقد ورد بصيغة المضارع, و يعني أن المرء مادام يدرك جيدا الطريق الذي يسلكه نحو هدفه و يدرك كل ما يوجد في هذا الطريق,  فإن الحياة و مع كل تحدياتها, لا تملك إلا أن تفسح له المجال لبلوغ غايته في النهاية, فمن لا يعرف طريقه في الحياة فإن أولى أولويات حياته أن يرسمه, أو كما قال المفكر "هايبل" ذات مرة: " إن لم أجد الطريق لصنعت الطريق. "

 علاوه أمير فنور – قسم علم النفس, جامعة البليدة – 21/11/2008

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens