Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
20 octobre 2011 4 20 /10 /octobre /2011 23:03

ici-on-noie-les-algeriens-17-oc-copie-1.jpg

دماء على أرصفة باريس

الجو بارد و كئيب تلفه سحب رمادية كانت قد غطت على مغيب شمس هذا الثلاثاء المشحون و المضطرب, لعلي كنت أضخم الأحداث في رأسي و المبالغة في القلق و التشاؤم. لا أدري   !  . لكنني كنت أعي جيدا أن الأمر جلل و ستكون له تبعاته بشكل أو بآخر, بعد أن علمنا أن جميع سكان الضواحي سيشاركون في الحدث, و هو ما يعني أن الأمر يتعلق بعشرات الآلاف.

ماذا يمكن أن أقول عن نفسي ؟. لم أكن ذلك الشخص الذي يرى الأحداث من زاوية مستنيرة ملفوفة بلحاف المثالية التي كنا لوقت قريب نظن أنها لفت عقول ألائك الذين قلبوا الطاولة على فرنسا ذات الفاتح من نوفمبر 54, إلى درجة أعمت فيها بصائرهم, فقد ساد الظن لأشهر أو حتى لسنوات بأنهم كانوا مجموعة من المراهقين المجانين الذين أثرت فيهم ثورة الفن السابع التي اجتاحت حضارة هذا القرن, و ما حملته لنا من أفلام الغرب الأمريكي الرجولية و قصص المتمرد المكسيكي زاباطا. لكنهم و بعد سبع سنوات... يبدو أنهم كانوا على دراية تامة بما كانوا يفعلون منذ اليوم الأول و إلى غاية الآن. أما بالنسبة لي فلم أكن طيلة حياتي سوى شاب بلا هدف, بلا هوية, بلا طريق, و كغيري من ممن ينادونهم بالعرب, فقد وجدت نفسي بطريقة ما هنا في هذه البلاد التي قيل بأنها أرض الحرية و القانون, وجدت نفسي ضالا في عمق غيتوهات الأفارقة الشماليين تنهشني كل أنواع الآفات و العنف و العنصرية, تارة من طرف أبناء هذه البلاد و تارة من طرف أبناء جلدتي, من بني فروة الرأس المجعدة و البشرة السمراء الداكنة و الوجوه المكفهرة طيلة الوقت.

ما ظنناه أول مرة أعمال عنف في ما اكتشفت لاحقا أنه " بلدي الأصلي ", سمعنا أنه قد جاء إلى ما اكتشفت لاحقا كذلك أنه "أرض العدو الاستعماري". لم أكن قد سمعت في حياتي بهذه المصطلحات من قبل, لكن أشخاصا من بني جلدتي كانوا قد بدءوا في زيارة الضواحي و قرى القزدير الصغيرة التي كنا نعيش فيها كالجرذان بشكل منتظم و سري, ببدلاتهم الأوروبية الأنيقة, و محافظهم الجلدية المليئة بالأوراق و المستندات, لكن فجأة بات يُعرف ألائك الأشخاص بفيدرالية الثورة في باريس, أو كما قيل لي ممن هم أذكى مني أنها يد الثورة داخل الأراضي الفرنسية.... مع مرور الأيام أدركنا أن هنالك فرقا حقيقيا و موجودا بين ما هو فرنسا و ما هو جزائر, و أن هنالك حربا ضروسا و حقيقية بين الطرفين   !!  , كان اكتشافا شبه متأخر حرك نوعا من القشعريرة في جسدي و تركني مشوش الفكر لأيام عديدة, لم أعرف خلالها أي شعور كان يجدر بي أن لا أنكره, أهو الشعور بالأسف الشديد على تضييعي لكل هذه الأعوام من الكفاح الذي شارك فيه عشرات الآلاف من الجزائريين, أم الشعور بذلك الفخر الغريب الذي لم أعشه يوما بعدما اكتشفته على أيدي مناضلي الفدرالية ؟.

في ذلك الجو البارد و بعد مغيب الشمس بلحظات, كان الحي القزديري يعرف حركة غير عادية. أشخاص من مختلف الأعمار, شباب, رجال, نساء, فتيات و حتى أطفال, كانوا قد احتشدوا استعدادا لانطلاق تلك المسيرة السلمية التي كانت جبهة التحرير قد دعت إليها, لرد سلمي و متحضر على قانون حضر التجوال العنصري الذي فرضته الإدارة الفرنسية على الجزائريين دون سواهم.

لقد وقفت بالقرب من بعض الشباب الذين ألتقي بهم يوميا في مصانع الكدح و الاستعباد. كان كل واحد منهم قد ارتدى أرقى ما عنده من لباس, استجابة لنداء مناضلي الجبهة, الذين حثوا جميع المشاركين بالحرص على أن يكون هندامهم محترما ليلة المظاهرة, ليعطوا صورة مشرفة للمهاجر الجزائري وسط باريس التي تعج بالأوروبيين من مختلف الجنسيات, و ليقينهم أن الصحافة ستكون حاضرة و ستنقل صور المهاجرين الجزائريين, الذين خرجوا للمطالبة بالمساواة على أرض الحرية و الأخوة و المساواة.

لقد انطلقنا و نحن نتجه سيرا إلى شوارع باريس الرئيسية حسب مسارات كانت قد حُددت سلفا من طرف المنظمين. لقد كنا بضع مئات من الأشخاص, لكن الأخبار كانت ترد بأن سكان جميع الغيطوهات الجزائرية و الضواحي الفقيرة في العاصمة, كانوا يسيرون في تلك الأثناء كل حسب مساره المحدد للوصول إلى نقاط الالتقاء ثم الزحف نحو قلب العاصمة. لقد كنت أسير وسط الحشد الذي تعالت من تحته أصوات الأحذية التي كانت تخط طريقا جماعيا كما لم يحدث مع جزائريي فرنسا من قبل. كنت أنظر من حولي فأرى البعض و هم يتبادلون أطراف الحديث حول هذا الحدث, و ما سيتركه في الإعلام الفرنسي و الرأي العام الدولي, الذي كان في تلك الفترة قد بدأ يكتشف هذه الحرب العنيفة بيننا و بين هؤلاء, و ما شد انتباهي هو وشوشة النسوة و أحاديثهن حول أمور السياسة, ربما كانت أول مرة أسمع فيها امرأة جزائرية تتحدث عن الحكومة الفرنسية أو عن الفظاعة التي يرتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر, كانت أول مرة كذلك أسمع فيها القصص عن ذلك الشاب الذي كان أحد مفجري الثورة, و الذي قاد معركة الجزائر العاصمة الدموية, و الذي كانت نهايته تحت التعذيب الوحشي, دون أن يُعلن استلامه أو أسفه أو يطلب العفو من هؤلاء الذين خدعونا طيلة هذه السنوات بكذبة أن بلدنا جزء من فرنسا و أننا فرنسيون   !  .

كانت أجواء لم أعش مثلها من قبل. ثم خطر ببالي و أنا أرى حشدنا و هو يلتقي بحشود أخرى على الطريق, بأن هنالك هدفا آخر قد حققه منظمو الحدث, سواء عن قصد أو عن غير قصد, و هو أن نعيش هذا الجو من الشعور بالتلاحم و الإتحاد الذي لم نعشه منذ أن وطئت أقدامنا هذه الأرض الباردة, عندما جاءت البواخر محملة بآبائنا قبل أن نلحق بهم و نحن صبية صغار سنوات الثلاثينيات و الأربعينات كقطعان الغنم, لتصنع منا حكومة هذا البلد جيش عبيدها, الذي يحوِّل مسروقات بلده الأم إلى مواد مصنعة في مصانع فرنسا التي تحظى بأضعاف القيمة, و نحظى نحن فقط بفتات الموائد الأوروبية, رغم أن الخير خير تلالنا و صحارينا, و العرق عرق جباهنا و ظهورنا...

أفكار كثيرة كانت تتزاحم في رأسي, كانت في مجملها استنتاجات متأخرة كنت استلهمها من أحاديث الناس من حولي و أنا أسير وسط الحشد الذي تحول إلى حشود جرارة, أفكار كانت تزيد في درجة غليان شيء بداخلي, كان مزيجا من الحنق و الإحساس بالشفقة على الذات لأني أكتشف كل هذا لأول مرة, و أكتشف إلى أي درجة استغلت فرنسا حياتي و سذاجتي كما استغلت حياة و سذاجة الآلاف مثلي, إلى أي درجة استغلت جهلي و جهل أبي. انتابني إحساس عميق بالتقزز. لقد كان ألائك الشباب الذين فجروا هذه الثورة على حق, فعلا كانوا على حق   !  .

كنا نلمح أضواء باريس الأنيقة و الصاخبة و هي تزداد وهجا من خلف الأشجار و الجسور التي كانت تقطع نهر السين, و بمجرد أن بدأنا في التوغل إلى أحياء باريس الراقية, كان عددنا قد صار هائلا حتى أن معظمنا لم يصدق ذلك. لقد كانوا بالآلاف و من مختلف الأعمار, بل و قد انضم إلينا بعض المتعاطفين مع الثورة من فرنسيين يمثلون اليسار إلى جانب بعض التونسيين و المغاربة. بدأت الصيحات الجماعية ترتفع و هي تنادي بالحق في المساواة تارة و تندد بقانون الحضر العنصري تارة أخرى, و بين هذا و ذاك تعالت صيحات تمجد الجزائر و تنادي باستقلالها. رأيت في تلك الأثناء الأطفال الصغار و هم يصيحون مشاركين الجميع و هم يبتسمون و قد اكتست علامات الإثارة وجوههم, و هم يخبرون هذه التجربة لأول مرة بكل براءتهم و عنفوانهم كمن يعيش فرحة العيد, ليس لمعانيه الحقيقية بل لكونه يوم ليس كباقي الأيام, تماما كانت حالة هؤلاء الأطفال, فقد كانوا يشعرون بالإثارة, فقط لأن الحدث استثنائي دون أن يفهموا بالضرورة مضامينه الفلسفية العميقة, لكن كان من المهم إشراكهم في هذا الأمر حتى يوضع حد للجهل و الأمية السياسية التي عشناها نحن قبل أن يكتشف أكثرنا حقيقتها في أرذل العمر.

لقد رفعت اليافطات و الأعلام الجزائرية التي خيطت بأيادي نساء الغيطوهات. لم تكن تلك الأعلام متطابقة بشكل دقيق مع بعضها البعض لكنها كانت تحمل نفس الرسالة و ذلك كان كافيا. أما اليافطات فقد حملت عبارات تندد بالعنصرية و تمجد الوطن, و هكذا سرنا بها إلى قلب العاصمة و قد تعالت هتافاتنا و دوّت في أنحاء الشوارع, في حين تجمع الأوروبيون على شرفات منازلهم و عماراتهم و هم يتفرجون على تلك الحشود و هي تزحف على جادة "الكونكورد" الراقية. هناك أين بدأتُ ألاحظ أن الحركة تتبطاء شيئا فشيئا, إلى أن توقفت المسيرة لسبب ما, و معها تضاءل عدد الصيحات و الهتاف و حل مكانه وشوشات بين الأشخاص. سألتُ بعض الشباب عن سبب توقف المسيرة فقال أحدهم أن هنالك عدد هائل من رجال الشرطة قد أغلقوا الطريق أمام الحشد, فمررت بصعوبة بين الحشد نحو إحدى الأشجار المصطفة على حافة الطريق و تسلقتها بخفة, حينها رأيت مقدمة الحشد و هي تقف صفا واحدا مقابلة ما يمكن أن أصفه جيشا من رجال الشرطة المسلحين بالعصي و الهراوات و البنادق الرشاشة. ملامح وجوههم لم تكن تدل على أنهم جاؤوا ليقفوا على الحياد, فقد سمعنا أن قائدهم " موريس بابون " كان أحد الموقعين على قرار حضر التجول ؟. ثم سمعت صيحات متفرقة هنا و هناك وسط الحشد... " تحيا الجزائر  !" لتليها صيحات أخرى و أخرى, إذ راح الصياح يعلو و يتضاعف إلى أن ضج الحشد بالصراخ مطلِقا عبارات المجد للوطن, آلاف الحناجر كانت تصيح بصوت رجل واحد و كان صداها يتضارب بين عمارات باريس. و بينما أنا أراقب ما يحدث متشبثا بأغصان الشجرة فإذا بي أسمع شيئا وسط تلك الضوضاء يشبه الصافرة, و إذا بتلك الصفوف المتلاحمة من رجال بابون تهجم كموجة سوداء على مقدمة الحشد الجزائري.

كانت بضع ثوان كافية ليجد العشرات الذين كانوا في المقدمة أنفسهم تحت هراوات و أحذية البوليس الذي انهال بالضرب العنيف على الرؤوس و الوجوه و الأكتاف و الظهور و الأطراف... لا يهم !. لكنني وجدت نفسي و من دون وعي أصيح في الناس الذين كانوا من تحتي:" الأطفال...الأطفال !! ". ففهمتني النسوة سريعا عكس الرجال, و راحت كل واحدة تحمل صغيرها بين ذراعيها أو تمسك بيده و الكل يتدافع إلى الخلف, بينما لم يتحرك البعض و راحوا يحاولون اقتناص النظر وسط الجمع الهارب عسى أن يروا ما يحدث في المقدمة, لكن الأمر لم يطل, فقد جاءت أصوات إطلاق النار لتجعل الجميع ينبطح أرضا لوهلة عندما ارتفعت صرخات بعض النساء.

قفزتُ من على الشجرة و أنا أسمع رجلا يحدث ابنه الذي كان يبكي و يصرخ, إذ راح الأب يقول:" إنهم يطلقون الرصاص في السماء حتى يخيفوننا لا أكثر...لا عليك بني ". فشددته بقوة من ذراعه و أنا أخبره بأن يفر بابنه فورا, لأني رأيت للتو أشخاصا يسقطون في المقدمة برصاص حي و مصوب بعناية, فنظر الرجل إليّ للحظة, ثم حمل الصبي بين ذراعيه و انضم مهروِلا إلى الكوكبة الهاربة و المتدافعة في أي اتجاه ليس فيه رجال بالزي الشتوي الأسود و الخوذات التي تلمع تحت ضوء أعمدة الإنارة, لكن الأمر كان صعبا, فقد امتلأت الشوارع و الممرات بهم إذ كانوا يخرجون من جميع الاتجاهات كالنمل, ليزيدوا من حالة الرعب الهستيري و التدافع الذي سحق البعض تحت الأقدام و تركهم يتمرغون على الأرض من الألم و الإصابات, فقد راح رجال بابون يطاردون الجميع ليس بنية التوقيف فحسب, بل بنية الضرب المبرح و كأن بهم يريدون أن ينقلوا إلينا رسالة المسئولين الفرنسيس... كانت رسالة واضحة جدا.

كنت أركض مع الجميع محاولا تفادي ضربات العصي و أنا أسمع بين الفينة و الأخرى طلقات رصاص متقطعة, و في أحيان أخرى أسمع أصوات ضباط الشرطة المنطلقة من مكبرات الصوت لكنني لم أكن أعي جيدا ما كانوا يقولون, بسبب تصاعد الصياح من الفارين و صراخ الألم من المصابين الذين سقطوا هنا و هناك. لكنني استطعت الدخول إلى أحد الزقاق الفرعية التي لفها نوع من الهدوء و الصمت, و كنت لا أزال أسمع الصراخ و العويل و أصوات صافرات سيارات الشرطة من خلف المباني المطلة على نهر السين. لم أفكر كثيرا في هذا الكلَب الفرنسي الذي لم يتوقعه حتى أكثر المتشائمين برد فعل الفرنسيين تجاهنا, لأنني رحت أبحث عن أي ممر آمن للخروج من هذه المدينة ذات الوجه الرومانسي و الحقيقة المتوحشة, و العودة إلى قريتي القزديرية و كوخي القذر.

 التقطت أنفاسي و خرجت من ذلك الزقاق أسير بمحاذاة الجدران ألتفت في جميع الاتجاهات, لكنني كنت كأنما أسمع شخصا ما يبكي بصوت مخنوق و خافت بالقرب من أحد مكبات النفاية و أنا أقترب منه. لقد كان رجلا يناهز الخمسين من العمر ممدا بين أكياس الزبالة و هو يحاول كبت صرخات ألم ساقه التي بدت مكسورة حتى لا يسمعه رجال الخوذات, فتقدمت إليه بحذر و لم يدر بيننا أي حديث, بل رحت فقط أساعده على الوقوف. و بينما أنا كذلك فإذا بي أسمع أصوات أحذية و هي تضرب الأرض بقوة تقترب مني مسرعة ففهمت كل شيء, و أنا ألتفت خلفي سمعت عبارة واحدة... " fils de pute ! " و إذا بالعصي و الهراوات تنزل عليّ متتالية, حدث ذلك بسرعة غريبة و الأكثر غرابة هو أن الهلع الذي أصابني قبل أن تصل تلك الضربات إليّ كان قد اختفى تماما و أنا أتلقاها, فكل ما كنت أفكر فيه في تلك الأثناء هو حماية رأسي و وجهي. كنت منكبا على الأرض مقابلا إياهم بظهري, تماما كما اعتدت على ذلك منذ نعومة أظافري أمام ركلات أبي و ضربه المبرح عندما كنت أقترف أي شيء يثير غضبه. لكن أحدهم حاول قلبي على جنبي بركلة قوية حتى يتمكنوا من الوصول إلى وجهي, لكنني كنت ألف رأسي بذراعيّ, كنت أنظر إلى أرضية الرصيف المبتل بزخات المطر, و إذا بي ألمح زخات أخرى ذات لون أحمر قان و هي تختلط بقطرات المطر, تلاها ألم مبرح ممتزج ببرد شديد أصاب أصابع يدي, فأدركت أن عظامها إنما كانت تُسحق و تتفتت تحت ضربات العصي الخشبية فوجدت نفسي أصرخ بأعلى صوتي من الألم الذي لا يوصف.

تم جري رفقة ذلك الكهل المسكين الذي نال موجة أخرى من الضرب المبرح رغم حاله المزرية, و لم ألمح سوى دمائنا التي لونت ذلك الرصيف و هي تتسرب ببطء تحت نفايات الأوروبيين. و نحن نُقتاد إلى الشارع الرئيسي واضعين أيدينا فوق رأسينا لمحت مئات الجزائريين و قد تم حصارهم في الزاوية, بعدما طوقهم رجال البوليس و هم يشيرون إلى الجميع بأن يبقوا أيديهم فوق رؤوسهم. و بعد الوقوف تحت ذلك البرد القارص لنحو ساعة, جاءت الحافلات التي حملتنا و سارت عابرة تلك الشوارع التي لم تستعد هدوءها بشكل كامل. كنت أجلس بالقرب من النافذة و قد فقدت الإحساس بأصابع يدي تماما, كنت أتفرج على تلك البقع من الدماء التي كانت تغطي الأرصفة و الطرقات مع بعض الأشياء المتناثرة, قبعات, أحذية, يافطات... هكذا كان رد دولة الديمقراطية على مسيرة سلمية مليئة بالنساء و الأطفال !. لم أكن أعلم إلى أين يتم أخذنا في تلك اللحظات أو ماذا سيحل بنا, بعدما سمعت شابا و هو يتحدث بصوت منخفض عن عمليات إعدام يتم تنفيذها في تلك الأثناء من على جسور السين, كان جسده يرتعش بشدة و هو ينظر إلى الجميع و يضحك بشكل هستيري و يقول:" إنها نهايتنا....إنها نهايتنا جميعا أيها الأوغاد... تبا لجبهة التحرير التي ورطتني في هذا !!".

بالنسبة لي فقد أدركت حينها أنني نزفت من أجل نيل حقوقي لا أكثر, و أظنه كان شعور متقاسما بين الأغلبية. و بقدر ما كان الألم يلف أطراف جسدي و أضلعي, عشت إحساسا غريبا من السعادة و الفخر ينمو من تحته, تماما كما تنمو البراعم الخضراء الصغيرة من تحت رماد الغابات المحترقة, فقد كنت أعي أنني كنت أولد من جديد, و سواء كانت نهايتي الليلة غريقا في نهر السين أو سجينا منسيا في سجون فرنسا حقوق الإنسان إلى حين, فإنني لن أحزن و لن أندم على ما فعلت هذه الليلة, فقد كنت طيلة حياتي سجينا و ميتا, لكن ليس بعد اليوم, فهذا كان أقل شيء قدمته من أجل ذلك الشيء الذي يترك لذة مُسكرة في النفوس كلما فكر فيه المرء بتأن..." الحرية ".

----------------------------------------------

في ليلة 17 أكتوبر 1961 خرج أكثر من عشرين ألف جزائري في شوارع باريس في مسيرة سلمية, دعت إليها جبهة التحرير الوطني, احتجاجا على قانون منع التجول العنصري الذي فرضته الإدارة الفرنسية عليهم. لكن شرطة باريس و بأوامر محافظها موريس بابون ردت بشكل غاية في العنف و الهمجية.

 

أدت المواجهات و المطاردات إلى سقوط بضع مئات من الشهداء و آلاف الجرحى و المعتقلين الجزائرييين, و تطابقت شهادات تاريخية على وقوع عمليات تعذيب في مراكز الشرطة و إعدام بالجملة من على جسور نهر السين الذي ألقي فيه العشرات من الجزائريين.

 

يُعتبر هذا التاريخ يوما وطنيا للهجرة في الجزائر المستقلة. 

 

 


 

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

lo2lo2a 28/01/2012 08:17



بيسان 12/12/2011 09:58


شكرا على المدونة الممتازة و اتمنى لكم التوفيق دائما ان شاء الله

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens