Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
17 juin 2011 5 17 /06 /juin /2011 14:49

saw5-1-.jpg

أفلام العنف و القتل في السينما الأمريكية: وجهة نظر نفسية

في عام 1997 أحدث فيلم " سكريم " ( الصرخة ) لمخرجه الأمريكي "ويس كريفن" زلزالا حقيقيا في سلم إرادات السينما الأمريكية, فقد مثل حينها انطلاقة جديدة و غير متوقعة لأفلام العنف و القتل الموجهة لشريحة المراهقين, و التي تفيض بالإثارة و التشويق و الحركة و الاندفاع, و هي عناصر كافية لجذب انتباه المراهق الباحث عن أي مصدر سواء كان واقعي أو هوامي لتفريغ شحناته الانفعالية الزائدة, و لملا إشباع حاجاته الطبيعية المتمثلة في النزوع إلى حب السيطرة و كسر أشكال السلطة و تجاوز الحدود و الاندفاع نحو المجهول باسم الرغبة في التعبير عن الذات و التميز..., و في خضم تلك الزوبعة صرح أحد المشاركين في صناعة الفيلم بأن كمية الدماء – الدماء الصناعية طبعا – التي تم سفكها في الجزء الأول من الفيلم بلغت الخمسين غالون ؟؟؟.

إن الحديث عن أفلام الجريمة و القتل واسع و متشعب, لذلك لا بد أولا من توضيح بعض النقاط في موضوع الأفلام التي تتناول مواضيعها العنف داخل المجتمع, حتى لا تلتبس الأمور على عقل القارئ, و حتى نتجنب الدخول في الجدليات الفلسفية الخاصة بهذا الموضوع, و التي تقوم عادة على فكرة: من وُجد أولا, البيضة أم الدجاجة ؟. في الإشارة إلى الجدلية التي تقول: هل واقع إنسان العصر الحديث و حياته المعقدة بكل ما فيها من ضغوط و تناقضات, هو ما جعل منه إنسانا يميل إلى العنف و العدوان بطبعه, و من ثم جعل ذلك السينما تعالج واقعه هذا عبر أفلامها ؟. أم أن الأفلام السينمائية التي تتطرق إلى العنف و القتل هي من أسست للسلوكيات العدوانية التي صارت تحكم علاقات البشر و قامت بتدعيمها ؟. و الجواب طبعا لا بد أن يأخذ طابع الوسطية... الأمران معا يؤثران و يتأثران ببعضهما. لكن النقطة التي يجب التركيز عليها هي قضية تصنيف الأفلام التي تتناول العنف و القتل, لأنها في الحقيقة تختلف عن بعضها البعض.

فهناك أفلام قامت بعلاج الظواهر الإجرامية و النماذج السلوكية المنحرفة التي تحكم و تسير البشر, أو تحكم طبقات أو جماعات معينة من البشر, من منطلق واقعي يمكننا جميعا إدراك وجوده في مجتمعاتنا أو مجتمعات نعرفها بدرجات متفاوتة, و من بعض تلك الأفلام, مثلا, ثلاثية العراب للمخرج "فرانسيس فورد كوبولا", و فيلم كازينو للمخرج "مارتن سكورسيز". فهي تعالج ظواهر العنف و العدوان و الإجرام بنظرة سوسيولوجية واقعية محضة, و هي موجهة للبالغين من الجمهور بشكل عام.

هناك نوع ثاني من الأفلام التي يحضر فيها العنف و القتل, لكنها تأخذ في العادة طابع الخرافة و الخيال, كأفلام مصاصي الدماء, التي تجتذب إليها شرائح واسعة من الشباب و المراهقين مقارنة مع النوع الأول المذكور أعلاه. رغم ذلك فإن التفاعل العقلي و العاطفي معها يتوقف دائما عند حدود الواقع, فالمُشاهد حتى و إن أعجبته القصة أو تركت أثرا في نفسه فهو يخرج دوما من حالة التواصل و التركيز بعد نهاية الفيلم و هو يدرك بأن تلك القصة مجرد خيال, لأنه في الواقع لا وجود لمصاصي الدماء. رغم أنه تجدر الإشارة هنا إلى أن تأثير تلك الأفلام – التي تركز على الغرائزية بشكل أساسي – قد يكون له وقع سيكولوجي عنيف على أفكار و مشاعر بعض الشرائح من المراهقين, الذين لهم توظيف نفسي ذو طابع فصامي نموذجي, أي أنهم من النوع الذي يتسم بشخصية قابلة للإصابة بالفصام ( انفصام الشخصية ) في حالة تفككها على إثر صدمة عنيفة. خاصة إذا ما أدمنوا على تلك الأفلام, فقد يدفع بهم ذلك إلى التصديق بتلك القصص و الانفصال عن الواقع, و ما يترتب عنه ذلك من الرغبة أو الميل إلى إيذاء الآخرين بسبب الأفكار الغريبة التي قد تسيطر عليهم...

أما النوع الثالث من أفلام العنف – و هو الذي خصص له هذا المقال – هو ذاك النوع من الأفلام " الدعائية " الموجهة خصيصا إلى شريحة المراهقين, و التي تتعرض مواضيعها في العادة إلى قضايا ما يُعرف بالجرائم المتسلسلة, التي يقوم بها أفراد من ذوي الشخصيات المضطربة أو المضادة للمجتمع.

ربما يصعب علينا في البداية فهم ذلك النجاح و الانتشار الغريب الذي صنعته أفلام السفاحين لدى شرائح واسعة من المراهقين بشكل عام, و المراهقين الأمريكيين بشكل خاص. لكن الأمور حتما ستصبح واضحة إذا ما بينا مفاهيم العنف و السلوك العدواني و خلفياتها من وجهة نظر علم النفس الحديث من جهة, و محاولة إسقاطها على تلك الأفلام من ناحية نقدية, بأخذ فيلم الصرخة كنموذج لنفهم حقيقة النجاح و التأثير الذي صنعه, ثم نصل إلى بعض الملاحظات و الاستنتاجات و التحليلات في خاتمة هذا المقال.

إن ظاهرة السلوكيات العدوانية ليست حديثة العهد, فهي ظاهرة ظلت و ستظل ملازمة لحياة المجتمعات مهما اختلفت من حيث تركيبها و نوع النماذج, أو المنظومات العلائقية التي تحكم و تسير و تنظم حياة أفرادها و جماعاتها. و يُعرَّف السلوك العدواني في علم النفس عموما بأنه ذلك السلوك و الرغبة المشكلة من دوافع الغضب أو الحقد أو السيطرة, الموجهة لإيذاء الآخر أو إخضاعه و إذلاله أو القضاء عليه و تدميره. كما قد يأخذ السلوك العدواني منحى ضد الذات نفسها. في الحالتين معا يذهب علماء النفس عموما إلى تفسير البنية التحتية التي يقوم عليها السلوك العدواني, بأنها مشكلة من مشاعر الاستياء و الإحباط و اليأس و الخوف من الفشل و مشاعر النقص, و هي مشاعر تتوافق عموما مع الحالة النفسية التي يعيشها المراهق في العادة, و هذا ما يجيب عن جزء من السؤال. فهناك مجموعة من النزعات الداخلية الناتجة عن الإحباط و القلق التي تميز حياة المراهق, و بخاصة المراهق في الغرب, و التي تبحث عن سبل معينة للتجسد و التعبير عن نفسها. و لهذا تأتي أفلام العنف و القتل لتشكل محفزا مناسب لحركة تلك النزعات داخل النفس من خلال التفاعل مع ما تطرحه تلك الأعمال التي تصور السلوك العدواني في أقصى و أعنف حالات تجسده. و السبب الرئيس في ذلك هو الفراغ الذي يخلفه غياب القيم الأخلاقية التي كانت في الماضي تقترح طرقا معينة من التفكير و السلوك, للتعامل مع نزعات النفس السلبية و المشاكل التي تنجر عنها. لذلك صارت أفلام الرعب و القتل هي البديل " غير المعلن " الذي ينادي سيكولوجية المراهقين بصوت خافت ليواسيهم في قلقهم الدفين و اضطرابهم المنجر عن البحث عن معنى للذات و الحياة. إن لم نقل أنه يوحي إلى بعضهم بالحلول التي ينفسون من خلالها عن كبتهم و إشباع رغباتهم المنحرفة أصلا بسبب أساليب التنشئة و العيش الخاطئة..., و هكذا تصبح ظاهرة نجاح هذا النوع من الأفلام و تأثيرها وسط شريحة المراهقين واضحة و مفهومة.

لنأخذ فيلم الصرخة كمثال: إنه فيلم يحكي قصة مراهقة مطاردة من قبل قاتل مهوس بسبب قضايا عائلية و شخصية عالقة, و كي يحول حياتها إلى جحيم لا يطاق, فإن هذا الشخص المريض و الحاقد يبدأ في سلسلة من الجرائم التي تستهدف المحيطين و المقربين من الفتاة, إذ تأخذ جرائم القتل المروعة منحنى تصاعدي, يزداد عنفا و همجية كلما اقترب السفاح من ضحيته الرئيسية.

يمكن أن نميز العديد من العناصر الدرامية في الفيلم التي تحمل دلالات و رسائل سيكولوجية محضة, مثلا: يظل القاتل مجهول الهوية طيلة أحداث القصة رغم التركيز على أنه أحد معارف الشابة من خلال الحبكة, و كل ما يطلع عليه المشاهد هو شخص يرتدي سترة سوداء و يضع قناعا يوحي كثيرا إلى ملاك الموت, يحمل في يده سكين ذبح كبيره. و قد لا يعلم أكثر الناس السر النفسي الصغير عن " القناع ", فالكثير منا يظن أن القتلة و اللصوص يضعون الأقنعة في العادة ليبقوا هوياتهم مجهولة...., إلا أن الأمر الآخر الذي تجهله الأغلبية هو أن بعض البحوث النفسية اكتشفت أن الأقنعة تعمل على إضعاف الرقابة الذاتية على السلوك, أو بعبارات أكثر وضوحا فالفرد في حالة إخفاء وجهه خلف القناع يجد نفسه مستعد للقيام بأعمال تحمل قيمة سلبية سواء داخل نفسه هو أو داخل الجماعة أو المجتمع الذي ينتمي إليه, قد لا يستطيع القيام بها أو لا يقوم بها بالشكل المرجو إن كانت ملامح وجهه مكشوفة لدى الآخرين, بسبب القيم التي بُرمج عليها العقل الباطن منذ الصغر, و التي تؤثر على السلوك آليا. ناهيكم عن الموضوع الذي يُعبر عنه القناع ذاته, فتراجع الرقابة الذاتية تقابله عملية إدماج شكل أو موضوع أو رسالة القناع في الشخصية, و في الأفلام تصبح شخصية و سلوك القاتل واضحة تماما وضوح معالم و موضوع القناع نفسه ( ملك الموت, شبح, ذئب, مصاص دماء, زامبي, خنزير... ).

الشيء الآخر المثير في شخصية القاتل, هو الأداة التي ظل يستعين بها في ارتكاب جرائمه, و المتمثلة في السكين الكبير, ففكرة اختيارها أكد على الذكاء " السيكولوجي " لصناع الفيلم, إذ أنه كان بالمقدور اختيار أداة قتل أخرى أكثر تطورا من السكين و طريقة أكثر رأفة و سرعة من الطعن و الذبح. فالأمر هنا لا يتعلق بالسادية الكبيرة التي ميزت القاتل و تلذذه الكبير بإلحاق الأذى بالآخرين, بقدر ما يتعلق أيضا بالرجوع و النبش في أعماق نفس المشاهد لاستثارة أكثر نزعاته و غرائزه بدائية و وحشية, و التي تعبر عنها أداة القتل و الطريقة التي يتم بها ذلك, بشكل يذكرنا بتلك الوحشية الفطرية التي كان يصطاد بها إنسان ما قبل التاريخ, و غريزة القتل التي تحرك وحوش الغاب للانقضاض على فرائسها..., إنها صورة مماثلة لما يحدث في الأدغال حيث لا قانون و لا رقابة, أين يجد القوي المتمكن نفسه حرا في فعل ما يريد باسم القوة التي تمنحه الحق في فعل ذلك. و في حالة الفيلم و في هذا العنصر بالذات, يمكن إذن استخلاص بعض الرسائل التي يبعث بها إلى العقل الباطن.

الأمر الآخر الذي يثير الانتباه و الملاحظة, هو الصورة العامة عن ملامح شخصية القاتل التي يتم استنتاجها انطلاقا من أنماطه السلوكية المحددة, و التي تتمثل عموما في الذكاء الشديد و سِعة الحيلة, لكن الأهم و الأعمق من هذه الملاحظات المبدئية هو كون هذه الشخصية السيكوباتية تبدو في أغلب مراحل القصة مستمتعة تماما بما تقترفه من شر, و من أهم صور ذلك هو تفننها في ابتكار طرق القضاء على الضحايا رغم استخدامها لآلة قتل واحدة, و كأنها تمارس هواية لطيفة, و تلك المتعة مستمدة أساسا من براعة القاتل في التخطيط و التحكم في مجريات الأحداث, و هو أمر يوحي بالتفوق و يوحي أيضا بالرغبة في السيطرة و السادية و احتقار الآخر, و التي تعتبر جميعها من بواعث و محركات السلوك العدواني دائما. فالأمر يتعدى مجرد شخصية ذكية, لأنه و في مقابل ذلك, تظهر شخصيات الضحايا جميعها كقطيع من الحملان المسكينة, التي لا حول و لا قوة لها أمام بطش ذلك الذئب المتعطش لسفك الدماء و الذي لا يموت و لا يستسلم بسهولة. و الأهم من ذلك هو أن الضحايا و طيلة سير الأحداث يستمرون في محاولات الوصول إلى اكتشاف شخصية القاتل باستعمال قدراتهم العقلية في التحليل لكن من دون فائدة, لأن السفاح يبدو أذكى من الجميع, و بشكل ما يكاد يقترن ذكاؤه مع قسوة قلبه و برود عواطفه و كذا جرأته و اندفاعه لتنفيذ ما يعد به. لتصنع كل هذه التركيبة و العناصر السالفة الذكر في النهاية تفرد شخصية السفاح, و في ذلك رسائل و مفاهيم أخرى لعقل المراهق المتابع للفيلم, لأنه و مع الغوص الفكري و العاطفي مع تلك الأحداث, و كلما كانت طاقة المشاعر كبيرة و متلاطمة في النفس, و متفاعلة مع تلك الأحداث المخيفة و الصور النمطية التي حاكها السيناريو عن الشخوص في ذهن المتفرج ( القاتل الجلاد القوي و الضحايا الضعاف ) فإن أهم فكرة تخترق الوعي و تصل إلى أعماق اللاوعي المفتقر للمفاهيم الأخلاقية هي: لا أود أبدا أن أكون مكانهم و أفضل أن أكون مكانه هو... أو: له الحق فيما يفعل لأنه الأفضل و الأقوى...

لقد أثارت الحملة الدعائية لهذا الفيلم ردود أفعال محذرة وسط المجتمع المدني في الولايات المتحدة, و خصوصا من طرف جمعيات أولياء التلاميذ و المدرسين, الذين أعربوا عن قلقهم تجاه الانعكاسات النفسية و العقلية التي سيخلفها ترويج هذا العمل على المراهقين. لكن العمل عُرض وفقا للأجندة التي رسمت له, و قد أحدث المفاجأة فيما يخص إراداته التي فاقت كل التوقعات مقارنة مع ميزانيته المتواضعة, بل و دعم وجود شريحة من المراهقين أضحت تسمي نفسها: " المهوسون بأفلام الرعب ".

لكن الأهم من ذلك هو ما بدأ يحدث بعد أيام و أسابيع قليلة من عرضه, حيث شهدت بعض المدن الأمريكية بعض الأحداث الإجرامية البشعة, ارتكبها شباب قلدوا القاتل في الفيلم, و لم يكن مفاجئا أن يكونوا من المهوسين بأفلام السفاحين. و بطبيعة الحال فإن ذلك لم يكن ليثني منتجي الفيلم عن إنتاج جزء ثان و ثالث للقصة, رغم أن الجدل الذي كان دائرا في الأوساط الاجتماعية و الثقافية الأمريكية حول المغزى الحقيقي من ترويج تلك الأفلام في الشباب, كان قد وصل إلى أروقة مجلس الشيوخ الأمريكي, لكن دون فائدة ؟, فالأمر تحول إلى جشع صريح بالنسبة لمنتجي هوليوود. و بعد سنوات أطلت علينا أفلام أخرى من نفس النوع, أي أعمال تتناول القتل و العنف لأهداف دعائية و تجارية بالنسبة لصناعها, و لعل أشهرها كان سلسلة " سو " ( المنشار ) للمخرج " جيمس وانغ " التي فاقت كل حدود العنف و العدوانية, و قد لاقت نجاحا و شهرة عبر العالم, و طبعا ظلت تروج لمفاهيم القتل العنيف و الانتقام الشديد و القصاص المتوحش و أساليب التعذيب البدني و المعنوي الخالية من الرحمة...., رغم أن بعض المدافعين عن أفلام الرعب قد يقولون بأن المنشار وجِّه لفئة أكبر سنا من الجمهور. لكن الحقيقة هي أنه كان موجها لنفس الجيل الذي هضم الصرخة بمشاعره و أفكاره, فبعملية حسابية بسيطة سنكتشف أن الأعوام التي عُرض فيها فيلم المنشار, كان المراهق الذي شاهد الصرخة قد صار رجلا و بلغ السن " القانونية " التي تخوله مشاهدة ما يريد. (....؟)

أما فيما يخص فحص و تقييم آثار هذه الظاهرة, فقد يعتقد البعض عبثا أن أفلام القتل و الرعب الدعائية, و ما تحمله من مشاهد لسفك الدماء و عبث بالأحشاء و تفنن في طرق القتل و تلذذ بمشاعر السادية, تترك في المراهق آثارها بسبب عدم نضجه فكريا و انفعاليا دون الراشد, إلا أن الحقيقة غير ذلك, لأن الراشد معرض لنفس تلك المخلفات, سوى أن الأمر يختلف من ناحية " ديناميكية " إن صح القول. فالتأثير عند المراهق ينطلق من المشاعر كونها المسيطرة تقريبا على مجريات الحياة النفسية, و منها يصل إلى الفكر فيصوغه بطريقة معينة لينتهي إلى السلوك. أما عند الراشد فالتأثير ينطلق من العقل و الأفكار لينتقل و يبدأ في تغيير المشاعر لينتهي إلى تغيير السلوك. و من جهة ثانية هناك جانب " كمي " متعلق بعدد أفلام القتل التي يشاهدها المرء, فذاك الذي يشاهد هذا النوع من الأعمال الدرامية على مدار العام ليل نهار ليس كذاك الذي يشاهدها من وقت لآخر في سياق مشاهدة الأفلام بشكل عام. كما يتدخل جانب ثالث و هو حالة الإنسان الانفعالية, فقد نلتقي بشخص لم يشاهد فيلم قتل في حياته, و قد يصادف أن يشاهده و هو يمر بأيام من الاضطراب النفسي جراء ضغوط شديدة أو فشل كبير أو صدمة... فيحدث التأثير عليه, بل قد يكون ذلك التأثير أعنف عليه من أي شخص آخر. أما الجانب الرابع فهو ما يعرف في علم النفس بمسلمة " الفروق الفردية " إذ لا بد من أخذ الاستثناءات النادرة بعين الاعتبار دائما, حتى لا تختلط علينا الأفكار و الأحكام و تكون النظرة شمولية و دقيقة في آن واحد, فقد نلتقي بشخص يحب أفلام الرعب و القتل, لكنه عموما شخص مستقر و متحكم في حياته و واع تماما بما يحدث و العكس صحيح.

إن المقلق بشأن أفلام السفاحين الدعائية ليس متعلقا بآثارها التي تخلفها على الأفراد من ذوي الخلفيات النفسية الهشة, رغم أن تلك الآثار يمكنها أن تؤدي إلى بعض الاضطرابات النفسية التي تأتي ببعض المشاكل أو الأحداث المزعجة التي قد يتسبب فيها ألائك الأفراد المرضى, لأن تلك الأحداث تتسم عموما بطابع العزلة. لكن القلق الأساسي يأتي من حقيقة التأثير الذي تمارسه تلك الأفلام على الجماعات, لأن مشاهدتها أو الإدمان عليها يحدث في سياق جماعي, فهي تشكل فرصة لالتقاء أشخاص يحملون نفس الأفكار و التوجهات كما هو الشأن مع المهوسين بأفلام الرعب, الذين يتقاسمون نفس الخصائص السيكولوجية المختلة, فشبكة العلاقات الشخصية و الاجتماعية التي تبنى في إطار نشاط متابعة تلك الأفلام أو الاحتفاء بها, قد تعمل على تغذية تلك الخصائص و الميول و الأفكار الغريبة أو المرضية بين الأفراد بسبب الاحتكاك و التفاعل فيما بينهم, لا بل قد تخلق بوادر لظهور نوع من التجمعات أو الجماعات ذات الأفكار المتطرفة و المنحرفة مستقبلا, و من ثم يكون الخطر أكبر على المجتمع.

رغم كل هذا فسلطة الجشع و الطمع الهوليودي لا تزال تفرض منطقها على الجميع, حتى لو تعلق الأمر بنشر العنف و الهمجية و النزعات الدموية وسط الأجيال في أمريكا و العالم, و في الوقت الذي يقف فيه ساسة و عُقال أمريكا عاجزين عن وضع ضوابط لهذه التوجهات السينمائية المدمرة للعقل و المشاعر, و هذه المجازر السيكولوجية التي ترتكب في حق الأطفال و المراهقين باسم حرية الإبداع و الفن و الليبرالية, يبقى أضعف الإيمان هو التنبيه إلى هذه الحقائق من وقت لآخر, حتى يتذكر الشباب و الآباء و الأمهات ما يحدث من حولهم و من تحت أقدامهم

------------------------------

علاوه فنور - البليدة في 22/08/2010.

 

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans مقالات نفسية و اجتماعية
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens