Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
5 juin 2011 7 05 /06 /juin /2011 15:18

arton115037e36-1-.jpg

النخب السياسية الأمريكية و صياغة فكر الشباب: قوى الإعلام و الدعاية كنموذج.

عند نهاية الحرب العالمية الثانية بفوز الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها على دول المحور عام 1945, حصل تحول جوهري في مراكز القيادة و التأثير في العالم. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها فجأة كقوة عظمى مؤثرة يُحسب لها ألف حساب, بعدما كانت أوروبا الغربية التي دمرتها الحرب هي مركز التأثير الأساسي الذي تنسج من حوله كل الخيوط التي تتجاذب موازين القوى فيما بينها. رغم أن العارفين بخبايا السياسة و الإستراتيجية يقولون أن ذلك التحول لم يحدث بشكل اعتباطي جراء الحرب, و لكنه كان محسوبا سلفا لعدد من الاعتبارات الإيديولوجية و المستجدات الاقتصادية و الاجتماعية, التي ظهرت في الولايات المتحدة بعد سنوات من التخمر الهادئ, بفعل اكتمال نضج ثمرات مختلف النظريات الاقتصادية و الاجتماعية التي تم تطبيقها على هذه الدولة, و التي بدت نتائجها جد مشجعة للنخب المتحكمة و النافذة في واشنطن و الغرب, فاقتنعت أخيرا بأن أمريكا أضحت على استعداد تام لقيادة العالم الغربي الحر ضد البعبع الشيوعي الشرقي, الذي جاءت الحرب الباردة ضده كفرصة مواتية للبدء في تصدير تلك التجربة السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية – على المستوى النظري على الأقل – إلى كل أصقاع العالم, و توطيد سطوتها على العقول داخليا.

و هكذا وجد أصحاب النظريات و علماء الاقتصاد الاجتماعي و علماء النفس أنفسهم وسط حقل تجارب كبير ينبئ ببروز إمبراطورية عالمية جد مؤثرة, حيث صادف ذلك الخطوات المتسارعة للتقدم التقني في شتى المجالات, و على رأسها الاتصالات, و الذي خلق تغيرات أساسية في نمط العيش و السلوك وسط الناس. فكان على القادة و صناع القرار في واشنطن تثبيت سيطرتهم على المجتمع من أجل توجيه فئاته المختلفة و على رأسها الشباب, لخدمة و تحقيق أهداف النخبة داخليا و خارجيا. فقد كان السؤال حينها: كيف نوجه طاقات الشباب المختلفة لخدمة مصالحنا الاقتصادية  داخليا, وأهدافنا العسكرية خارجيا, مع إبقائه بعيدا عن القضايا و الحقائق السياسية المختلفة ؟. وفق هذا المنظور تحددت سياسات النخب الأمريكية المتعاقبة تجاه فئة الشباب – و بقية الفئات الأخرى عموما – في المجتمع الأمريكي منذ أن خرجت الولايات المتحدة من عزلتها عالميا كقوة فاعلة و مؤثرة, و قد قامت هذه السياسات على " صياغة " عقل الشاب الأمريكي بما يتماشى و مخططات و أهداف الامبريالية الأمريكية.

لو القينا نظرة معمقة على الأجيال الأمريكية المتلاحقة منذ نهاية الحرب العالمية و إلى اليوم, سنكتشف علاقة ارتباطيه و تفاعلية جد وثيقة بين نمط تفكير هذه الأجيال و سلوكها, مع التوجهات العامة التي سارت عليها مختلف وسائل الإعلام و الدعاية في المجتمع الأمريكي, و ما قامت بتوريثه من أفكار محددة تجاه مواضيع متشعبة. و أنا هنا أود الإشارة بشكل خاص إلى وسائل الإعلام الأكثر جذبا للشباب و هي: التلفزيون و السينما و المنشورات الشبابية. و قد يعتقد البعض أن المجتمع الأمريكي و خاصة فئة الشباب, هم أكثر من يتمتع بثقافة التحرر بين الأجناس, غير مدركين أن " ثقافة التحرر " هذه هي نفسها مفهوم و مصطلح مضبوط سلفا, تم تشريبه لعقول هذه الأجيال المتعاقبة " قصرا " عن طريق تلك الشبكة الهائلة من وسائل الإعلام و ما تنشره أو تبثه من مواد, و التي تم ضبط توجهاتها و أهدافها العامة أواسط الخمسينات من القرن الماضي, على أساس نتائج الدراسات النفسية و الاجتماعية التي وضعت على طاولة القادة و صناع القرار الأمريكان.

إن العارفين بعلم الاجتماع يؤكدون في هذا السياق أن التغيرات الكبيرة و السريعة التي تمس مجتمعا ما في فترة زمنية قصيرة, مقارنة مع الفترات الزمنية الملائمة التي تساير قدرة المجتمع على تبني و إدماج المفاهيم و المعايير التي تأتي بها تلك التغيرات, هي تغيرات غالبا ما تؤدي إلى اضطرابات عنيفة داخل المجتمع الخاضع للتغيير, إلى حد قد يجعل الأنظمة الحاكمة عاجزة عن مسايرة تلك الاضطرابات و احتوائها, و هي التجربة التي رأيناها في الكثير من النماذج عبر التاريخ المعاصر. لكن التغير الكبير الذي عاشه المجتمع الأمريكي و على رأسه الشباب منذ أواسط القرن الماضي و إلى هذا اليوم,  خاصة على المستوى منظومة المفاهيم الأساسية, التي تضبط سلوك الفرد و تحدد علاقاته مع نفسه و مع الجماعة التي ينتمي إليها و مع السلطة التي يخضع لها و مع العالم الخارجي, قد تم التعامل معها بقدر كبير من الدهاء و المرونة عبر سلاسل متدرجة من الأطروحات الإعلامية – التربوية, التي روجت لبعض المفاهيم. فمفهوم التحرر مثلا عند بداية ظهوره في وعي الشباب الأمريكي أواسط الخمسينات من القرن الماضي عبر موسيقى الروك, كان يعبر عن الرغبة في الانعتاق من السلطة الوالدية و الاستمتاع بالحياة و اللهو إلى أقصى درجة. أما اليوم فقد تطور هذا المفهوم و وصل إلى أقصى درجاته – عبر نفس الوسائل الإعلامية و موادها – ليُشير إلى قبول الشذوذ الجنسي و المثلية و التحول الجنسي كأمر عادي, بل و كحق لمن يرغب في ذلك باسم الحرية.

إن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: لماذا لم يكن هذا النوع من الأفكار مطروحا سنوات الخمسينات و الستينات كمفهوم للتحرر ؟. رغم أن كلمة " تحرر " هي نفسها الموجودة في الحالتين و قد تم الترويج لها عبر نفس الجهات ؟. و الجواب هو أن دوائر النخب كانت على علم بالقانون الاجتماعي المذكور أعلاه, فالمجتمع, و خاصة السلطة الأبوية و السلطة الكنسية لم تكونا على استعداد لقبول ذاك النوع من الأفكار الثورية على شاكلة حرية الحياة و الممارسة الجنسية, لأنها كانت ستؤدي إلى اضطرابات اجتماعية و سياسية و قانونية و أخلاقية قد تهدد استقرار الدولة. و الحل كان في تمرير تلك المفاهيم بالتدريج على مدى أعوام ,عبر كل المواد الإعلامية و الترفيهية التي كانت تبثها وسائل الإعلام التابعة للنخب المسيطرة و جماعات رجال المال الكبار في الدولة.

لقد كان الهدف الأول لهذه الدوائر السرية أو شبه السرية هو تربية جيل من المستهلكين لسلع الشركات و المجمعات الصناعية المختلفة التي كانت تقوم عليها ركائز الأرباح التجارية الداخلية. بدءا من رقائق البطاطا و المشروبات الغازية و الأكلات السريعة ( و هي ابسط هذه الصناعات ) مرورا بالألبسة و النشاطات الترفيهية كمشاهدة الأفلام و التردد على صالات الرقص... وصولا إلى التعلق بماركات السيارات..., و قد يستغرب المرء هذا الأمر. لكننا لو جمعنا بين كل هذه العناصر السالفة الذكر مع المواطن أو الشاب الأمريكي ستتضح لنا صورة من قسمين: 1 منتجات وطنية لشركات ذات أسهم خاصة. 2 نمط حياة معين أو ثقافة عيش قائمة بذاتها مرتبطة بتلك المنتجات ( ثقافة العيش الأمريكية ). و كلاهما يرتبط بالآخر عبر ما يعرف " بالسلوك الاستهلاكي " الذي ركزت عليه وسائل الإعلام كل جهودها طيلة هذه العقود, من أجل خلق كل الاتجاهات و التصورات العقلية و الانفعالية الممكنة لصياغته, بحيث تجعل من الشاب يتحول إلى أكبر داعم لأرباح تلك المجمعات سواء برغبته و وعيه أو بدونهما. و طبعا كان لابد من المرور – كما أسلفت الذكر – على إعادة تنظيم تفكير و سلوك هذا المواطن, عبر موجات متعاقبة من الرسائل التربوية التي روجت لها مختلف المسلسلات و الأفلام و الأغاني المصورة و المجلات...

إن السر الكامن وراء " سياسة التقطير " التي اتبعتها هذه القوى الإعلامية في تشريب عقول الشباب المبادئ و المفاهيم التي تخدم و توطد مفاهيم الليبرالية المتوحشة, هي كونها ركزت على ما أسمِّيه مبدأ " التطويع التدريجي ". فإن كانت نقطة قوة شاب سنوات الستينات – على سبيل المثال – هي ارتباطه القوي مع أسرته و مثابرته على الذهاب مع أفرادها إلى الكنيسة أيام الآحاد, فإن نقطة ضعفه كانت تجاه تلك الموسيقى الخفيفة الصاخبة التي تتيح قدرا من الاستمتاع و التنفيس عن مكبوتات النفس عبر القفز و الصراخ, و الحل بالنسبة للنخبة كان في إغراق سوق الموسيقى بعدد لا يُحصى من تلك الأسطوانات و الترويج للحفلات و الأغاني و النجوم الذين أخذوا يتحولون إلى المثل الأعلى للشباب, في حياة الاستقلال عن السلطة الوالدية و الكنسية. و الذين راحوا يشكلون صورة جديدة عن الشاب المثالي المرغوب فيه و عن المثالية نفسها, حيث يصير الإنسان المتمرد و الشقي و المتهور أكثر جذبا للانتباه و الإعجاب, في حين يصبح الشاب المنضبط و الملتزم و الواعي بما يجري رمزا للوساوس و الرجعية و الملل...

و هكذا تم علاج مشكلة الجيل الثاني الذي أتى من ذاك الجيل الأول الذي تم استهدافه, و هو أنه نشأ منقوصا من مفاهيم الوحدة الأسرية و الخضوع لتعاليم الكتاب المقدس, و بذلك كان أكثر انصياعا من سابقه لسلطة من يتحكمون بوسائل الإعلام و يديرون توجهاتها و موادها حسبما تمليه مخططات القادة الكبار من أباطرة الشركات و المصارف, التي ظلت تجني أرباحها الاقتصادية انطلاقا مما تزرعه من رؤى و أفكار في عقول النشء. و بهذه السياسة الذكية تم إضعاف الضمير الاجتماعي و وعي المجتمع بمصالحه تدريجيا جيلا بعد جيل, إلى أن فُرض عليه الخضوع التام لسلطة وسائل الإعلام و مؤسساته, إذ أنها وصلت مصالح تلك النخب بالفكر الجمعي للناس و صورتها على أنها مصالحه هو, بحيث جعله ذلك يُسلم نفسه من دون إرادة إلى النخبة. و هكذا تحققت الأهداف الداخلية للزمر الأمريكية المسيطرة, فأوجدت مجتمعا و شبابا تقوم حياته على الاستهلاك و الترفيه بشكل أساسي, و هو الأمر الذي عمل مع العقود على تقليص تفكير و ثقافة الأمريكيين العامة و نظرتهم نحو الحياة, و حصرها في أضيق نطاق ممكن. فبرامج الغناء و الرقص و البرامج التفاعلية و الستار أكادمي أو البرامج التي على شاكلتها, و تلفزيون الواقع الذي يصور حياة المشاهير ونجوم التمثيل و الأزياء و الغناء الفارغة, القائمة على الترف و الاستهلاك و النرجسية ( المُطعَّمة بشيء من الأعمال الخيرية لإرباك العقول )..., كل هذه الملهاة الكبيرة التي انتشرت بشكل غير عادي و أحكمت قبضتها على وعي و لاوعي الشباب, جعلت من عقول جيل كامل من المراهقين و المراهقات ذات تفكير سطحي ساذج للغاية, فقد انتزعت منها البصيرة قصرا و بكل سلاسة و مرونة. و لا عجب إن أكدت الاستطلاعات ذات يوم أن الأمريكان هم من أكثر الشعوب سذاجة في التفكير و بعدا عن السياسة و جهلا بجغرافيا العالم و مشاكله السياسية الحقيقية.

و في هذا السياق بالذات, عملت وسائل الإعلام على خدمة أهداف النخبة الخارجية, المتمثلة في ضمان و حماية المصالح الحيوية للشركات الأمريكية الكبرى, و بالأخص إمبراطوريات النفط و السلاح, و قد كان ذلك من خلال مستويين:

المستوى الأول كان العمل على صياغة و توجيه أفكار و مشاعر الشاب الأمريكي – و المواطن الأمريكي بشكل عام – نحو صورة بلده في ذهنه و علاقته مع العالم الخارجي, فالأمثلة هنا لا تعد و لا تحصى عن تلك الأفلام الضخمة التي ظلت هوليوود تقصف بها عقل المشاهد الأمريكي, عن أسطورة الولايات المتحدة, الدولة الخيرة التي تحارب شرور العالم و أشراره من أجل نشر الحرية و الأخوة و المساواة, و هي في ذلك تذكرنا تماما بالدعاية الرومانية القديمة عن روما الخيرة المتحضرة و الشعوب البربرية المتوحشة التي كانت تعيش على تخومها... فالفكرة الأساسية التي قامت عليها الدعاية الهوليودية على مدار عقود, هي إقناع المواطن في أمريكا بأن كل حرب تخوضها بلاده ضد دول و شعوب أخرى هي حرب من أجل أهداف خيرة بالضرورة, بل إنه إن تطوع في صفوف الجيش الأمريكي فسيكون بطلا في نظر عائلته و صديقته و العالم بأسره, فإن مات و قتل في الحرب فسيكون ذلك من أجل بلده, فهو يحارب من أجل قضايا عادلة لا تزيغ عن الحق.

إن الأمر الذي يدعو للملاحظة هنا, هو أنه و على مدار كل هذه العقود و منذ انتهاء الحرب الكونية الثانية, لم تسترح أمريكا و لم تعش في سلام, لأنه و مع كل عقد من الزمن كان لا بد من ظهور عدو لدود و خطير " فجأة " في كل مرة, ليعكر صفو استقرارها و استقرار العالم. فبعد ألمانيا و اليابان, جاءت روسيا و فيتنام و كوريا الشمالية, ثم جاءت ليبيا و العراق و إيران, ليتحول الأمر في العقد الأخير إلى حركات و منظمات هلامية عابرة للحدود و القارات, لكنها تتخذ من العالم العربي و الإسلامي مركزا كبيرا لتحركاتها ؟. و طبعا لكل ذلك نصيب لخيال هوليوود و شره الصحافة الأمريكية, حيث تصبح الأولوية هنا هي خلق فكرة نمطية ثابتة نسبيا تجاه هذا العدو و البلدان القادم منها, لتتحول إلى بارانويا وسط المجتمع تجاه القضايا و الأحداث الدولية المرتبطة مع هذا العدو و مع هذه البلدان, و التي تفرض فكرا أحاديا على عقل الشاب الأمريكي, يُحتِّم عليه تصديق القصص الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية و البنتاغون, فيندفع إما لأسباب اقتصادية و نفعية, و إما لأسباب دينية و لاهوتية, و إما لأسباب وطنية وعاطفية, للالتحاق بمشاة البحرية للدفاع عن عائلته و عما يوصف بمصالح الوطن. فينتهي به المطاف يحرص البؤر و الآبار النفطية حول العالم, و يستهلك الأسلحة و الذخائر التي تصنعها شركات السلاح في أجساد و ديار العدو..., الأسطول الأمريكي السادس مثلا, ليس بأسطول الشعب الأمريكي بقدر ما هو " أسطول رجال المال و الأعمال الأمريكان و بامتياز ".

أما المستوى الثاني الخاص بعمل وسائل الدعاية و الإعلام الأمريكية في خدمة مصالح النخبة خارجيا, فيتمثل في ذلك المنحى الذي تبلور بشكل قوي بعد انهيار الكتلة الشرقية و هيمنة الولايات المتحدة اقتصاديا و عسكريا على العالم, حيث كان التركيز و لا يزال على تصدير نفس المفاهيم التي شربت للشباب الأمريكي طوال عقود, لكن هذه المرة نحو كل شباب العالم, و بالأخص شباب الدول الموضوعة في أجندات الإستراتيجيين و الساسة و الشركات الامبريالية, و على رأسها دول الشرق الأوسط. فهذه الآلة تعمل منذ قيام القطب الواحد و ظهور الفضائيات و الإنترنت على غزو عقول الشباب, و هي تعمل بنفس المبدأ الذي استخدم في أمريكا ( التطويع المُبطّن التدريجي ). سوى أن فعالية هذه الإستراتيجية تضاعفت مما كانت عليه, و ذلك راجع لعدة عوامل. منها تطور أساليب و تقنيات التأثير المستمدة من المعارف التراكمية الهائلة التي كدستها تجارب وسائل الإعلام و موادها المستخدمة, في صياغة الفكر و التعامل مع الجماهير منذ القرن الماضي, و منها التطور التقني الكبير الذي سمح بالتعدد و الثراء في الوسائط الإعلامية و الدعائية المؤثرة في الشباب, و منها عوامل متعلقة بتلك الأقطار نفسها, كمخلفات الاستعمار التقليدي, الأوضاع الاقتصادية و التعليمية المتدنية, ضعف الوعي الوطني و إشكاليات الهوية داخل المجتمع, و عدم كفاءة الأنظمة السياسية في مواجهة تلك القوة الناعمة الآتية من وراء المحيط الأطلسي.

إن أخطر ما في هذا الغزو هو أنه يعتمد على تسريب المفاهيم – إلى جانب مفاهيم التحرر المغلوطة – التي تتلاءم مع السياسات الخارجية لواشنطن و حلفائها في منطقة الشرق الأوسط. فإن كان الشاب الأمريكي يُربى من أجل أن يكون مستهلكا داخليا يركض وراء حياة الترفيه و الجنس و الأكل, تاركا السياسة و الحكم لأصحابهما, ثم يتحول إلى جندي محارب عنيف أثناء خدمته العسكرية, يحمي مصالح الشركات الامبريالية في الخارج دون أن يحاول فهم حقيقة ما يجري. فإن هذه القوة الناعمة تركز جهودها على تحويل الشاب العربي أو المسلم إلى مستهلك للسلع الأمريكية يعيش وفق نمط العيش الغربي القائم على الفردانية و المادية و البحث عن اللذة. لكنه لا يتحول إلى جندي مقاتل من أجل مصالحه الوطنية أو القومية, بقدر ما تركز جهود قوى الدعاية على تحويله إلى رجل مخملي و خروف وديع, لا يكترث كثيرا لما يحدث في منطقته التي تتطاحن القوى العظمى من أجل ثرواتها, بينما يستغرق هو في الأحلام الوردية الشهية التي تغرقه فيها الأغاني المصورة التي تفيض بها بعض الفضائيات العربية, والتي قامت الآن مقام الفضائيات الغربية في تنفيذ هذه البرامج و المخططات ؟. فقد صارت تشكل امتدادا لتلك البضائع العالمية من مواد الإعلام المقتحمة للبيوت من دون استئذان, و التي سلبت الأطفال و المراهقين من آبائهم و أسرهم لتبدأ في تجهيزهم و تعويدهم ليكونوا في المستقبل مجرد قطيع من الغنم, يستهلك كل ما يلقى إليه في الزريبة دون لحظة تفكير أو تساؤل. و الهدف الأكبر من كل هذه البرامج هو تربية شعوب عربية و إسلامية مخدرة و مهزومة, ليسهل على القوى العظمى هضم الثروات الهائلة التي يكتنزها الشرق الأوسط لصالح الحسابات المصرفية لزمر صغيرة جد نافذة, و هو الأمر كذلك مع بقية شعوب العالم الثالث بصفة عامة, ففي المُحصلة هذا هو المُبتغى الحقيقي من العولمة.

و وصولا إلى هذا الحد, فقد ظل نوع من الجدل دائرا في المجتمع الأمريكي منذ سنوات, حول سطوة وسائل الإعلام و الدعاية على عقل المواطن الأمريكي البسيط, و كثيرا ما يقترب هذا الجدال ليلمس الجانب الأخلاقي لكل هذه الجعجعة الكبيرة التي تحدثها هذه الطاحونة الهائلة, التي تلتهم العقول و الأفكار و تمتصها إلى داخلها كالثقب الأسود, لتسوي منها طحينا ممزوجا بلون و مذاق واحد, بحسب رؤية من يتحكمون في الأمور في الظل. و السؤال كان دوما: هل تربية شبابنا ( الشباب الأمريكي ) و برمجته ليكون فم و معدة الاقتصاد داخليا, و يكون الذراع الفولاذية الحامية لمصالح أمريكا خارجيا هو أمر سيء إلى هذه الدرجة ؟.

إن المؤكد هنا هو أن هذه الأجيال المتتالية من الأمريكيين, اعتقدت لوقت طويل أنها خدمت و ضحت من أجل مصالح و استمرار الولايات المتحدة – رغم أن ذلك صحيح إذا نظرنا إليه من زاوية المواطن الأمريكي العادي – لكن لم يكن يهم كثيرا إن كانت مؤسسات الإعلام الأمريكية من أكثر قوى الإعلام و الدعاية انحيازا و أنانية و إرباكا للعقول في العالم, لأنها في نهاية المطاف في قبضة جماعات قامت برامجها على بعض النظريات الخاصة بالسُّلطة و الحكم, و التي وضعها أناس هم في النهاية مجرد بشر, و هنا مكمن الأهمية, فصعود القوى العظمى و انهيارها اعتمد دوما على صحة أو قصور و غباء تلك النظريات التي قامت عليها تلك القوى, و السؤال الأصح هو: إلى متى ستظل هذه النظريات الامبريالية صالحة و ناجحة ؟. و الأجوبة لا تزال تتضح لنا عاما بعد عام, بعد الفشل السياسي و الأخلاقي الكبير في العراق و أفغانستان, و زيادة نسب الكراهية في العالم تجاه أمريكا و تضاعف الأخطار على مصالحها, و انتشار وسائل و تقنيات التعبير الحر و المعارضة ذات الجودة و التأثير عبر الانترنت, التي أضحت تفضح أي نوع من الجرائم و الأسرار.. و تضاعف معارضة السياسات الأمريكية و حروبها حتى من طرف الشعوب و الحكومات التي كانت في وقت ما مقربة منها, و انتشار الوعي المتزايد داخل المجتمع الأمريكي حول حقائق تلك الدوائر الضيقة التي ظلت تستثمر في خوف الأمريكيين لأهداف انتخابية و سياسية و خارجية, و سخرت جيوش أمريكا الممولة من ضرائب المواطن الأمريكي البسيط الذي لا يزال عاجزا حتى عن تأمين نفسه صحيا, من أجل تحقيق مصالح لا تمد بصلة لمصلحة الأمريكيين على المدى المتوسط و البعيد.

 إن مؤسسات الإعلام و الدعاية التي تعمل لضرب وحدة النواة الأسرية و تروج أساليب العيش الخاطئة, و تشجع الانحلال الخلقي و الحياة المادية و تهمش الجانب الروحي و تحط من القدرات العقلية للناس, و تنشر الارتياب و الشكوك و الاعتقادات الخاطئة وسطهم, صانعة لهم الأعداء باسم الحرية, لتجعل من الفرد هائما بلا مبدأ و لا هدف, كي يسهل الاستيلاء على ذاته و إرادته و توجيه أفكاره, و جعله مجرد رقم في مصفوفة النظام, يتم استعباده و جلده باسم الحرية و الديمقراطية, هي دعاية و إعلام لا يعمل للصالح العام أو الصالح الوطني مطلقا.

-------------------------------

فنور علاَّوه - قسم علم النفس, جامعة البليدة.                             الجزائر في 10-08-2010.    

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Solo 01/05/2012 16:03


بصراحة مدونة رائعة ومواضيع عميقة مهمة ثرية حتماً سأبقى هنا لفترة طويلة

Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ 22/05/2012 15:01


شكرا أخي الكريم على المجاملة هي محاولات متواضعة لإعطاء آرائنا في المواضيع التي تهمنا و إثارة انتباه المجتمع الجزائري إليها بشكل عام


Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens