Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
4 juin 2011 6 04 /06 /juin /2011 19:49

passerelle-parregaux-1-.jpg

عندما زرت حسناء الصخر

 

عبرت السيارة تلك الطرقات التي لا أزال أعرف الكثير منها وسط زحمة سير متوسطة في تلك الأمسية المشمسة, كنت أجلس على يمين السائق أقلب نظري على جانبي الطريق أتفحص تلك الأبنية و المحلات أمحِّص ما أتذكره و ما نسيته في محاولة اختبار مدى قوة ذاكرتي بعد سنوات من الغياب عن مدينتي الأم التي بدت أنها تغيرت لكنها لم تتغير كثيرا, رغم أن آثار الزمن على بناياتها القديمة كانت واضحة. أذكر أن أبنية و عمارات كانت في الماضي الجميل زاهية الألوان, لكنها بدت في تلك اللحظات باهتة بعد مرور سنوات كثيرة. لم يكن من الصعب علي إدراك الفروق التي قد لا يدركها شخص آخر لم يفارق هذه المدينة العظيمة لسنين, لكنني كنت هناك و قد عدت في زيارة قصيرة لحسناء الصخر العتيق.

 

توقفت السيارة عند الوجهة المحددة, فنزلت و أنا أشعر بحماسة لا مثيل لها ممزوجة بنوع من الاضطراب, لا أدري, ربما كان الترقب و الأسئلة الكثيرة التي كانت تحوم في رأسي منذ أن نزلت من الطائرة في المطار, أسئلة عن أحوال الحي القديم الذي عشت فيه سنوات من طفولتي و مراهقتي الأولى, كيف صار شكله, ما أحوال سكانه و من تبقى منهم ممن أعرف. رفعت بصري جهة اليسار للحظة و أنا أخطُ خطواتي الأولى في ضاحية الطفولة, أشاهد أبنيتها المشيدة فوق ما يشبه التلة, فأحسست بنفس الفرق, لقد صارت أبنية باهتة اللون.

 

كانت مئذنة المسجد الذي كنت أصلي فيه ترتفع في المقدمة و قد شحب لونها هي الأخرى بعد أن كانت من أكثر النصب بياضا فيما مضى. فسرت على طول الطريق و انعطفت إلى اليمين و كنت أقترب من بوابة الحي العسكري و قد صارت دقات قلبي أكثر عمقا, لا لشيء, سوى من الفرحة و التأثر, فبعد سنوات من الغياب ها أنا أصل إلى المكان الذي فارقته بالألم كجميع الذين فارقوه قصرا. و لغرابة الأحداث, بدأت أشعر في تلك اللحظات بأن الزمن لم يمر يوما, و بأن كل تلك السنين كأنما لم تكن, فقد بدا ما حدث و كأنه كان البارحة فقط, خاصة عندما وقف البواب على بعد خطوات مني, لقد نظر إلي للحظات و أنا أخطو نحوه و كأنه يحاول التأكد من أنني فعلا الشخص الذي يظن, و على حسب ظني فأنا لم أتغير كثيرا سوى أن الشعر صار ينبت في ذقني ؟. أما هو فلم يتغير أيضا سوى أن شعره الأشقر صار أكثر بياضا, رغم ذلك لم يجعلني هذا أشعر بفارق كل تلك السنين من الغياب, لأننا نعيش في زمن صار فيه الشيب لا يدل بالضرورة على مرور السنين و التقدم في العمر بقدر ما يدل على ثقل المشاكل و كثرة المنغصات في الحياة. نظر إلي الرجل و قد تأكد أخيرا من أنني فعلا ذاك الصديق الذي كان يحضر له قوارير الماء البارد في عز فصل الصيف, فأطلق بسمة عريضة تغيرت معها ملامح وجهه تماما, بسمة لم أعرفها و لم أرها من قبل, جعلتني أخيرا أحس بطول سنوات غيابي عن الحي, فقد اقتلع البواب الكهل جل أسنانه, و ذلك كان كافيا لأدرك كم غبت عن المدينة, سنين عديدة بعدد الأسنان التي أقتلعها. شعرت بالأسى العميق دون أن أفهم أكان على نفسي أم على الرجل ؟.

 

بعد التحية الحارة و أسئلة الصحة و الأحوال جلسنا أمام مدخل الحي. سألته عن الجو العام في الحي و الضاحية ككل, فتغيرت ملامح وجهه و قد شرد قليلا و هو يحدثني... " جميع سكان الحي قد رحلوا, بعض الضباط تنقلوا للعمل في أماكن و مدن أخرى فأخذوا معهم أسرهم كما حدث مع والدك, و البعض الآخر تقاعدوا فما كان لهم إلا العودة إلى مدنهم و ولاياتهم الأصلية, لم يبق سوى فلان و هو مريض و يستعد للرحيل بعد أشهر قليلة, المكان غريب جدا, ليس كما كان, فالسكان الجدد لا يعرف بعضهم بعضا لذلك لا تجدهم يجتمعون أو يتبادلون الأحاديث...لا شيء, الجميع يُحكم إقفال باب داره عليه و هو ما لم يحدث مع السكان القدامى حتى في عز سنوات الأزمة الأمنية إن كنت تذكر ؟. غريب, طباع الناس تغيرت. في زمانكم كان أكبر الضباط في الرتبة و المنصب لا يجد أي عقدة في التوقف بسيارته للحديث معي, فيمازحني و يسألني عن أحوال أبنائي و يستفسر عن سير عملي, أما هؤلاء النفر الجدد فإن الكبر و الغرور يعشش في تفاصيل حياتهم, فهم يمرون علي دون تحية و لا حتى نظرة خاطفة, و كأنني لست موجودا أحرس مدخل حيهم, صِرت أشعر بالوحدة يا صديقي, حتى كلاب الحي رحلت بعد رحيل سكانه الذين استأنست لهم. أشتاق أيم اشتياق إليكم أنتم سكان الماضي الجميل, لقد رحلتم فرحل الخير كله معكم ".

 

صمت الحارس الكهل هنيهة و هو يحاول ألا يزيد شيئا فقد كان الأمر واضحا جدا, و لم أعرف ما يجب قوله للتخفيف عنه, فأنا لم أتصور أن الأمر هكذا. لكنني اهتديت إلى تذكيره ببعض طرائف الماضي, فرحنا نذكر بعضنا بالأحداث و القصص و المغامرات الراسخة في ذاكرتنا و ذاكرة بقية شباب الحي, فقد أخبرني أنهم يزورونه و الحي فرادى من وقت لآخر قادمين من أماكن و مدن بعيدة, و أنهم لا يزالون يتذكرون تلك الأحداث الجميلة و الطريفة فهي عزاءهم الوحيد عندما ينال منهم الشوق و الحنين إلى حي الطفولة, لقد أخبرني أن معظمهم صاروا شباب يملأهم الخجل و الهدوء و الرصانة فضحِكت محاولا تصورهم على تلك الحال, بدا الأمر صعبا علي.

 

كان علي أن أترك الحارس لبعض الوقت, فاستسمحته لزيارة آخر من بقي من القدماء من الجيران, فعبرت البوابة, و إذا بي أقف متنهدا و أنا ألمح تلك الطريق المستقيمة التي تصطف على يمينها المساكن الأرضية و على يسارها الطريق المؤدي إلى العمارات. كنت أنظر إلى آخر الطريق الذي ينتهي إلى انحدار خفيف تختفي معه البيوت الواقعة في نهايته و لا يظهر منها بالكاد سوى أسطحها القرميدية. هناك بمقربة من نهاية الطريق المغلقة بسور شديد الارتفاع يقع بيتنا, أو بالأحرى ما كان بيتنا. لكنني تذكرت فلان المريض فقررت زيارته أولا, فانعطفت إلى مدخل العمارات شمالا, و قد أبطأت من خطواتي, كنت أسير بتأن أفحص كل زوايا الحي المغلق, فكل زاوية و كل طريق و كل رصيف و كل شجرة لها ذكرى أو ذكريات. ما جذب انتباهي هو أن الحي كان صامتا و خاليا تماما من الحركة و الهرج و المرج الذي كان يحدثه الأطفال و الشباب في أيامي, لا صرخات و لا ضحكات و لا نداءات و لا تجمعات و جماعات. فتوجهت للحظة نحو المساحة التي كنا نقيم فيها مباريات كرة القدم, و قد انتابتني أحاسيس مختلطة و أنا ألمحها من بعيد, كان الشوق الشديد إلى أصدقاء الطفولة و الأسف على انتهاء تلك الأيام البريئة, فوقفت للحظات و أنا أنظر إليها و هي صامتة بذلك الشكل الغريب و كأنها تنظر إلي و هي تسألني عن الصبيان و المراهقين, الذين كانوا يمضون أمسيات الربيع و الصيف الطويلة يستمتعون باللعب فيها.... أين هم فقد غزى التراب و الأحجار و الحصى وجهي و قد لفت الأعشاب الطويلة و الأشواك أطرافي, فأين هم ؟... كانت تقول. أما أنا فكدت أسمع أصوات أقدامهم و هي تركض و تتقاذف الكرة فيما بينها, كدت أسمع صرخاتهم و أحاديثهم بين التشجيع و القهقهة تارة و بين التهكم و بعض السباب تارة أخرى, كم كان الزمن جميلا حينها و كم كانت الأشياء بسيطة و عفوية.

 

في تلك اللحظات مر علي أحد السكان الجدد و هو يُدقق في وجهي و يرمقني بنظرة غريبة و كأنه يسأل نفسه عما يفعله هذا الغريب بوقوفه و شروده في هذا المكان الذي لا يُعبر عن شيء ؟, مجرد بقعة تافهة تتوسط الحي. لا أدري لماذا يذكرني ذلك اليوم بحال الفلسطيني و المستوطن اليهودي, فما عشته في تلك اللحظة بالذات قد يُعبر أو يشرح جزء من المليون حالة الفلسطيني المهجر من أرض يرتبط معها بكل تفاصيل وجدانه, و يبدو أن هناك مشاعر غريبة تنتابه عندما يمر عليه مستوطن روسي أو بولندي زُرع مكانه و سكن بيته و هو يرمقه بتلك النظرات, التي تحوله إلى " دخيل " رغم أن العربي قد مر من ذاك المكان ذات مرة في فجر التاريخ و استوطنه لقرون قبل المستوطن ؟. إنه إحساس لا يمكن وصفه سوى بأنه نوع من سخرية القدر و عبث الزمن التي شعرت بها عندما نظر إلي ذاك الشاب غير عالم أنني من السكان القدامى الذين مروا بهذا المكان ذات مرة, و بأن تلك البقعة التافهة لم تكن مجرد مساحة شاغرة.

 

توجهت إلى العمارة التي يقطن فيها " المُحاصر " الأخير, و كم كان سعيدا رفقة عائلته بزيارتي, فكما حدث للبواب, تأثر الرجل كثيرا و تحرك حنينه إلى جيران الماضي و زملاء الخدمة الذين قاسمهم أحلك ظروف أيام العشرية السوداء. لقد كان يعاني من تبعات عملية جراحية مفتوحة على القلب, رغم ذلك فهو لم يفقد عناد العسكر الذي يمتزج عادة بشيء من العجرفة, فلم يتحرج من إخراج سيجارة و وضعها بين شفتيه باحثا عن الولاعة رغم حالة صحته المتدهورة, في حين راحت زوجته ترمقه بنظرات فيها الغضب و اليأس, راحت تقول لي:" أنظر إليه, لم يفلح الإرهاب في القضاء عليه في أحلك أيام الأزمة و ها هو اليوم يريد القضاء على نفسه بسيجارة بحجم الإصبع ". لكنني لم ألمه كثيرا لأني أعلم أن تلك السيجارة كانت أفضل مؤنس له و لأمثاله أيام الضغط و الأرق و الخوف و الأحزان. أما هو فلم يكترث لكلام زوجته, و أحسب أنه هو الآخر كان محبطا من عدم تمكن شريكة حياته من فهم سر علاقته مع السيجارة.

 

لكنه راح يحدثني بنفس نبرة حارس الحي, غير أنها كانت أكثر عمقا من حيث الطرح... " في الماضي كنا كأسرة واحدة, و المثير في الأمر أنني لم أشعر بذلك إلا بعد أن رحل الجميع و ها أنت ترى الآن, حتى ألائك الذين لم أكن أطيقهم أشتاق إليهم اليوم, و أفهم كم كنا أغبياء إذ أننا كنا نمزج بين خلافاتنا و اختلافاتنا الطبيعية, التي هي جزء من علاقات البشر ببعضهم البعض مع المعنى الشامل لوجودنا و عيشنا إلى جانب بعضنا في حي واحد و في ظروف واحدة, فكنا ندع تلك التوافه الصغيرة تغشى بصيرتنا فلا نرى جمال سنوات العِشرة,  إلا بعد فوات الأوان و تفرق الشمل حيث يصبح الندم غير نافع و تصبح العودة إلى الوراء مستحيلة, حتى السكان الجدد لهم ذهنيات مختلفة و تناقضات ثقافية عديدة تحول دون بنائهم لذاك التناغم الذي كان بيننا بسبب قدومهم من مناطق مختلفة من البلاد, فهذا وهراني و ذاك شاوي و الآخر مزابي... و يلزمهم ما حدث معنا, أي سنوات طويلة من العيش معا و إنجاب بعض الأطفال في هذه المدينة كي يستطيعوا تشكيل تلك القواسم المشتركة و ذلك المجتمع الصغير الذي شكلناه في الماضي رغم اختلاف مشاربنا. أما بخصوص حالي وسطهم فأنت ترى, فبالرغم من أننا نعد أقدم السكان هنا إلا أننا نشعر بغربة وسطهم و كأننا نحن الجدد ".

 

لقد كان كلام الضابط المحنك عميقا و معبرا جدا, و رغم أنه لم يفصح لي عن ذلك, إلا أنني فهمت أنه كان يحترق بنارين, نار البقاء في هذا الحي الذي لم يعد كما كان و صار العيش فيه لا يعني شيئا بعد رحيل الجميع, و نار فراقه بعد أكثر من عشرين سنة من الاستقرار به, و هما رغبتان كانتا تتصارعان في داخله, فبعد سنوات من الخدمة التفت الرجل من حوله فلم يجد شيئا يُشعره بالرضا, ربما هو جار رحل دون أن يطلب عفوه أو صفحه عن شيء آذاه فيه أو به, ربما هو زميل قضى في الحرب الأهلية قبل أن يتمكن من رد جميله له, ربما هو صديق لم يستطع أن يخبره ذات يوم بأنه يحبه و يحترمه بشكل صريح و مباشر حتى رحل.., هذه إحدى عيوب هذا المجتمع, الناس لا يصارحون بعضهم البعض حول مشاعرهم حتى فوات الأوان.

 

تركت العائلة الأخيرة و لم يكن الوداع مؤثرا كثيرا لأني أعلم أنهم على اتصال دائم مع عائلتي, فزوجة الضابط صديقة لأمي, فلن تكون المرة الأخيرة التي سأراهم فيها. نزلت إلى الحي مرة أخرى و أنا أسرع الخطى بعض الشيء, كنت أتوق إلى الوقوف أمام باب منزلنا, البيت البسيط الذي عشت فيه بعض أحلى الأيام, و بعض أصعب الأيام كذلك. سلكت طريق المنحدر الطويل و أنا أنظر إلى بيوت الجيران القدامى, و يا للعجب, كنت أكاد ألمح وجه كل ساكن قديم و أسمع نبرات صوته في اللحظة التي يقع فيها بصري على باب البيت الذي كان يسكنه ذات يوم, الكثير من الأصدقاء و من مختلف مناطق البلاد الذين عرفتهم منذ أن كنت في سن الخامسة, كنت أستحضر ألقابهم التي كانوا يشتهرون بها قبل أسمائهم الحقيقية, جعلني ذلك أبتسم للحظة فقد كانت ألقابا غريبة جدا و مضحكة لا توجد في أي بلد, و لم تكن تروق بعضهم فكانت تغضبه, بينما كان البعض الآخر لا يكترث, لقد اشتقت إليهم جميعا في تلك اللحظات رغم الظروف و التناقضات التي فرقت بيننا, اشتقت إلى مشاكساتهم و أعمالهم الحمقاء, كنا حقا مجموعة من المجانين الصغار.

 

لقد سيطر على طول الممر صمت غريب لم أكن أسمع معه سوى أصوات زحمة السير و السيارات خارج الحي, كان الجو غريبا, فقبل نحو عشر سنوات كان هذا المكان يعج في كل أمسية بالأطفال الصغار الذين كانوا يلعبون بدراجاتهم الثلاثية العجلات. كنت أمازح بعضهم كل أمسية في طريقي إلى البيت عائدا من المدرسة. في تلك اللحظات كنت أكاد ألمح أطياف الجميع, كل منشغل بفعل شيء ما أمام باب داره, فهذا الضابط يحادث شخصا ما, و ذاك الشاب ينظف سيارة والده يستمع إلى الموسيقى الصاخبة و تلك المُطفل تقف أمام باب دارها تنادي أبناءها و تتوعدهم بسبب رفضهم الدخول إلى البيت..

 

لكن تلك الأطياف و الأصوات تداعت فجأة عندما اقتربت من بيتنا القديم, فقد التفت إلى يساري نحو قطعة الأرض الكبيرة التي كانت تجاورنا, وا أسفاه, لقد اختفت تماما بعد أن التهمها الاسمنت المسلح و قامت عليها عمارات جديدة. لقد اختفى تماما ذلك المكان الواسع الجميل الذي كانت الأزهار و الحشائش تملأه كل ربيع, حين كنا نقيم مباريات كرة القدم فيه من حين لآخر ضد فرق أحياء الضاحية, و كثيرا ما كنت أختلي فيه بنفسي عندما أبحث عن الهدوء, فقد كانت له إطلالة جميلة على قلب المدينة جهة الغرب أين ترتفع أبنيتها و أبراجها من على هضبة بعيدة نوعا ما, يتوسطها الجامع الأبيض الضخم الذي تشتهر الولاية به, فكانت تتحول إلى ظلال كبيرة كلما غربت الشمس من ورائها مخلفة بذلك منظرا جميلا أيام شهر مارس, عندما كنا نستلقي على بساط العشب نراقب أسراب طيور السنونو و هي تتلاعب و ترواغ في الهواء, كثيرا ما كنا نشبهها بطائرات ورقية و لعل هذا ما جعلني أحب تلك الطيور. في الماضي كانت أشعة شمس المساء ذات اللون البرتقالي المائل إلى الحمرة تداعب حشائش المكان, و تقوم نسمة المساء الأخيرة بحمل عبيرها إلى البيوت, عندما كنا نفترق بعد مباراة حامية في كرة القدم, و يعود كل واحد فينا إلى بيته و هو يتضور جوعا, يحاول تمييز ريح طبخ والدته عن بقية الروائح المنبعثة من البيوت, كان الأمر جميلا جدا.

 

عندما رميت ببصري نحو التلال التي تجاور المدينة إلى الجنوب, لاحظت أنها لم تتغير كثيرا, لقد كان يرتفع فوق أحد تلك الهضاب من بعيد البناء الذي يحتضن إدارة جامعة الولاية, برج شامخ لطالما عانق الركام الثقيل في فصل الشتاء, ليس لكونه فارع الارتفاع, بل لأن مدينتي و ولايتي كلها شامخة. ذاك البناء هو أول معلم يصادفه الزائر للمدينة بحكم قربه الشديد من المطار.

 

لم تكن سوى بعض الخطوات حتى وجدت نفسي أخيرا أقابل عتبة الدار, دارنا القديمة, لم أستطع فهم أي نوع من المشاعر التي كانت تنتابني في تلك اللحظات, كانت كثيرة و مركبة, لكنني كنت أستذكر الكثير من الأيام التي عشتها هناك. لم يتغير البيت كثيرا سوى أن الساكن الجديد أعاد طلاءه من الخارج و قام بتغطية سقف المرأب. ابتسمت للحظة و أنا أنظر إلى شجرة الدردار القديمة بجوار الباب و قد نمت و استقامت و ارتفعت في السماء مرة أخرى, بعد أن كنا قد قطعناها قبل أكثر من عشر سنوات, بسبب جذورها التي أضرت حينها بالسور و جعلته مائلا, يبدو أنها لم تستسلم, و أنا شعرت بنوع من الرضا لأنها عادت إلى الحياة, أذكر أننا كنا نستظل بظلها أيام الصيف, بل كنت أستلقي تحتها و أغط في النوم العميق رفقة بعض القطط أيام العطل. و ابتسمت مرة أخرى و أنا أنظر نحو زاوية الجدار التي كنت أقفز منها خلسة كاللص إلى داخل البيت في ليالي الصيف التي كنت أسهر فيها رفقة الجماعة أيام تمرد المراهقة, فقد كنا نسهر لساعات الصباح الأولى نمضي الوقت في التسكع و تدخين السجائر نتحدى بذلك تهديد و وعيد الآباء. سألت نفسي عن حال شجرة العنب التي كانت تغطي الساحة الخلفية للبيت إن كانت لا تزال على حالها, فتراجعت قليلا إلى الوراء و أنا أمد بصري محاولا الوقوف على أصابع قدمي عسى أن أرى ما يرتفع في الحديقة خلف الجدار الخارجي, فلم ألمح غير شجرة التين التي تتوسط المكان في الداخل و قد كبرت هي الأخرى و صارت صالحة حتى للتسلق عكس ما كانت عليه في الماضي.

 

تذكرت الكثير من الأشياء في تلك الأثناء, كأجواء رمضان و سهراته و عيد الفطر و عيد الأضحى , تذكرت أيام الدخول المدرسي, الملابس الجديدة و تلك الرائحة الفريدة التي تفوح من الدفاتر و الكراريس و القرطاسيات, تذكرت أجواء عيد الثورة و الأناشيد الوطنية المنطلقة عبر مكبرات الصوت من الثكنات العسكرية في الليالي الباردة الممطرة و أصوات الرصاص و المدفعية عند الدقيقة الأولى ليوم الفاتح نوفمبر كل سنة, تذكرت عطلة رأس السنة و ليلتها المثلجة و السكون المطلق في صباحها, تذكرت اللهو و اللعب و معارك الثلج, تذكرت فرحة عطلة الصيف, تذكرت شارات و أغاني مسلسلات الرسوم المتحركة, تذكرت الأغاني الغربية التي كنا نقلد بعضنا البعض في سماعها أيام المراهقة, تذكرت كل تلك المراحل و المواسم و التغيرات التي عشتها في هذا المنزل الصغير.

 

 كنت أرغب حقا في الدخول و لو لم أكن أعلم بأننا نعيش في مجتمع تسيطر عليه الهواجس و الشكوك و الحذر, لقرعت الباب و عرفت عن نفسي و بأنني أرغب في رؤية البيت من الداخل و الجلوس قليلا في غرفتي... هذا النوع من السلوكيات غير مألوف هنا, و قد يسبب ردود فعل ليست بالجيدة أو المريحة.

 

في النهاية نظرت إلى نفسي بعد أن عدت إلى الواقع و الحاضر, فوجدتني مجرد غريب يقف في مكان لم يعد ينتمي إليه منذ سنوات طويلة, بل بالكاد يحق له التواجد فيه. في تلك اللحظات فهمت أنها مأساة جميع أبناء العسكر, التنقل و الترحال و أوقات الوداع الصعبة و الحنين إلى أماكن و مدن متفرقة, جعل من ذكرياتنا مبعثرة في كل مكان. فما كان لي إلا أن أتحرك مغادرا بهدوء و أنا أرمي بالنظرة الأخيرة إلى بيت الغير الذي ظننته بيتي أيام الطفولة, اعتقدت أنها المرة الأخيرة قبل رحيل الجار الأخير و تقاعد الحارس أو تغييره, فبعدها لن يكون لي سبب واحد يمكنني من ولوج هذه الأسوار المرتفعة.

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens