Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
7 juin 2011 2 07 /06 /juin /2011 23:22

 376408_337083356367359_227704830_n-2-.jpg

مذبحة على ضفاف البحيرة

طنين الذباب.... إنه مزعج, لا يتوقف, و لا يريد الذهاب بعيدا... الذباب في كل مكان, بعضه يقترب بحركته السريعة الملتوية و يحط فجأة على وجهه فيتوقف صوت أجنحته المزعج. أما حين يُصبح الأمر أكثر إزعاجا فهو لا يستطيع حتى أن يرفع يده ليبعده عن أنفه رغم الحكة التي تثيرها أقدام الذباب على بشرته السمراء الداكنة, لكنه لا يستطيع تحريك شيء من جسده من شدة الإرهاق, حتى أنه لا يكاد يشعر بأطرافه.

بين الحلم و اليقظة تتضارب تلك الأصوات الكثيرة داخل رأسه, أصوات حركة و أحاديث يتخللها أنين و بكاء, هل هذا حلم أم حقيقية ؟. لكن فجأة تأتي صرخة امرأة مدوية يتضاعف صداها داخل رأسه فيستيقظ أخيرا و هو يفتح عينيه ببطء شديد... لقد كان شبه نائم و هو الآن شبه مستيقظ, هذا الذباب اللعين الذي يسير على وجهه لا يريد الابتعاد..., يبدو الأمر منطقيا لأن هذا المراهق شِبه ميت.

يحرك رأسه ببطء و هو يتفحص هذا المكان الذي لا يعلم كيف وصل إليه, إنه مكان يبدو فسيحا بعض الشيء, تصطف الأسرة على جانبيه و هي تحوي جثثا حية لأطفال و نساء و شيوخ, يحوم الذباب حول ملابسهم الرثة الممزقة و ضماداتهم التي تظهر عليها بقع ذات حمرة خافتة من الدم. الكل يبدو مرهقا و شبه مدرك لما يحدث من حوله, و البعض ممن كانوا في كامل وعيهم يبدو عليهم الفزع و الحزن.

هناك مزيج من الروائح الكريهة التي لا تزال تداعب أنفه ماضية مع تيار الهواء الرطب الذي يدخل من النوافذ و يخرج من الباب أو العكس, مزيج من روائح الكحول و المطهرات و روائح المقابر, روائح النتن المنبعثة من الجراح المتقرحة و الأذرع أو السيقان المبتورة... و الذباب, الذباب في كل زاوية, إنه سيد المكان.

فجأة تتفطن إحدى الراهبات البيض إليه, فتتقدم نحوه و هي تنحني مبتسمة بحنو, تمرر كفها على جبينه المليء بقطرات العرق الباردة, كانت تتحدث إليه بلغة غريبة لم يسمعها من قبل. اكتفى بالنظر إلى صليبها المعلق في قلادتها للحظة ثم رفع ناظريه إلى عينيها الزرقوين, تلك الزرقة الفاتحة ذكرته لهنيهة بمياه بحيرة فيكتوريا العظيمة فشعر ببعض الاطمئنان, ثم أخذ يحاول استجماع أنفاسه الكريهة لعله يستطيع إخبارها بأنه ظمآن و يريد بعض الماء, لكن هناك شيء ما كان يؤلمه في ظهره بشدة كلما أخذ نفسا عميقا, فغابت البسمة من على محيى الفتاة الراهبة, و اكتسى وجهها إيماءات الترقب, فقد كانت تنتظر منه أن ينطق بشيء, و بعد جهد معتبر استطاع أخيرا إخبارها عما كان يريد في كلمة واحدة " ماء ", لكنها أومأت برأسها غير فاهمة لما كان يقول, فاستدعت إحدى الممرضات المحليات و سألتها عن معنى تلك الكلمة, حينئذ أحضرت كوب ماء وضعت فيه حبة دواء بيضاء ذابت بسرعة, و بمساعدة الممرضة استطاع بالكاد الاعتدال بسبب الألم الذي كان يقتلع جدعه, لكنه شرب قليلا, حينئذ فقط و مع انسياب الماء ذي المذاق الغريب عبر جوفه الجاف بدأ يشعر بوعيه و هو يعود كاملا, فكان أن تفحص بعينيه جسده النحيف الممدد على السرير, و رأى حالة ساقيه المتدهورة, فقد تحولتا إلى جلد على عظم, ثم التفت إلى ذراعه بعد أن شعر بشيء ما يلفها ملتصقا بها, فرأى ذلك الأنبوب الطويل الموصول بكيس فيه سائل شفاف, و قد كان ذلك السائل يقطر عبر الأنبوب الموصول بذراعه عن طريق إبرة, و هذه الضمادة الكبيرة التي تلف جدعه و بطنه ما قصتها ؟, بل و ما قصة كل هؤلاء القوم هنا ؟. إنه فعلا لا يتذكر ما حصل بالضبط, فانتابته رغبة في البكاء بعد أن عاد إليه ذعره و لم يلمح أي شخص يعرفه أو قريب يطمئن لرؤيته, لكن قواه خائرة تماما فهو بالكاد يستطيع الحديث, لذلك آثر العودة إلى النوم قليلا بعد أن شعر بدوار و غثيان رغم أن معدته خاوية, فساعدته الراهبة على الاستلقاء. لا بأس, بما أن هذه المرأة الأجنبية اللطيفة بالقرب منه فلا بأس, ليس هناك شيء يدعو إلى الجزع, على الأقل في الوقت الراهن.

مرت الساعات طويلة جدا, بين النوم و اليقظة كان جسده يهتز بين الفينة و الأخرى عندما يُخيل إليه أنه سمع صوت طلقة نارية أو انفجار, لكن ذلك لم يكن يحدث إلا في ذهنه المتعب و المصدوم, فيعود إلى وعيه قليلا و هو يسمع صوت الذباب الذي يحوم حول وجهه مرة أخرى, ليس هناك من ينشه عنه فالكل منشغل بالعناية بمن حالهم أسوأ... أجل هناك من حاله أسوأ, و ذلك الألم في ظهره لا يزال يحرمه من الغوص في نوم عميق, و تعبه الشديد لا يزال يحرمه من الاستيقاظ و النهوض و الحديث... هل هناك أسوأ من هذه الحال ؟.

جاء المساء. كان الفتى قد نال قسطا من الراحة بعد أن حقنه أحد الأطباء بشيء خدر آلام ظهره لبضع سويعات, و عندما استيقظ بعد العصر كان يستطيع النطق, و قد بدأ يفهم و يسترجع ما حدث, كل هذه الفوضى سببها تطور الحرب الأهلية في البلد بعد مقتل الرئيس فيها قبل أسابيع, و انسحاب قوات حفظ السلام منها تاركة الأمور تأول إلى الأسوأ, لقد تطورت إلى شيء آخر..., ما هو ؟, إنه يبحث عن تسمية لهذا الشيء, لكن هناك كلمة واحدة سقطت في رأسه تلك اللحظة استلهمها من الكتاب المقدس " أبوكاليبس ؟ "... ظن حقا أنها نهاية العالم, و إلا ما معنى كل هذه الفوضى و هذا الرعب و هذه الجثث و الدماء و كل هؤلاء الأطباء و كل هؤلاء القساوسة و الراهبات, الكل يحمل الصلبان و الأناجيل ؟... لِم هرب الجنود الأجانب ؟, أليس لأن هناك شيئا ما يقع في كل مكان فعادوا إلى ديارهم للدفاع عنها...؟؟؟, فهو يعرف الحرب جيدا, و هي ليست هذه.... هذه أسوأ بكثير من الحرب. لقد تذكر أحاديث ذلك الراهب الألماني الذي تنصر على يديه منذ الصغر, تذكر أحاديثه عن القيامة و كيف سيبيد البشر بعضهم بعضا بسبب الثروات و الموارد, و أن الوحش الدجال قد يخرج من بحيرة فيكتوريا... ظن الفتى أن ما حدث له كان يحدث في كل مكان, ثم أدمعت عينه فجأة بعد أن تذكر أفراد أسرته مرة أخرى, أين هم و ما الذي حل بهم ؟.. ما الذي حدث بالضبط و كيف وصل إلى هذا المكان ؟.

"... كيف حالك يا صديقي, هل ارتحت قليلا ؟ " قال أحد الأطباء و هو يحمل في يده دفتر و قلم, فنظر إليه الفتى لحظة ثم نطق بصوت خافت بعض الشيء: " أين أنا و ما الذي حدث ؟ ". اختفت البسمة المصطنعة من على وجه الطبيب, ثم تقدم و جلس على يمينه قائلا بصوت حذر مترقب:" أنت الآن في مكان آمن, لكن, ألا تذكر ما حدث ؟, لقد جاءوا بك جريحا قبل بضعة أيام. "

... هذا ما يفسر سر ذلك الجرح الذي يحرق و يؤلم, لقد فهم أنه تلقى طلقا ناريا في الظهر, حينئذ فقط بدأ سيل الذاكرة بالتحرك, حتى أنه بدأ يسمع صراخ النساء و بكاء الأطفال, و أصوات الأقدام الحافية و النعال التي تضرب التراب بقوة في جنح الظلام و هي تركض هاربة من مقاتلي الميليشيات, و  قد سمع أيضا صوت الطلقة و هي تخرج من فوهة البندقية الآلية و صوت اختراقها لظهره في أقل من ثانية, و صوت ارتطامه و سقوطه و تدحرجه من على ذلك المنحدر فوق و بين الحشائش و الأحراش, هو لا يتذكر غير الأصوات دون صورها, فقد حدث كل شيء بسرعة في ظلام دامس في مكان ما من الأدغال الاستوائية التي فروا للاحتماء بها, بعد أن سمعوا بأن الحدود التي كانوا يقصدونها قد أغلقت, و أن الميليشيات انتشرت عبر كامل الطرقات تبحث عن الأهالي الفارين لتبيدهم, و أنها لا تفرق بين أحد و تقتل كل حي يتحرك أمامها... حين إذ تغيرت ملامح وجهه و انطلق يبكي بصعوبة بسبب ألم الإصابة, لقد ركبه الفزع مرة أخرى بعد أن عاودته تلك المشاعر الرهيبة التي عاشها, بل حتى إن أطرافه بدأت ترتعش و هو يسترجع المزيد و المزيد, لقد بدأ يتذكر كل ما حدث, و بين أنفاس بكائه التي كانت تدخل و تخرج بصعوبة, كان يحاول قول شيء ما للطبيب الذي كان يواسيه و قد اغرورقت عيناه بالدموع "... لماذا, لماذا حدث هذا ؟ ", خرجت من فم الفتى و هو ينظر في عيني الطبيب بحيرة بريئة امتزجت مع شهيقه و زفيره المضطرب, ليرد عليه الطبيب:" الله يعلم الحقيقة, لست وحدك في هذا, فأنا فقدت الكثير من أقاربي في الأسبوع الأخير دون أن أفهم حقيقة ما يحدث, لكن كما ترى أنا متماسك و صابر, المهم أنك حي ترزق يا بني, لا عليك, سيتحسن كل شيء عما قريب, تحلى بالإيمان و الشجاعة ".

انصرف الطبيب و هو يمسح دموعه, كان يفكر في هذه الحيرة العظيمة التي غرق فيها الجميع, فالأنباء متضاربة حول حقيقة ما يحدث, انقلاب عسكري, حرب أهلية, هجوم أجنبي... المؤكد أن عدد الضحايا خيالي و رهيب تقشعر له الأبدان, و الأكثر إثارة للعجب و الجزع هو أنه لا أحد قد تدخل لوقف ما يحدث حتى الآن, فالقوى و الهيئات الدولية غائبة تماما... أو أنها تدخلت فعلا لكن الأخبار شحيحة عنها ؟.

الفارون من الجحيم يروون قصصا و حكايات رهيبة, تصفيات جسدية بالجملة, عشرات الآلاف من الناس و من مختلف الأعمار و الفئات تم قتلهم رميا بالرصاص أو ذبحوا في بضعة أسابيع, خاصة الشباب و الشابات ؟.

الشيء الوحيد الذي يبقي على الأمل هو التفكير بأن الإشاعة تصبح مغرضة أكثر عبر انتقالها من لسان إلى لسان, لذلك لا يجب تصديق ما يقوله كل هؤلاء القوم فهم تحت أثر الصدمة, إنهم يقولون أي شيء ليكسبوا التعاطف و الدعم لعلهم يشعرون ببعض الاطمئنان..., من المستحيل أن يقع شيء بهذا الحجم في أواخر القرن العشرين و دون تدخل المجتمع الدولي لوقفه, هذا ما فكر فيه الطبيب مع نفسه للحظة و هو يهم بإشعال آخر سيجارة مراقبا الوافدين الجدد و هم يصلون إلى المخيم, مع آثار الإرهاق و الفزع و الجوع و الشعور بالضياع التي كانت تعبر عنها وجوههم و حركاتهم, لكنه لم يدرك أنه فكر في ذلك ليُخفف من صدمته هو, فما حصل حقيقي نظرا إلى الأعداد الهائلة من الفارين التي لا تزال تتوافد على المخيم, و تواتر القصص التي تكاد تكون جميعها متطابقة رغم أن رواتها من مناطق و أقاليم مختلفة, كل المؤشرات تدل على أن مذبحة عظيمة وقعت و لا تزال مستمرة في هذه الأثناء.

التفت الطبيب إلى المراهق فرآه شارد الذهن بعد أن كف عن البكاء, في الوقت الذي كان فيه نشطاء حقوقيون يطوفون بين الجرحى ليأخذوا أقوالهم و شهاداتهم عما حدث. فكلما تحدثوا إلى أحد مِمَّن هم في كامل وعيهم إلا يجهش بالبكاء أو يلتزم السكوت و كأنه ليس حاضرا بذهنه, فيستمر فقط في التحديق فيهم بهدوء و برود, أو ينطلق في الحديث و قص التفاصيل التي عاشها من دون إيماءات تعكس أو تعبِّر أو تتطابق مع مضمون ما حدث له, لكنها تظهر على وجوه ألائك الشباب الأوروبيين و هم لا يكادون يصدقون شيئا مما يسمعون. كان بعضهم يهرع إلى خرائط المنطقة لتحديد الأماكن التي كان يحكي عنها الناجون, الذين يتحدثون عن مقابر جماعية لأطفال و نساء تم العبث بهن و اغتصابهم قبل أن يقتلن و يردمن تحت التراب في حفر كبيرة كالقمامة.

قال أحد الشيوخ و هو يضحك بشكل غريب أثار القشعريرة و الخوف في نفوس النشطاء بعد أن بدأ يفقد عقله من هول ما رأى, بأنه لا داعي للخرائط للوصول إلى المقابر الجماعية, بل يكفي فقط تتبع مصدر روائح الجيف التي تملأ الغابات و الأدغال... " شيء لا يُصدق " قال شاب فرنسي و هو يقاوم غثيانه, فآثر الابتعاد قليلا و الخروج من ذلك المشفى الميداني ليتنفس بعض الهواء. لكنه مر بالمراهق الجريح فنظر إليه للحظة, كان لا يزال شارد الذهن تماما, لكنه كان يتعرق بسبب الألم الذي كان يحاول تناسيه بعد أن سئم منه.

تقدم الناشط نحوه بخطوات بطيئة, ثم أطلق بسمة خفيفة عندما نظر الفتى إليه " مرحبا, أسمي باسكال, ما اسمك أنت ؟ " قال الناشط بلغة الإفريقي المحلية, لكن الفتى لم يرد عليه و ظل يراقبه بنظرات باردة ملأت عينيه الكبيرتين, ثم نطق بصوت خافت ينم عن صراعه مع الألم: " لقد خرج, أليس كذلك ؟ ". نظر إليه الناشط مستفهما فأضاف: " الوحش الدجال, كل هذا مِن صنعه, لقد أخبرني أحدهم أنه سيخرج من البحيرة ذات يوم لينال من الجميع, هل هذه هي القيامة ؟ ".

شعر الشاب الأوروبي بعجز تام عن الكلام, لم يعرف ما يقول, فاغتنم فرصة إشاحة الفتى بوجهه عنه لينسحب و هو متأثر للغاية, فالحقيقة المعبرة لا تخرج إلا من أفواه الأبرياء و قد صدق. ما حدث هو قيامة حقيقية, لكن الناشط فكر بأن الوحش لم يخرج من البحيرة, لكنه يعيش في مكان يُدعى " مانهاتن " منذ زمن طويل, و في الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب البشعة تحصد المزيد من الرؤوس و الأرواح, و مع انتشار الغربان و نسور الجيف في سماء إفريقيا, كان الدجال يجلس في مكتبه الفاخر المريح في " وال ستريت " يراقب تصاعد أسهمه مع تصاعد صوت أنين الفتى الإفريقي.

----------------

* هوامش:

- انطلقت مذابح منطقة البحيرات الكبرى عام 1994 من رواندا و امتدت إلى الكونغو و بوراندي كنتيجة لصراع إثني عنيف بين قبائل الهوتو و التوتسي.

- سجلت أعمال الإبادة الجماعية المنظمة أرقاما قياسية حيث وصلت إلى معدل عشرة آلاف قتيل في اليوم على مدار نحو مائة يوم كامل.

- وسط تعتيم إعلامي و صمت أمريكي و أوروبي غامض, وصل عدد القتلى المدنيين خلال ثلاثة أشهر فقط إلى  نحو مليون شخص. و تبقى الكثير من التساؤلات تحوم حول هذه القضية إلى يومنا هذا, دون أن يُكشف عن          المخططين و الممولين الحقيقيين لهذه المجزرة التاريخية.                                                                    

                                                                   فنور أمير - البليدة, الجزائر في 23-03-2010.

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens