Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:54

1.jpg

ذاكرة الوطن, الاغتراب.... و الصديق الغائب

 

        يُداعب خصلات الشعر القليلة التي تغطي أجزاء متفرّقة من ذقنه و صدغه, ثم يتنهّد و هو يُصوب بصره نحو النافذة يرى انعكاس ظلال الأغصان على ستارها بفعل الإنارة في الخارج, يبدو أن هناك ريحا خفيفة قد بدأت تهبّ مُعلنة عن قدوم موسم العواصف الرّعدية. يسترسل في التفكير للحظات و هو يبحلق في تلك الأوراق البيضاء و ذلك القلم الجميل الذي حصل عليه من أحدهم, ثم ينهض و يتجه صوب النافذة و يُدرك أن الكلمات التي بحث عنها على وشك أن تأتي بعد أن لمح أضواء البرق القادمة مع السحب, " إنه هو, أخيرا, الخريف " يقول مُحدّثا نفسه. يفتح النافذة و يُطل و هو يُغلق أزرار قميصه ليحمي صدره من تلك النسمات الباردة المصحوبة ببعض قطرات المطر.

 

لطالما حمل هذا الجو كل أنواع الإلهام و كذلك الذكريات إلى وجدان " إلياس ", الشاب الجزائري القادم من وطن لم يصحُ بعد من سكرات أزمة أمنية و اقتصادية و اجتماعية مُدمّرة, لا تزال تبعاتها المعقدة و نتائجها الكارثية تصنع تحديا حقيقيا لبلد و مجتمع لطالما عرف حياة الضغط. ربما كان الرجل الشاب يحمل الكثير من المكبوتات المزعجة في صدره, لكنه فقط يحاول تذكّر كل الأشياء الجميلة التي حملها الخريف إلى حياته السابقة رغم صعوبة الأمر. لكن حنينه قوي هذه الأيام... يُغمض عينيه و هو يستنشق ذلك الهواء الليلي بعمق لعلّه يستطيع تنشيط روابطه الوجدانية المؤسسة على ذلك الجو, فيستحضر تلك الأحاسيس التي كان يعيشها في وطنه الأم, أجل, فصل الخريف, شهر سبتمبر و أكتوبر, الدخول المدرسي, روائح الدفاتر و الأدوات المدرسية الجديدة في أغلفتها, تلك الحماسة المختلطة بشعور غريب من الإثارة للقاء فتاة القلب بعد ثلاثة أشهر من الغياب. أجل, إنه يتذكر وطنه الذي تركه خلف الأطلنطي عندما جاء إلى هذه الأرض الواسعة لتحقيق أحلامه قبل عدة أعوام, لكن الحنين يجذبه جذبا نحو أمسيات رمضان عندما يقترب مغيب الشمس, و يهم الجميع بالعودة إلى البيوت . تلك الطرقات الضيقة التي تكتسحها روائح الطبخ الشهي المنبعثة من نوافذ و شرفات الأبنية المتقاربة " متى سأصومه في الجزائر مرة أخرى ؟, مضت سنوات طويلة " يهمس لنفسه بنظرات شاردة, فقد احتفل بعيد الفطر منذ أيام فقط.    

 

 لقد عُرفت أسرة إلياس بكثرة أبنائها الذين حاربوا الجماعات الإرهابية الجزائرية طيلة سنوات التسعينات. أعمام, أخوال, و إخوة أيضا, حتى إلياس نفسه خبر تلك التجربة, لذلك فقد عاد الشاب إلى داخل غرفته التي تعانق جدرانها أنوار خافتة و هو يتجه نحو تلك الخزانة الصغيرة, التي وضع فيها ما أمكن إحضاره في رحلة الاغتراب و البحث عن مشروع الوطن الجديد و الحياة الجديدة. علم جزائري, خامسة جدارية, صورة كبيرة لجبال الطاسيلي البركانية بالصحراء الجزائرية, صور للعائلة و الأصدقاء و الحي العزيز " آه, حي باب السبت, مدينة البُليدة الغالية... ثانوية ماحي.....ينابيع الشّفة....حقول المَتيّجة.....مرتفعات جبال الشْرِيعة ".. طبعا هو لم يزر تلك المرتفعات الغابية الخلابة لسنوات عديدة بسبب أنها كانت مرتع الوحوش الذين خربوا البلاد إلى درجة التصق اسمهم باسمها, لكنه و رغم كل محاولات النسيان و التفاؤل إلا أنه لم يستطع إبعاد تلك اللحظة التي لا يزال غير قادر حتى على الحديث عنها رغم مضي عدة سنوات, إنها اليوم الذي فقد فيه صديقه في السلاح " إسماعيل ", ذاك الجندي المغوار الذي اقتحم خطوط النار و الدم رفقة إلياس و من كانوا معهما دِفاعا عن النظام الجمهوري في البد, أو بالأحرى ما تبقى من النظام الجمهوري آنذاك... النظام الجمهوري الذي لا يزال الجميع ينتظره منذ 1962.

 

لقد سقط الرفيق في اشتباك عنيف في قلب أدغال "تاكسانة" التي كانت و لسنوات عديدة الجحيم الأول للجندي الجزائري, فتمشيطها نهارا كان أشبه بالحلم, أما الحديث عن اقتحامها ليلا فقد كان بالنسبة للعسكر مزحة ثقيلة قد تسبب مشاكل في الهضم بعد وجبة العشاء. لكن إلياس, إسماعيل و من كانوا معهما قد صبروا في تلك الأرض الملعونة, التي كانت بالأمس أثناء حرب التحرير مباركة... " فليرحمك الله يا إسماعيل  ". إنه يحاول نسيان كوابيس تاكسانة التي كان مهوسا بها, و لا يحدّث شقيقه الأصغر " سفيان " إلا عنها في كل ليلة راعدة ماطرة لا يستطيع فيها الاستسلام للنوم, عندما تراوده كوابيس الحرب, صراخ الجنود الجرحى, صوت الرصاص و الانفجارات, الأعشاب و قطع التراب و الأغصان المتطايرة, صياح الضباط بين إعطاء الأوامر و بين السب و اللعن,الفوضى..., و طبعا اللحظة التي رأى فيها صديق طفولته يسقط.... " كفى الآن, كفى من الماضي الحزين, أنا هنا اليوم, أنا في أمريكا ".  و ربما يكون أكثر الناس امتنانا لخروجه حيا من تجربة الخدمة العسكرية في تلك السنوات الرهيبة, كما أنه من بين جميع من يعرف, هو أكثر الناس حظا لأنه وصل إلى الآفاق التي لم يصلها أحد من كل ألائك الذين تركهم خلفه, لقد وصل إلى أمريكا, لقد وصل إلى الجنة فيا للحظ....

                                       

في تلك اللحظات تنتقل الذاكرة من أجواء الوطن الأم إلى أجواء أولى الأيام التي وطئت فيها قدمه هذه الأرض التي طالما حلم بالسفر إليها و العيش فيها. ربما كان ذلك بفعل تأثير أفلام هوليوود التي صدّرت صورة أمريكا الذهبية و أغفلت الكثير من واقعها. صدق من قالوا إذن " أمريكا ذهبية الوجه, رمادية الجوهر ", فالأمر لم يكن كما يعتقد الجميع, لكن الوافد الجزائري حل على هذا البلد و هو يعيش أسوء لحظات تاريخه, لقد كان ذلك بعد شهر واحد من الثلاثاء الأسود يوم انهارت أسطورة البلد العظيم الذي لا يقهر, يوم صدقت نبوءة الجزائر عن أن الإرهاب سيغزو العالم يوما ما....من كان يسمع نداء النبي ؟.                                                                                                                  

يجلس الشاب مرة أخرى و هو يُمدد ساقيه قليلا تحت مكتبه يُشابك بين أصابع يديه يتذكر كل تلك الإجراءات الشاقة في مطار نيويورك, تفتيش الأمتعة, تفتيش الأحذية, لحظات التوتر التي عاشها بسبب تلك النظرات الحذرة التي كان يرمقه بها كل من يطلع على اسمه و اسمه البلد القادم منه....كل خوفه كان من إمكانية اعتقاله تعسفيا من طرف عملاء إدارة الأمن القومي أو المباحث الفدرالية و أخذه للتحقيق معه حول أشياء أو أحداث مؤسسة في جزءها الأكبر على الريبة. أمريكا كانت مذعورة تلك السنوات و لعلها لا تزال كذلك إلى اليوم.... لعلها ستظل كذلك إلى الأبد ؟.                                                            

 

يبتسم الرجل الشاب للحظة و هو يتذكر كم كان توقيته سيئا لتحقيق حلم حياته و كل النصائح التي وجهها إليه أقرباءه بتأجيل السفر, لكن و كما يقال " عندما تأتي اللحظة الحاسمة، نُدرك أن الإقدام يكون الآن أو لن يكون أبدا ". لقد كان القرار صائبا بالسفر فتلك الفرصة لم تكن لتتكرر مرة أخرى رغم الخوف و القلق, و لحسن الحظ أنه و بعد أن حصل على الإذن بالبقاء المؤقت وجد في تلك الأيام بعض من ساندوه و ساعدوه على اعتياد أجواء الأرض الجديدة.

 

كانت أياما من أكتوبر امتزج فيها الإحساس بقلق الابتعاد عن الأهل لأول مرّة مع شيء من الخوف مما يخبئه المستقبل, إلى درجة أن إلياس و في تلك الأيام الباردة الماطرة كان قد بدأ يُعيد التفكير في قرار خوض هذه المغامرة... " هل حقا كنتُ مجبرا على ترك بلدي الذي بدأت أوضاعه الأمنية تتحسن آنذاك و القدوم إلى هذا البلد الذي كان يعيش أعنف فوبيا في تاريخه ؟ ". هذا ما كان يدور في رأسه تلك الأيام, لكنه سرعان ما أدرك أن ذلك الشك كان نابعا من الإحساس بالغربة و الوحدة, لولا أنه خف بعد أن التقى بعرب أمريكيين أغلبهم من أصول شامية, و أمريكان غير عرب ساعدوه على إكمال إجراءات تواجده القانونية و ساعدوه على الانخراط في مزاولة دراساته للغة الإنكليزية التي جاء من أجلها, بل ساعدوه على العثور على وظيفة موازية تمكنه من تأمين استقلاله المادي و دفع أقساط دراسته و إيجاره و حوائجه المختلفة....

 

تتوالى الابتسامات في تتابع منطقي من البسمة الخفيفة إلى البسمة العريضة و نظرات إلياس شاردة, كأن عقله و إدراكه قد سُلبا تماما و تاها بين الذكريات المختلطة لتك الأسابيع الأولى في بلاد جورج واشنطون, و الأهم هو أنه لم يتعرض إلى الكثير من المعاملات العنصرية بسبب الحظ الغريب الذي طالما صحبه في حياته إلا من بعض المتشدّدين. فالأمريكيين يبنون ردات فعلهم تجاه الغرباء استنادا إلى أشكالهم الخارجية قبل أي شيء آخر, فالرجل جميل الوجه, أبيض البشرة, أصهب الشعر, رشيق البدن, لا يبدو في مظهره و ملبسه أنه عربي, كما أن اسمه " إلياس فرندي " يبدو لطيفا, سلسا على الألسن و سهل التهجئة و الحفظ إضافة إلى لغته الإنكليزية المتمكنة.

                                                

 يُطلق إلياس ضحكة خفيفة و هو يتذكر احتكاكه الأول مع الأمريكيين غير العرب عندما كانوا يسألونه من أي بلد هو, فيجيبهم بأنه من الجزائر, ليلمح على وجوههم نظرات استغراب لم يكن يفهمها في حينها, و كان يعتقد أنها بسبب سمعة البلد الذي يشتهر بالجماعات المتطرّفة, لكن الأمر لم يكن كذلك لأنه اكتشف أن معظم الأمريكيين ليسوا بارعين في مادة الجغرافيا, و فهم أن أغلبهم لا يعرف حتى موقع الجزائر و إنما كانوا يخلطون بين كلمتي آلجيريا و نايجيريا, و منبع تلك النظرات هي استغرابهم كيف لشخص آت من آلجيريا الإفريقية هذه أن يحمل ملامح أقرب إلى ملامح الأوروبيين ؟.... يضحك مرة أخرى و هو يتذكر عندما كان يجيب بعض سائليه عن اسمه و يطلب منهم أن يحزروا من أي بلد هو, فيجيبه السائل بأنه يعتقد أنه من اليونان أو قبرص بسبب انتهاء الاسم بالسين..... يا للطرافة.

 

فجأة يتوقف كل شيء, تختفي البسمة و النظرات الشاردة, فيعود الشاب إلى الواقع بعد أن وصلت به ذاكرته إلى شخص أسّس معه صداقة متينة بسبب مساندته له و إيوائه في الأسابيع الأولى من تواجده هنا, و كان الفضل إلى شخص من أصل عربي يدعى "جون" قدّم إلياس لهذا الشخص على أنه قادم من بلد يعرف شعبه معنى الكفاح من أجل الحرية, كما أنه بلد عانى كثيرا من الإرهاب و هو يستعد ليصير حليفا لأمريكا الخيّرة في حربها العالمية على الشر....هكذا كان الأمر ليفهم إلياس آنذاك أن ذلك الشاب الأمريكي الأشقر ضخم الجثة, كان متأثرا كثيرا بالمثاليات الأمريكية, و أن جون كان يفهم العقلية الأمريكية بدقة,  فاختصر الطريق على المغترب للحصول على المساعدة و الصداقة و التعاطف, في بلد تكثر المثاليات في أفكار شعبه دون أن تجد لها طريقا حقيقية في واقع هذا العصر المُقرف.... لكنه في كل الأحوال لن ينسى فضل ذلك الشاب الأمريكي الذي فتح له أبواب منزل أسرته و قدّم له كل ما يحتاج من أجل الاستقرار قبل أن تُفرّق بينهما الرؤى و الأفكار....لكن الفضل يبقى فضلا, لذلك قرّر إلياس أخيرا أن يُبادر بمراسلة صديقه الغائب بعد سنوات من التردد, فقد أخذ نفسا عميقا ثم حمل القلم أخيرا.

 

... يُتبع

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

سندس 26/06/2011 13:22


اسلوب مبدع فى الكتابة
اتمنى لكم التوفيق


Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens