Overblog
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
4 juin 2011 6 04 /06 /juin /2011 18:27

 255307_454841501203966_1571508872_n-2-.jpg

عندما زرت حسناء الصخر ( 2 )

 

 لقد مرت السنوات في لمح البصر, كالريح أثناء عبورها الأميال الممتدة على طول حدود الأمصار و القارات دون أن يكون للمسافات و التضاريس أي معن أمام تلك القوة الطبيعية. لقد شعرت بعبث الزمن بنا و أنا أسير مبتعدا عن بيت الطفولة, كنت أفترض أنها المرة الأخيرة التي أرى فيها ذلك الطريق الذي لم أعره اهتمامي أيام كنت أحد سكان هذا الحي, و لو علمت أن الأمر سيكون هكذا لاغتنمت كل لحظة من لحظات تلك الأيام كي أكون ممتنا لتلك السنوات الجميلة التي أمضيتها هناك. لقد كنا نسب الزمن و نلعنه و لا نركز إلا على مساوئه و منغصاته, غير مدركين أن منطق الحياة يقضي بأن الأيام التي تأتي تكون أسوأ من تلك التي تمضي و أن الأيام التي تأتي تكون أفضل من تلك القادمة, على الأقل فإن الأمر صحيح نسبيا و لو في ميزان التشاؤم الآدمي, فنحن كائنات مُتطيرة بالفطرة. من منا لا يشتاق إلى أيام براءته و عنفوانه حينما كان صبيا صغيرا ؟, و من منا لن يشتاق إلى أيام شبابه و فتوته و عزوبيته ؟... و هكذا.

 

لقد كان الزمن لا يزال يمارس ألاعيبه علي, فقد نظرت إلى الساعة و أدركت أن المغيب كان يقترب مسرعا, فقررت أن أنهي زيارتي و يومي بجولة عامة في الضاحية. فانطلقت أسير عابرا تلك الطرقات و الأحياء التي لا أزال أعرفها عن دهر قلب, إنها الطرقات التي كنت أقطعها ذهابا و إيابا من و إلى المدرسة, فقد مررت بجوار مدرستي الابتدائية الأولى و أنا أذكر تلك اللحظات التي خطوت فيها أولى خطواتي داخل الحرم في أول يوم دراسي لي و أنا أحكم إمساك يد أمي محاولا ألا أفلتها مهما حصل, يا اله كم كنت صغيرا و كم كان العالم الخارجي كبيرا و مهولا و صاخبا و مخيفا أمامي ذاك اليوم, عندما أدركت أنه يجب أن أنفصل عن والدتي لبعض الوقت. و الحال أنني لم أدرس في تلك الابتدائية غير بضعة أشهر قبل رحيلنا الأول عن المدينة الذي دام بعض السنين, بسبب تنقل والدي للعمل في ولاية أخرى و اضطرارنا للتنقل معه, لكن السنين مرت في تلك اللحظات كالثواني, بقياس الخطوات القليلة الفاصلة بين الابتدائية و الإكمالية التي درست بها عند عودتنا إلى العيش في المدينة الأم مرة أخرى. فقد وقفت هنيهة أمام بوابة تلك المؤسسة التربوية.

 

لم يتغير شيء في الإكمالية غير البوابة الحديدية الثقيلة التي كانت تميز المدخل أيام الخوف و التفجيرات, فقد استبدلت ببوابة جديدة ذات زخرف و نوافذ زجاجية عاكسة بعد أن استتب الأمن في البلاد, كان هذا وحده علامة واضحة تُشعر المرء بفرق سنوات الفتنة و سنوات الهدوء.غير هذا فالمؤسسة التي كنت أقف أمام مدخلها في تلك اللحظات هي نفسها التي كنت أقف أمام مدخلها رفقة زملائي و أصدقائي ننتظر لحظة الدخول إلى الباحة قبل أكثر من عشر سنوات. انتابني إحساس غريب و أنا أنظر إلى نافذة أول صف درست به, كانت مشاعر متناقضة, شيء من الحنين و شيء من الحنق, حنين للأيام الماضية عموما, لكن رغبة في عدم خوض التجربة الدراسية التي عشتها في هذه المؤسسة خصوصا, فقد جاءتني صور التعنيف و الضرب و الإذلال و الترهيب التي مارسها علينا من كان يُفترض أنهم في مقام الآباء و الأمهات ؟, أحسست بنوع من التقزز من تلك الصور المؤسفة و جاء على خاطري جملة واحدة: " أنتم يا من لقنتمونا قواعد اللغة العربية و الجبر في الرياضيات... سامحكم الله ".

 

لقد جال في ذاكرتي تلك الأمسيات في عز أيام الأزمة الأمنية عندما كان دوي الرصاص ينطلق من لا مكان و نحن في طريق العودة إلى البيوت, فننطلق راكضين بكل سرعة نقطع الطرقات و الشوارع, نلمح الجميع و هم في هلع و فوضى يركضون بعيدا عن منطقة الاشتباك. و كان بعضهم يبادر إلى حمل صبي أو صبية بين ذراعيه و هو لا يعرفه حتى, لكن فقط ليبعده أو يبعدها عن خطر الرصاصات الطائشة. كنا نصل إلى الحي و أطرافنا ترتعش و قلوبنا تكاد تقفز إلى خارج صدورنا, فنلج إلى داخل الحي, و يحكم الحراس إغلاق البوابة و يدخل كل شخص إلى بيته, فنستمر في سماع الدوي الكثيف حينا و المتقطع حينا آخر, إلى أن تهدأ الأمور تماما, و تتداول الأخبار عن هجوم إرهابي على دورية للشرطة أو القضاء على جماعة مسلحة كانت تتخذ أحد بيوت الضاحية مخبئا لها أو مطاردة بوليسية و كر و فر وقع في شوارع الضاحية..., ما أثار أسفي الشديد هو أن تلك الذكريات و الصور و الأصوات المخيفة و إن كانت معدودة, اقترنت بالسنوات التي قضيتها في تلك الإكمالية بالذات. لكن حمدا لله, فقد ولَّت تلك السنين الرهيبة بلا رجعة.

 

أكملت طريقي و أنا أرمي بناظري يمينا و شمالا أعبر تلك الشوارع المتقاطعة التي تصطف على حوافها المساكن ذات الطابع الأوروبي التي خلفها المستعمرون وراءهم, و تلك الطرق الهادئة المتوسطة الحركة التي تظللها بعض الأشجار التي تتوسط الأرصفة, و قد لاحظت أن بعض المحال و الحوانيت قد تغير نشاطها, فقد مررت على أحدها و أنا أستذكر صورنا و نحن صبية صغار نركض تحت ظلال تلك الأشجار و الجدران, محاولين تفادي أشعة الشمس الحارقة على طول الشارع في الأيام الأولى لعطلة الصيف, قبل أن نصل إلى ذلك العم صاحب الشاربين و نحن نلهث و نتعرق, نطلب منه أن يقدم لنا المثلجات و نرمي بأيدينا الصغيرة و كل منا يحاول أن يقدم له ثمن المرطبات أولا, حتى يحصل على القطعة الأولى... لم يعد هذا المحل يبيع المثلجات للأطفال الصغار مطلقا, بل تحول إلى مقهى أو قاعة شاي أو شيء من هذا القبيل.

 

لقد أكملت السير صعودا إلى الجزء العلوي من الضاحية, حتى كنت في مستوى مكنني من رؤية أحيائها السفلية, فلمحت عمارات الحي العسكري من بعيد و هي تنتصب خلف الأبنية المنخفضة, لكنني لم أشأ إطالة النظر إلى الوراء, فأكملت طريقي صعودا حتى وصلت إلى المركز الطبي الذي احتضنت جدرانه أولى صرخاتي عندما خرجت إلى هذا العالم, أدركت أنني ابن خالص لهذه الضاحية و انتابني شوق لأمي في تلك اللحظات. ثم أكملت السير و أنا أرفع بصري من حين لآخر أشاهد طيور السنونُ و هي تحلق في مستوى قريب من البيوت القرميدية, لا لشيء سوى أن الضاحية برمتها تعتبر مستعمرة عملاقة لهذه الطيور الجميلة, التي تشكل صرخاتها الحادة جزء من ذاكرتي,  فسرت إلى أن وصلت إلى السوق التي كنا نقصدها بحثا عن الألعاب في أواخر الطفولة, و بحثا عن الملابس و أشرطة الموسيقى عند بداية المراهقة, و غير بعيد عن المكان وصلت إلى حديقة عامة صغيرة, لطالما كنت اتخذها ملاذا لي أيام الفرار من المدرسة, لكنني وجدتها قد تغيرت بعض الشيء, كانت كئيبة جدا بعد أن اكتسحها الصمت المميت.

 

لقد تدهورت حالة أشجارها و نباتاتها, و عمت الأوساخ كل زاوية منها, لقد أغلقت تماما و لم يعد أحد يزورها. رجعت بذاكرتي إلى الوراء و أنا أتذكر أنني و في كل مرة كنت أقف أمام مكتب الناظر أنتظر تسلم استدعاء لولي أمري بسبب تهاوني في دراستي و نتائجي الضعيفة و غيابي المتكرر و سخريتي الباردة من التهديد و الصراخ الذي كنت أسمعه كل أسبوع في مكتب المديرة, لم أكن أفكر إلا في تلك الحديقة المخضرة الهادئة, التي عكفت على الذهاب إليها و الجلوس فيها لساعات كلما شعرت بالغضب و الوحدة. ما أضحكني في تلك الدقيقة هو أني لا أعلم عدد الاستدعاءات و الرسائل التي مزقتها في تلك الحديقة أو أمام مدخل تلك الإكمالية الثانية التي تنقلت للدراسة بها, بعدما لم أتمكن أبدا من التأقلم في إكمالية الضرب و التعنيف الأولى.

 

عندما عدت إلى الحاضر مرة أخرى بعد كل تلك الصولات و الجولات عبر ماضي كل هذه الأمكنة, كانت تفصلني عن غروب الشمس سوى بعض الدقائق. تذكرت أنني قد اتفقت سابقا مع أبي على الالتقاء في مكان معين ليقلني بالسيارة, فعدت أدراجي و قد سلكت طريقا مغايرا للنزول إلى أسفل الضاحية, حتى أتمكن من المرور بأكبر عدد ممكن من الشوارع و الأحياء التي لم أزرها و لم أرها, إلى أن وصلت إلى نقطة الالتقاء فوجدته ينتظر في المكان المحدد, فكانت رغبتي أن نقوم بجولة في قلب المدينة.

 

كم كانت جميلة و متأنقة, كما كانت دوما بعد الغروب, بأضواء شوارعها المتلألئة و حركتها التي لا تهدأ في السهرة, نفس الأضواء التي كانت تبهرني و أنا صبي في الخامسة, حينما كنت أجلس في المقعد الخلفي للسيارة أراقبها خلف زجاج النافذة, فأضع خدي عليه عندما أبدأ في الاستسلام للنوم بسبب بهرجة أضواء المحلات و السيارات و الشوارع, فلا أستيقظ إلا و أنا بين ذراعي أمي أو أبي الذي يحملني من السيارة إلى البيت.

 

لقد كانت متأنقة كسيدة ترتدي أبهى حلة في أمسية احتفالية ساهرة و هي تجلس هناك في تلك الزاوية المرتفعة التي تطل على منصة الرقص, تنتظر ظهور فارسها بين اللحظة و الأخرى. كانت جسورها المعلقة كما كانت دوما, مذهلة, تسلب الألباب و تبعث فيها دفئا غريبا و هي تهدي عابريها تلك الإطلالة الرائعة على بقايا شعاع الغروب الأحمر في الأفق البعيد, في حين تبدو أضواء السيارات المتحركة التي تعبرها كأنها عقد ماسي يتلألأ فوق حضن امرأة جميلة, و لو للحظة يساور المرء ذاك الشعور و هو يقطع أحد تلك الجسور الشاهقة في مثل ذلك الوقت يرمي بناظريه إلى الجسور المجاورة, لقد كانت ترتدي حللا تنير بشرتها البيضاء وسط الظلام, كانت تبتسم في حياء أمام نظرات المعجب بها لتغريه بالبقاء في ضيافتها أطول وقت ممكن.

 

لا عجب أنها أسرت قلوب جميع الكتاب و الفنانين و حتى الساسة سواء كانوا من أبناء البلد أو من الأجانب بعد زيارتهم لها و هذا ليس بغريب عنها. حتى أنه يقال بأنه في غابر الأزمان كان ثوار الأمازيغ و فرسان الروم و محاربو الوندال من أشد الأعداء على بعضهم في صراعهم على هذه البلاد و أنه لم يكن يجمعهم سوى شيء واحد في هذا الوجود, و هو تعلقهم بهذه الأميرة الفينيقية المتربعة بكبرياء فوق عرشها الصخري المطل على العالم.

 

رغم كل ذلك فالحق يجب أن يُقال, لقد ساورني إحساس بالأسى و قد رأيته أيضا في تقاسيم وجه والدي و نحن ننظر إلى المدينة القديمة و قصبتها المهترئة, فقد تدهورت حالها كثيرا, بسبب الإهمال و التحرك المتأخر لإنقاذها من العبث و الضياع, لقد شعرت بعمق مصاب تلك المدينة التي عاش فيها العرب و اليهود و الأتراك أعز و أزهى و أمجد أيامهم بين جدرانها و أبنيتها المتقاربة و أزقتها الضيقة ذات الرائحة الكلسية و الترابية المميزة. و لم أفهم لمَ لم أفكر بهذه الطريقة من قبل عندما كنت أحد سكان المدينة في الماضي, أكان ذلك بسبب الصغر في السن ؟, أم أنني كنت كمعظم قاطنيها حاليا, لم أدرك جمالها و جلالها و قيمتها, لكن رحيلي عنها جعلني أشعر بمقامها, فعدت لأجدها و قد تغيرت في عيني و لم تتغير كثيرا في قلبي.

 

لقد كانت كئيبة و كأنها امرأة في خريف عمرها تعيش قلق التقدم في السن و تخشى الابتعاد أو الفراق و تحاول جهدها للحفاظ على نظارتها و تألقها في أعين الناس لكن من دون فائدة, فلا أحد يعيرها اهتمامه, و أبناؤها كل يسير في سبيله شارد الذهن, و الحياة و الزمن لن يقبلا إلا بالتغيير فهو عقيدتهما الأزلية..., أخشى أنها في طريقها لتتحول إلى عجوز تقبع على قارعة الطريق تلطمها أقدام السنين و الفصول في شارع الدهر الطويل, في حين تستسلم هي شيئا فشيئا لتلك الركلات, تتذكر بحزن و حنين سنوات عزها مع نفسها بعد أن يئست من تذكير هؤلاء القوم بمن كانت أيام الداي و الباي, أيام كانت تلك الحسناء في أوج قوتها محروسة بفرق الإنكشاريين صفوة جيوش العالم, كأنما هي مدينة ربانية مُحرَّمة. لقد سئمَت الصياح على أمل أن يتذكرها أحد فيأخذ بيدها و يُقبل جبينها معترفا بفضلها على كل تلك الأجيال و على تاريخ البلد القديم و الحديث. يكفيها أنها عاشت و شاهدت مرور القرون و صعود و انهيار حضارات و حواضر بأكملها كما تمر الأيام المعدودات على أحدنا, نحن الذين لم نقدر لها هذا العمر المديد و لم نوفها حقها من الاحترام بسبب ذلك.

 

لقد وجدت  نفسي في النهاية غريبا عنها بعض الشيء رغم أني لست كذلك إطلاقا, لقد حاولت طيلة اليوم التدقيق في وجوه جميع من صادفتهم في الشوارع لعلي أتعرف على أحدهم لكن دون فائدة, و نظرت إلى تلك الأماكن التي عرفتها و ألفتها و لعبت فيها و مررت عليها فوجدتها مليئة بأطياف لم أتمكن من لمسها أو الحديث إليها, كانت مجرد ظلال لأشخاص عرفتهم في وقت ما. لا مجال للعودة إلى الوراء للاستمتاع بما فات, لكن لم يبق لي سوى أن أحب هذه المدينة مهما حدث و مهما آلت إليه و مهما ابتعدت عنها فهي أمي في النهاية, و ستظل تعيش في وجداني حتى لو كنت في آخر العالم.

 

لقد انتهى يومي و قد وضعت رأسي ليلا على الوسادة بعد أن وضبت أمتعتي للرحيل باكرا في اليوم الموالي و العودة إلى دياري الجديدة, كنت أفكر و لا أزال أستحضر صور الماضي, صور الطفولة و الأصدقاء و الجيران. عجزت عن إيجاد الكلمات المناسبة لوصف تلك الحالة الوجدانية التي كنت أمر بها, لكنني وجدت العزاء في موسيقى رجل كوري شهير نبغ في العزف على آلة البيانو, فقد حملت مقطوعاته عني ثقل ما كنت أود كتابته من خواطر و أنا أعلم بأني لن أوفيها حقها من التعبير, لذلك استسلمت للأمر الواقع و نمت على وقع موسيقى الرجل, فرأيت في المنام و كأنني قد عدت إلى السكن في حي الطفولة, رأيت و كأن الجميع قد عادوا إلى بيوتهم و احتفلنا بذلك في جو بهيج ملئه الامتنان العميق بعودة أيام العنفوان و الطفولة في مدينتي الأم, تلك المدينة التي ستبقى دوما كما هي, شيء يشبه السحر, شيء سريالي, بصخرها العتيق, بجسورها الرومانسية, بهضابها و أراضيها المتموجة الواسعة و غاباتها التي تطوقها. سيبقى أثرها في النفوس دوما وقعه غريب لكنه حلو و ممتع و مطمْئن رغم رداءة الزمن و إهمال الناس, ستبقى دوما تخلق شيء ما في نفوس زوارها, شيء أنقى من هواء الفجر, أبهى من حلة نجوم الصيف, ألطف من أشعة شمس الخريف, أصفى من عيني الرضيع, أزكى من ريح النعناع, أرقّ من أجنحة الفراش و أقل بقليل من سعة رحمة الرب. تلكم هي حسناء الصخر, تلكم هي قسنطينة.

----------------------------

فنور أمير - البليدة في 14-10-2010.

Partager cet article
Repost0
24 mai 2011 2 24 /05 /mai /2011 22:13

Career_Development-1-.jpg

متى يتعلم الجزائري إفساح الطريق لنفسه ؟

    قرأت ذات يوم في أحد الكتب مقولة جميلة مقتبسة عن المفكر " رالف وامرسن " يقول فيها: إن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب ".

   استوقفتني هذه المقولة الصائبة مطولا و أنا أفكر في مدلولاتها العكسية التي نعيشها في واقعنا اليومي, لأنني قلت بأن غالبية الجزائريين يفتقدون لثقافة تعتبر من بين أهم الثقافات و أنماط التفكير التي يحتاجها كل إنسان في حياته, لأنها تعتبر من أساسيات صيرورة حياة كل عاقل, سواء على المستوى الشخصي و الفردي, أو المستوى الجماعي و المؤسساتي بمختلف صوره, هذه الثقافة هي: " ثقافة التخطيط و الأهداف ".

في الحقيقة لم أجد صعوبة في رؤية عشرات الأمثلة عن هذا الواقع المؤسف في حياتنا اليومية, و لآخذ الشريحة التي أنتمي إليها شخصيا و هي شريحة الطلبة الجامعيين كمثال. يمكن أن نسأل أي طالب في الجامعة إن كان يحمل أفكارا أو تصورات شخصية عن المسار الذي يسلكه و هل يملك رؤية واضحة ( هدف ) عن الواقع الذي سيخلص إليه عند إتمام دراساته العليا, و هل وضع كل ذلك موضع التنفيذ في خطة مرسومة من أجل الوصول إليه...., و قد التقيت شخصيا بزملاء كثر لا يعلمون حتى لم هم يذهبون إلى الجامعة يوميا, و هنالك نسبة أخرى من الذين يدركون لِم هم بصدد الدراسة, لكنهم يُعولون على عامل الغيب و ما يخبئه لكل واحد فيهم مستقبلا, أي أنهم جعلوا من مستقبلهم أحجار للنرد في يد الأيام و الأشخاص و الظروف ظنا منهم أن ذلك متعلق بالقدر...., بالمختصر المفيد أن لا أحد يملك خطة عمل خاصة به يقوم بتنفيذها من أجل الوصول إلى الهدف الذي يود الوصول إليه في حياته, لأنه و بكل بساطة فالهدف نفسه غير موجود أصلا أو غير واضح في الغالب, فكيف يمكن أن توجد خطة ؟.

لقد حاولت تفهم كل التفسيرات المحتملة التي قد يحاول الكثيرون تجنيدها من أجل  تبرير عدم اتخاذهم لنهج التخطيط ثقافة يسيرون بها في مختلف أوجه حياتهم, لكنني لم أجد ما يبرر ذلك كنتيجة نهائية, حتى عندما عدت إلى العوامل المركبة و المتمثلة أساسا في التربية سواء في البيت أو في المدرسة, و رغم أنهما ساهما في إنتاج هذه الأجيال العاجزة عن التخطيط و التسيير لأمورها و أمور غيرها, وجدت أن ذلك ليس كافيا من أجل جعلهما – أي الأسرة و المدرسة – السبب الرئيسي في هذه الظاهرة, لأنه هنالك أشخاص – على قلتهم – يعيشون بيننا و هم نتاج نفس البيئة الاجتماعية و الدراسية تقريبا, يمتلكون حس التخطيط لكل صغيرة و كبيرة في حياتهم و ينجحون فعلا في تحقيق أهدافهم, و هنا يمكن طرح السؤال على المتحججين: ما الفرق بيننا و بينهم ؟.

أما بالنسبة للحجة الأكثر سذاجة و التي تدفع بالبعض إلى عدم التخطيط لأمور حياتهم, و المتمثلة في أن الحياة تحمل دائما ظروفا و ملابسات و مفاجآت و عقبات تجعل من التخطيط مجرد هراء أمام قرارات القدر و واقعه المُسبق, إضافة إلى مُعوّقات الحياة و ظروفها غير المنتظرة...الخ. فهذا الطرح يثير شيئا من السخرية, لأنه إن لم تكن أشياء كتلك المذكورة أعلاه موجودة في حياة المرء, فما فائدة وجود شيء اسمه التخطيط أصلا ؟...

إن أول شيء لا بد لنا أن نعرفه هو أن التخطيط سلوك فطري يوجد في كل إنسان و أن كل فرد يخطط للكثير من صغائر حياته يوميا من دون أن يشعر بذلك, سواء كان من المتذوقين لهذا " الفن " أم من الساخرين منه. فنحن نعتمد على التفكير من أجل ترتيب الأمور التي سنقوم بها صبيحة اليوم الموالي, منذ لحظة استيقاظنا من النوم و على مدار السعات المتتالية, نحن نفكر و نرتب الأولويات, و ننضم الأفكار و القرارات المعبرة عن مختلف السلوكيات العملية التي سنقوم بها في وقت محدد, سواء في ذلك اليوم أو في مرحلة معينة....., لذلك نحن مُخططون بالفطرة و عموما هذا من بين أهم الفروق التي تفصل بيننا و بين البهائم.

لكنني أود أن أشير في هذا المقال إلى ذلك النمط من التخطيط الذي نفتقده كثيرا في حياتنا, و الذي يعتبر ثقافة قائمة بذاتها خاصة في هذا العصر, و أقصد به " التخطيط الاستراتيجي "... قد أبدو هنا أني أتحدث عن أمور أكاديمية لا تخص سوى النخبة الفكرية في المجتمع, لكن الأمر ليس بهذا التعقيد, فماذا يعني أن يكون الإنسان مخططا استراتيجيا في حياته هو قبل أي شيء آخر ؟.

ببساطة, هو أن يضع المرء لنفسه هدفا معين بدقة, بحيث يتلاءم مع واقعه الموضوعي وحاجاته التي يريد تحقيقها في أجل معين, و ما يلزمه هو خطة عمل مضبوطة من كل الجوانب, بحيث يحدد الإنسان قدراته و موارده إلى جانب نقائصه و عيوبه المختلفة, ثم يحدد الطريقة التي سيسخر بها تلك الإمكانيات و يعوض بها تلك النقائص للوصول إلى الغاية المسطرة, مع الأخذ في الحسبان عامل الزمان و المكان, و كذا افتراض أهم العقبات أو الطوارئ التي من شأنها خلق صعوبات في طريق تحقيق الهدف و اقتراح الحلول المسبقة لها, أي أن تتضمن الخطة قدرا عاليا من المرونة....لكن هل هذا ممكن في حياة جزائري اليوم, و هل يمكن له أن يصبح مخططا استراتيجيا لحياته ؟.

إن تتبع النمط العام الذي صار يفكر به الإنسان الجزائري لا سيما المواطن البسيط يبرز الكثير من المؤشرات التي قد تقف عائقا أمام نشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي في حياة الناس, و يبرز ذلك عندما نسأل أي مواطن أربعة أسئلة, يقول خبراء التنمية البشرية أنه إن تمت الإجابة عنها بسلام دل ذلك على أن صاحب الهدف مُخطط بالفعل و يستطيع تحقيق ما يهدف إليه إن وضعه عمليا في الفعل و أصرَّ على بلوغه. فبعد أن نسأل الشخص عن هدف مُحدد يريد تحقيقه, نطرح عليه التالي: لماذا ؟, متى و أين ؟, و الأهم: كيف ؟.

برأيي أن السؤال الأخير هو الذي سيبرز التناقضات الفكرية و النفسية التي يعاني منها الفرد الجزائري, فإن كان يعرف هدفه بالضبط, و يعرف لماذا يريده و أين و متى يُحققه, فإن الإشكال و العجز يبرز في " كيف يصل إليه " أي أنه يفتقد لخطة عملية, و عندما نسأل عن سبب افتقاد هذه الخطة الموضوعية قد نسمع العديد من الإجابات المحملة بالأعذار و النقد و التهكم و اللوم, التي تمس الظروف و الراهن العام اقتصاديا و اجتماعيا و سياسيا... كما قد تمتد لتمس الجانب الديني و العقائدي للتهرب من الواقع, و ذلك راجع إلى الطبيعة التي تقوم عليها العقلية الجزائرية, التي تعتبر نتاج لظروف كثيرة و متراكمة, لابد من النظر فيها. لكن يمكن تلخيصها في ثلاث نقاط على الأقل من أجل الاختصار, ثم ربطها بظاهرة افتقادنا لثقافة التخطيط:

-1 يقوم نمط التربية الجزائري عموما على الأوامر, أي أن الجزائري و منذ صغره يتلقى التعليمات حول ما يجب و ما لا يجب فعله, دون شرح موضوعي أو نقاش. فالأب و عند وضعه لهدف أو غاية ما تهم مصلحة الأسرة, فهو يخطط لذلك وحده, كما أن تسيير أمور العائلة الجزائرية عموما من اختصاص رب البيت أو الأبوين معا في أحسن الأحوال, دون إشراك الأبناء في ذلك و لو بصفة رمزية.

-2 يمتد الأمر إلى المدرسة, و هي البيئة الثانية بالنسبة للطفل بعد البيت, فمن الغريب أننا نرى المدرسة الجزائرية – و رغم كل الإصلاحات التي عرفتها – لم تتخلص بعد من العقلية " البافلوفية " في التدريس, و ذلك من خلال النمط الذي لا يزال المعلم و الأستاذ الجزائري يتعامل به مع التلميذ على أساس أن هذا الأخير مجرد آلة تتلقى المعلومات وفق قاعدة " مثير و استجابة ", و ذلك راجع – برأي كاتب هذه الأسطر – إلى أن الإصلاحات التي مست القطاع ركزت كثيرا على البرامج البيداغوجية و أهملت واقع تطوير ذهنية المعلم خاصة ( الجانب الإنساني و العلائقي ) في التدريس, و ما يحدث هو أن  المعلم الجزائري و في الغالب لا يزال في لاوعيه ينظر إلى التلميذ نظرة " شيئية " فيما يخص تلقينه المعارف, و يثبت ذلك في أنماطه السلوكية تجاه من يُدرس.

-3 عند النظر إلى السمة الأساسية التي يتميز بها المجتمع الجزائري و منذ القدم, نلاحظ أنه مجتمع عقائدي, أي أن الكثير من قيمه و أفكاره مبنية و منبثقة من أسس عقائدية و دينية, و من بين ما يعرف عن الجزائريين أنهم شديدو الاعتقاد بركن " القضاء و القدر " المشكل لأركان الإيمان المعروفة, و من ثم فهم يربطون كل صغيرة و كبيرة من حياتهم بهذا الركن, و مع التوارث الاجتماعي لهذه العقلية فقد عمل ذلك على جعل كل ما يحدث في حياتنا من عمل القدر, إلى درجة أنه خلق نوعا من الخلط المعرفي ( الذي عززته عقود طويلة من الاحتلال الناسخ و المدمر للهوية و الفكر ), الذي جعل الإنسان الجزائري لا يعرف تحديدا ما هو القضاء و القدر و ما هي المسؤولية الشخصية, فبات يخلط بين المفهومين في غالب الأحيان.                                                    

تلكم كانت ثلاث نقاط عامة تخص البيئة التي يترعرع و يعيش الجزائري في كنفها, و تفحصها عن قرب يجعلنا نخرج بعشرات الاستنتاجات عن الجوانب العقلية و النفسية الطاغية علينا كمجتمع,  و المؤدية إلى فهم الكثير من المشاكل, و يمكن إيجاز بعض هذه النتائج كما يلي:

-1 يجعل نمط التربية في الأسرة المذكور آنفا الفرد ينمو بطريقة " كبتية ", أي أنه ينمو و هو محروم من إبداع أفكاره و التعبير عنها و المشاركة بها في تسيير أمور الأسرة, ناهيكم عن أن التثبيط الاجتماعي الناجم عن الاستهانة أو السخرية من أفكاره يجعله مستقبلا غير جاد في اختيار توجهاته الشخصية وغير واثق من مواقفه... و بالضرورة " شخصا غير ملتزم بشيء ", فضلا عن جعله غير مهتم أصلا بالقضايا المطروحة التي تمس جماعته و من ثم تمسه شخصيا, فهو لا يشارك فيها عن قناعة ذاتية بل يفعل ذلك إما مُجبرا أو مُتكلفا.

-2 الواضح اليوم للعيان – خاصة الأساتذة الجامعيين بشكل خاص – هو العجز الغريب الذي يسيطر على عقولنا كطلبة في الإتيان بالأفكار و مناقشة المواضيع و التركيز الكامل على المادة المعرفية المطروحة علينا, فنحن لا نستطيع التحليل و الاستنباط و الإسقاط.... إلا بمساعدة ثقيلة من الأستاذ, و ذلك راجع إلى النمط التعليمي البافلوفي الذي سرنا عليه طوال حياتنا, و الذي جعلنا عاجزين عن الاستقلال بذواتنا المفكرة, فإن كنا كذلك – و نحن نخبة المجتمع و مستقبل مؤسساته , أو يُفترض أننا كذلك– فما بالكم بالأجيال العاجزة ذهنيا التي أنتجتها المدرسة الجزائرية من أصحاب التعليم المحدود ؟.

-3 عندما يترعرع المرء وسط مجتمع له أسس عقائدية صلبة جدا, أثرت عليها الأزمات و التناقضات المختلفة و المتتالية على مدار عقود, إلى درجة أن الأمور الدينية تختلط بالأمور الدنيوية بشكل التباسي, فإن الفرد يقع ضحية هذا الالتباس إلى درجة أن هذا الالتباس يصبح عقلية أو نمط تفكير مُورَّث قائم بذاته, و في الغالب تجعل هذه الذهنية أو هذا النمط المرء غير قادر على فرز نفسه بين أمرين مختلفين على شاكلة ما هو قدر من عند الله و ما هو مسئولية شخصية يتحملها العبد. و يتضح ذلك في أمور القضاء و القدر, التي جعلت حتى أكبر المسئولين في الدولة يلجئون في أوقات الكوارث إلى الاحتماء بمقولة: قدر الله و ما شاء فعل. بدل أن يواجهوا مسئولياتهم و يتحملون بكل موضوعية التبعات المنجرة عن تلك الكوارث, و هذه " الثقافة " صارت من بين أعمق الأسباب المشكلة للتهرب من المسؤوليات, و التهرب " اللاشعوري " من تأنيب الضمير لدى الجزائريين.

أية صفات و سمات عامة يمكن استخلاصها من النتائج المذكورة سابقا عن البيئة الفكرية و النفسية للجزائريين – أو غالبيتهم –  و كيف نربطها بانعدام ثقافة التخطيط الجاد لأمور حياتهم ؟.

الظاهر هو أنه صار لنا إنسان جزائري – و بعد كل ما ذكر أعلاه – تطغى عليه الكثير من العيوب و النقائص ( المعرفية و النفسية و السلوكية ) التي تعشش في عقله اللاواعي قبل الواعي, فلو طرحنا عليه سؤال حول عدم اتخاذه لثقافة التخطيط الاستراتيجي لأمور حياته نهجا يسير عليه, ستظهر لنا العديد من ردات الفعل التي تثبت أن الإشكال أعمق من مواجهته بطرق سطحية, و التي تبرز خلفها – أي ردات الفعل – كل تلك التراكمات القديمة و هي تعبر عن نفسها بشكل عنيف, لا يستشعره و لا يسمع صداه سوى الدارس أو الملاحظ المحنك في أعماق هذا الفرد المُنهك في الصميم, و أهم ردات الفعل المحتملة قد تبرز في الإجابات التالية على السؤال المطروح أعلاه:

- 1 هل أتعب نفسي في التخطيط و التدبير و إتباع كل تلك الخطوات – خطوات التخطيط الاستراتيجي – من أجل أمر أستطيع تحقيقه بدون كل ذلك ؟. ( الاستهزاء و الاستكانة فيما يخص أمور أو أهداف الحياة, فهذا قد يدل على طبع الجزائري غير الجاد و المستهين بما يُمكن أن تقدمه الأفكار الجادة, و ذلك قد يرجع أساسا إلى التثبيط الاجتماعي الذي مورس عليه في مراحل متقدمة من عمره ).

- 2 لدي هدف لكنني لا أعرف كيف أضع خطة إستراتيجية لبلوغه, ثم لست معتادا أصلا على تحقيق أهدافي بهذه الطريقة. ( هذا قد يدل على النمط الفكري و السلوكي العام الذي تربى عليه الفرد, و المتمثل في عادة قبيحة جدا تغلغلت في أذهاننا, و هي: الخمول الذهني و انتظار الآخر أن يقدم على شيء من أجل تقليده أو تثبيطه, و ذلك راجع إلى عيوب الأسرة و المدرسة ).

  - 3 من سيضمن لي أني سوف أعيش إلى اليوم الذي سأختم فيه تنفيذ هذه الخطة و أصل إلى الغاية ؟, فالأعمار بيد الله, و إن قدر لي أني سأحقق تلك الغاية فسأحققها بدون هذه الخطة المكتوبة على ورق. ( وهنا يظهر لنا الاضطراب المعرفي الذي يعاني منه البعض, بين حقيقة التوكل و التواكل, و هنا يحضرني سؤال لطالما طرحه الدكتور إبراهيم الفقي على هذا النوع من الناس: ماذا ستخسر أو ماذا سيضرك إن خططت بكل جد لتحقيق غاياتك ؟. و نضيف عليه: ثم ماذا لو أن الله قد كتب لك أن تعيش أكثر من مائة سنة ؟, ألن يعني ذلك أنك ستعيش قرنا كله تواكل و استكانة و كسل و تلاطم ؟ ).

  -4 إن طبيعة هذا المجتمع و مناخ هذا البلد لا يمكِّنا المرء من تحقيق أهدافه حتى لو استعان بأدهى خطة إستراتيجية. ( و هذه قد تكون إجابة أغلبية الناس و خاصة الشباب, و قد تدل على حالة الانهيار و الاستسلام التام للظروف الراهنة, يُضاف عليها ما أعتبره شخصيا من بين أسوء العيوب في الإنسان الجزائري المعاصر و هي: الندب و العويل على الواقع بدل " الاستمرار" في البحث عن الحلول لهذا الواقع, و هذا النوع من الناس هم الأحوج على الإطلاق لثقافة الأهداف و التخطيط, لأن عويلهم ذاك هو الذي يحمل بداخله كل أصناف بذور الأمراض النفسية و العقلية الخطيرة, التي نتجت عنها كل أنواع الانحراف السلوكي الذي أدى إلى كل ما عاشه البلد في العقدين الأخيرين....).

من خلال كل ما تقدم, حاولنا أن نضع فكر القارئ في صورة تقريبية تمكن من فهم أعمق للكسل الفكري الذي يعيشه الجزائريون دون أن يعوا غالبا بأنهم يعيشون تحت وطأته, و ذلك راجع إلى هذه النمطية التي تسيطر على المجتمع, و من بين تفرعات تلك النمطية الموضوع المعالج في هذا المقال, و هو ظاهرة افتقادنا للتخطيط الاستراتيجي في حياتنا, بدواع مختلفة لعل أهمها – بالنسبة للذين ليدهم أهداف واضحة يرغبون في تحقيقها بجد – أن الهدف يستحق إرادة مشتعلة لتحقيقه أكثر من خطة إستراتيجية مكتوبة على ورق..., و الحقيقة هي أن الهدف في حالة افتقاده لخطة واضحة و موضوعة بعناية – و مع مرور الوقت و تتالي عقبات الحياة الحتمية – سيضيع و يتبدد و يفقد صاحبه الرغبة إلى أن يستسلم أو يغير وجهته.

لكننا نخلص إلى أمر واحد يجعلنا نتفهم افتقاد الجزائريين لهذه الثقافة, و هو أنها غير موجودة أصلا في قاموسهم الحياتي المتوارث للأسف الشديد, و من ثم هي غير موجودة في سلوكهم و أسلوبهم الحياتي ككل, و ذلك راجع إلى ظروف تاريخية قد تبدأ منذ سنة 1830 إلى غاية هذا اليوم. و إذا أردنا استنتاج قريب من واقعنا الحالي, فيمكن القول أن التنشئة الاجتماعية منذ الطفولة, في الأسرة و المدرسة و المجتمع ككل, إضافة إلى الظروف السياسية و الفكرية و الثقافية العامة التي يعيش فيها البلد منذ 1962 قد كرّست هذه النمطية السلبية التي جاءتنا بهذا الفقر و العجز عن التخطيط لحياتنا كأفراد و كأسر.

 لا غرابة إذن أن نرى الشباب الجزائري ضائع بين أهداف مستحيلة المنال و رغبات بعيدة الإشباع, لأنه عاجز عن تحديد واقعه بموضوعية و أفقه بروية و العمل بمثابرة و صبر من أجل نيل ما يريد. و ليس من الغريب أن نجد الشباب الجامعي نادم على اختيار تخصصات تتناقض و قدراته أو استعداداته أو طموحاته, أطفأت دافعيته أمام ثقل المقررات و تحديات الدراسة و عيوب المنظومة..., و نرى نصف هؤلاء الطلبة مِمّن أجبروا على دراسة تخصصات لا يرغبون فيها, يستمرّون في الشكوى و اللوم و الاستسلام و السير نحو المجهول بدل محاولة التأقلم مع البحث عن حلول أنسب. و لا غرابة أن نصادف يوميا أشخاص و أرباب أسر غارقين في ورطة الديون و التسليف لأنهم لم يُحسنوا تقدير حسابات الحياة و تسيير مواردهم المالية أمام واقع البلاد الصعب. و لا غرابة أن نرى البلد برمته غارق في فوضى التسيير, مسؤول يبني و الآخر يهدم ليعيد البناء و هكذا دواليك....

و بعد كل هذا, ألا يجدر بنا أن نفكر في الأجيال الصغيرة التي ستحمل كل هذا الإرث العقلي و النفسي الثقيل و " الرهيب " ؟, لذلك لا بد لنا من التركيز على بعض الأمور من أجل إكساب الجزائريين الصغار المؤهلات المبدئية التي تزرع فيهم ثقافة التخطيط, لعل البيداغوجيين سيهتدون إلى خلق مادّة التفكير و التخطيط التي ستُدرّس في المراحل الابتدائية يوما ما ؟, لكن و إلى ذلكم الحين لا بأس من الإشارة إلى بعض الأفكار التي قد تنفع البعض في حياتهم:

- 1 لا بد أن يتعلم الأولياء إشراك أبنائهم في الحوار حول القضايا التي تهم الأسرة, مع تشجيعهم على إبداء آرائهم و التعبير عن مواقفهم و عدم السخرية أو الاستهانة بها مهما بدت قاصرة أو ساذجة, لأن هذا السلوك و رغم رمزيته التي لا تكلف شيئا, فإن نتائجه على الطفل ستكون عظيمة, لأن مجرد أن يجمع الأولياء أبناءهم حول طاولة مستديرة وُضعت فوقها فواتير الكهرباء و الغاز و الماء, يناقشون فيها الكيفيات التي سينفق بها الراتب العائلي.... فكل ذلك من شأنه أن يجعل الطفل يلمس عن قرب الواقع الاجتماعي الذي يعيشه, فيجعله يشعر بالمسؤولية تجاه مصاريف الأسرة, فيقلل من طلب الكماليات و التبذير..., و ذلك يؤهله ليكون مسئولا عن حياته مستقبلا و مدركا لحاجاته و كيفية تحقيقها و تسييرها...

- 2 لا بد على المعلم الجزائري فرض نوع من التنظيم داخل غرفة الصف, فإلا جانب انتخاب رئيس الصف و نائبه, يمكن تخصيص ساعة أسبوعيا يجتمع فيها الجميع مع المعلم, من أجل التخطيط لبعض الأمور أو النشاطات التي يتحفز لها التلاميذ و التي تسجل في أجندة القسم, بحيث يتفق الكل على كيفيات تنفيذها و آجال تحقيقها..., ناهيكم عن اجتماعات تناقش فيها تحديات الصف ككل أو مشكلات بعض أعضائه خاصة في الجانب الدراسي و كيفية معالجتها..., و هذا يشترط بعض الأمور, كأن تكون علاقة المعلم بتلامذته علاقة صداقة قبل أي شيء, و أن يكون ماهرا في الحفاظ على حماسة الأطفال و شغفهم بما يقومون, فكل ذلك يساهم في الارتقاء بثقافة التخطيط الفردي و الجماعي لدى الفرد و يدربه عليها, إلى جانب إدماجه في حركية الجماعة أو المجتمع الصغير الذي ينتمي إليه في سن مبكرة....

- 3 لا بد على الفاعلين الاجتماعيين بمختلف مستوياتهم و تخصصاتهم أن يعملوا على إيقاظ المجتمع من سباته الذهني, و أن يقنعوه أنه لطالما كان ضحية هذه النمطية – التلقائية أو ربما المُفتعلة (؟) – و أنه غالبا لم يشعر بها رغم وجودها القوي بسبب المشاكل و المشاغل, و سيطرتها شبه الكاملة على أفكاره و سلوكه. بحيث يتم إقناع الحد الأكبر من الناس بأن عيوب التربية و التوارث الاجتماعي للأفكار السلبية و التنميط السلوكي الخاطئ و عيوب المنظومات الاجتماعية و الثقافية و السياسية, هي من أوجدت هذا الأسلوب الحياتي القاصر الذي يصوغ في نهاية المطاف ما يُعرف " بالمجتمعات المتخلّفة ", و هو الأسلوب الذي يفتقد للكثير من الذهنيات العصرية التي لا بد على الإنسان تبنيها, لأن ذلك من شأنه وضع حد لعشرات أو مئات المشاكل التي يواجهها الإنسان, بمجرد أن يُدرك و يُسلّم بأنه ضحية تلك النمطية السلبية, و يقرر أنه سيبذل جهودا من أجل تحسين نفسه على جميع الأصعدة, كمواطن و كزوج و كأب و كمعلم و كمربي....

يمكننا القول في الختام أن المرء الذي يطمح إلى غاية ما, لكنه لا يملك خطة مرسومة من أجل تحقيق تلك الغاية, كمن يريد الذهاب إلى مكان ما لكنه لا يملك خارطة للطريق الذي سيسلكه. قد يعتمد على الحدس و الحظ في بلوغ هدفه و قد ينجح, لكن بعد أن يكون قد مر بالكثير من الطرق الخاطئة و المغلوطة التي تضاعف من عثراته و سقطاته و تأخذ منه ضعف الجهد و الوقت.

و المشكلة فينا كجزائريين أننا نضجُّ منذ عقود مشتكين كثرة العراقيل التي تملأ حياتنا و تمنعنا من تحقيق ما نريد, ناسين أن طبيعة الحياة هي العراقيل و التحديات, و حالنا هكذا كذاك الذي يشتكي مستسلما تحت هطول المطر بدل أن يبحث له عن مظلة. و  أعود إلى مقولة السيد وامرسن أعلاه, بأن العالم يُفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب, فقوله: العالم, يعني الحياة بكل ما فيها من تحديات و مشاكل و عقبات, و قوله: يفسح الطريق للمرء الذي يعرف إلى أين هو ذاهب. فقد ورد بصيغة المضارع, و يعني أن المرء مادام يدرك جيدا الطريق الذي يسلكه نحو هدفه و يدرك كل ما يوجد في هذا الطريق,  فإن الحياة و مع كل تحدياتها, لا تملك إلا أن تفسح له المجال لبلوغ غايته في النهاية, فمن لا يعرف طريقه في الحياة فإن أولى أولويات حياته أن يرسمه, أو كما قال المفكر "هايبل" ذات مرة: " إن لم أجد الطريق لصنعت الطريق. "

 علاوه أمير فنور – قسم علم النفس, جامعة البليدة – 21/11/2008

Partager cet article
Repost0
22 mai 2011 7 22 /05 /mai /2011 21:47

668054637 e5a922551a[1]

أمريكا بين جحيمين: التطرف الديني و البراجماتية

 

مرت قبل أيام الذكرى التاسعة لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول, و ككل عام وقف الأمريكيون في مانهاتن و واشنطون لتخليد الذكرى, وسط مزيج من المشاعر المختلطة, بين الحزن على من فقدوا, و عدم القدرة على نسيان أو تجاوز آثار تلك الصدمة, و الإحساس العميق بالغضب تجاه من تسببوا لهم في تلك المأساة. و طبعا ما يلاحظ كل عام هو تزايد الأسئلة بخصوص " الحقيقة الكاملة " و الأجوبة الشافية بخصوص تلك الهجمات المروعة, فهي تتضاعف عاما بعد عام بدل أن تنحصر و تنحصر, مما يدل على أن الحقيقة لا تزال جاثمة في مكانها, و أن الكثير من الأمور لم تكن واضحة قبل و بعد الأحداث, و هي أمور ظل الغموض يلفها من كل جانب ما عدى جانب واحد – بالنسبة لإدارة بوش وقتها و اليمين المسيحي حاليا –, و هو أن الإسلام هو المسئول الأول و الأخير عن أي مكروه يصيب أمريكا ؟.

 

و بسبب ذلك, دخلت أمريكا في حرب ضروس ضد القاعدة و طالبان في أفغانستان, و ضد نظام البعث العراقي, صارفة بذلك بلايين الدولارات على ما سمي الحرب على الإرهاب, حيث ظلت الأغلبية في الولايات المتحدة تعتقد أن ذلك الغزو الواسع كان كرد فعل طبيعي يكتسي الطابع الأخلاقي و القانوني, بعد ما فعله العرب في نيويورك صبيحة ذلك الثلاثاء الأسود. و لكن بالنسبة للبعض لم تكن تلك سوى البداية التي جعلتهم يطرحون على أنفسهم بعض الأسئلة, التي دفعت بهم للبحث عن الحقيقة بعد تيقنهم من أن إدارة البيت الأبيض و الترسانة الإعلامية و الدعائية الأمريكية عكفتا على إرباك و تضليل الجماهير الواسعة حول عدد من الحقائق المتعلقة بتلك الهجمات و الحروب التي تلتها. ليس أقلها إثارة للملاحظة هو المماطلة الغريبة التي ظلت تمارسها الحكومة الأمريكية فيما يخص سير التحقيقات الخاصة بهجمات مركز التجارة العالمي و وزارة الدفاع, و الأسئلة الكثيرة التي أثيرت حول تعامل إدارة بوش الابن مع كل التحذيرات و التقارير المخابراتية, التي أكدت جميعها على أن هجمات إرهابية كبيرة على وشك الوقوع على الأراضي الأمريكية بين صائفة و خريف 2001, لكن البيت الأبيض تعامل معها جميعا ببرود و عدم مبالاة, تذكرنا بنفس ما حدث يوم كان اليابان يجهز لغارات كاسحة على قاعدة بيرل هاربر في الحرب العالمية الثانية. و الأهم هو أن الأمريكيين ظلوا لأكثر من عقد من الزمن يواجهون العالم الإسلامي, ذلك أن بعض القوى و المؤسسات في الغرب ظلت تحشد كل الدلائل الموضوعية المؤكدة على أن مشاكل العالم الأمنية و هجمات مركز التجارة العالمي إنما مردها هو الشريعة الإسلامية.

 

إن البحث في حقائق ما حدث صبيحة الحادي عشر من سبتمبر و اندلاع هذه الحروب الدينية بين التطرف الشرقي و الديمقراطية الغربية تستلزم نظرة شاملة و موسعة على أوضاع أمريكا و العالم قبل هجمات 11/9, و التحقيق في المسار الذي سلكته تلك القوى للتطور. فقد يعتقد الكثير من الناس أن التزمت و التطرف الديني موجود فقط في العالم العربي و الإسلامي, الذي يرجع إلى القصور و الأخطاء في تفسير النصوص الدينية, و الذي غالبا ما يستغل عن قصد أو عن غير قصد في تبرير استعمال قوة التفجير و القتل من أجل فرض تلك الرؤى بالقوة داخل المجتمع و مؤسساته المختلفة, مع وجود الأنظمة الشمولية المستبدة – المدعومة من الغرب – التي تساهم في تعميق و توسيع تلك الأفكار و الأنشطة المتصلة بالعنف. غير أن المتيقظ سيلاحظ أيضا أن نفس تلك الظواهر ظلت موجودة و تتفاعل داخل الولايات المتحدة مستمرة في التصاعد, و ذلك طيلة سنوات السبعينات و الثمانينات, أو ربما أبكر من ذلك ( أي في نفس الفترة التي خلقت فيها الـ "سي آي إي" قاعدة الجهاد الإسلامي لمحاربة المد السوفيتي في أفغانستان ), فهل كان صعود التيارات الدينية المتشددة المتزامن في العالم الإسلامي و في الولايات المتحدة مصادفة ؟. و هنا لا بد من تصحيح الحكم المطلق الذي عادة ما يطلقه العرب على بلاد العم سام, القاضي بأنها بلاد إباحية لا وجود للدين أو الله في حياة شعبها كما هي الحال مع أوروبا التي التهمتها العلمانية التهاما, لأن ذلك غير صحيح, فأمريكا و إن كانت من حيث التصنيف تعد من البلدان الغربية الديمقراطية, إلا أنها تتفرد عن أوروبا بخاصية التدين لشرائح واسعة من الشعب.

 

هذه الملاحظة خلص إليها الباحث الجزائري " نور الدين قلاله " أستاذ العلوم السياسية بجامعة الجزائر, خلال زيارته العملية لأمريكا, التي نشرت على شكل ريبورتاج مطول في صحيفة الخبر الجزائرية بتاريخ 29/07/2004, حيث يقول بأن الانطباع الأول الذي يمكن أن يأخذه أي مواطن عربي على الشعب الأمريكي أنه شعب يبيح الجنس كما يبيح شرب الماء ( كما هي الحال في هولندا أو الدانمرك مثلا ), لكن عادة ما يتحول هذا الانطباع إلى اكتشاف جديد و غريب في آن واحد, الأمريكيون محافظون جدا و أحيانا إلى أبعد الحدود. و يسرد الباحث أمثلة عن القوانين و التشريعات القاضية بمواجهة الترويج المباشر أو المبطن الذي تمارسه شركات الدعاية و الإشهار للجنس و الروح الإباحية, و هو عكس ما يحدث في أوروبا, مما يوحي بوجود معارك قانونية و أخلاقية مستمرة و مد و جزر داخل أمريكا حول هذا الموضوع.

 

إن هذه الملاحظة تعفينا من طرح تلك الاستفسارات المحيرة و المربكة حول حقيقة الدين في المجتمع الأمريكي و توضح الرؤية لعقولنا نسبيا على الأقل. لكن ما يهمنا – للرد الموضوعي على افتراءات اليمين المسيحي القائلة بأن الدين الإسلامي يمثل خطرا على العالم – هو معرفة أفكار هذا اليمين العقائدية, و مدى انتشاره في الولايات المتحدة, و مدى تأثيره في صياغة السياسات الداخلية و الخارجية لواشنطن و من ثم العالم ؟. فوصول هذا اليمين المتطرف إلى منصب الرئاسة لأكثر من مرة, ليس سوى انعكاس و ثمرة منطقية للجهود الكبيرة التي ظلت تبذلها الكثير من الجماعات و المنظمات الإنجيلية اليمينية في هدوء خلال عقدين من الزمن, عندما كان العالم مشتت الذهن جراء الحرب الباردة, حيث ظلت تروج لفكرها اللاهوتي المتشدد عبر شبكات علاقات عامة و وسائل إعلام مسموعة و مرئية و مقروءة و وسائط تربوية مختلفة.

 

تقوم هذه المذاهب على نبوءات توراتية – إنجيلية بشكل جلي, و فكرتها الأساسية هي أنه في زمن حيث تسيطر الشياطين و الوحوش على الأرض و تتحكم في حياة الناس عبر التفكك و الانحلال الخلقي و اختفاء الله من حياة الناس, يكون الوقت قد حان لمعركة " هارمجدون " التي ستنشب بين إسرائيل التي تمثل ملكوت الله على الأرض و بين جيرانها يأجوج و مأجوج, و بأنها – وفقا للنصوص الإنجيلية – ستكون مهولة و مدمرة, حيث ستمطر السماء نارا و تذوب الحجارة و تنسف الجبال – و قد تم تأويل ذلك على أنه إشارة للقنابل الذرية – و جراء ذلك سيبيد العرب و اليهود بعضهم بعضا, قبل أن يأتي يسوع المسيح مع جيش من القديسين و الكائنات السماوية التي ستتشكل منها نفوس المسيحيين الأتقياء, لخوض المعركة و القضاء على الأعداء, و إنقاذ ما تبقى من اليهود الذين سينحنون أمام عظمة المسيح, و يعتنقون النصرانية.

 

فنرى بداية الخطوط العريضة لهذه العقيدة: أرض الميعاد, شعب الله المختار, عودة المسيح المنتظر, معركة هارمجدون, إبادة يأجوج و مأجوج, المُلك الألفي..., و كلها نبوءات ترتبط بشكل مباشر مع أمن و وجود و استمرار دولة إسرائيل, إضافة إلى حدث عالمي مهول ( حرب نووية ) كشرط لتحقق نبوءة هارمجدون التي تعتبر ركيزة هذه العقائد. و من هنا ترتسم أمامنا أهداف تلك الجماعات التي عملت و لا تزال تعمل على تحقيقها داخل النسيج الاجتماعي الثقافي الأمريكي, و هي صياغة توجه أتباع تلك الطوائف روحيا و عاطفيا ليكون في صالح التجند و الدفاع عن الدولة العبرية التي أقيمت على الأراضي العربية منذ عقود. و من بين تلك الأمثلة هي الجهود التي بذلتها شخصيات دينية متطرفة سنوات الثمانينات, كالزعيم الإنجيلي " جيري فولويل " الذي أسس منظمة " الأغلبية الأخلاقية " أواخر السبعينات, لتكون من أشد المنظمات اليمينية المتطرفة تأثيرا على الإدارة الأمريكية وقتها و على الرئيس " رونالد ريغان " نفسه.

 

في هذا السياق, تضع الدكتورة " سالمة شعبان عبد الجبار " أستاذة علم مقارنة الأديان بجامعة الفاتح بطرابلس – ليبيا, مجموعة من المعطيات التي استقتها في بحثها عن الإنجيليين, الذي نشر في مجلة كلية الدعوة الإسلامية, تثبت بما لا يدع مجالا للشك, أن التطرف الديني الأمريكي لا يقل خطرا, إن لم نقل أنه أخطر بكثير من التزمت الديني الإسلاموي, لعدة أسباب, و أهمها هو أن هذه التيارات ظلت تبذل جهودا جبارة للنفوذ و التأثير في المؤسسات و التوجهات السياسية و العسكرية " لأقوى دولة في العالم ". بحيث تعطي الباحثة الليبية بعض المعطيات الإحصائية نقلا عن الكاتبة الأمريكية " غريس هالسيل " التي تعمقت في بحوثها عن الطوائف الإنجيلية الأمريكية سنوات السبعينات و الثمانينات, لتخرج بكتابها الشهير " النبوءة و السياسة ", الذي اعتبر حينها صرخة تحذير من خراب العالم على أيدي فولويل و أمثاله من المتطرفين المسيحيين. و تنقل سالمة شعبان عبد الجبار عن هالسيل قولها أن:

 

- 30 بالمائة من الأمريكيين يعتقدون ( كانت هذه النسبة سنوات الثمانينات ) بأن تدمير الأرض عبر حرب    نووية ( معركة هارمجدون ) هو السبيل الوحيد لعودة المسيح المخلص إلى الأرض.

- 61 مليون أمريكي كانوا يستمعون إلى الوعاظ من الطوائف الإنجيلية التدبيرية.

- كانت هناك 1400 محطة دينية تنشر تلك الأفكار.

- كان القس فولويل يبث برنامجه " ساعة من الإنجيل " عبر 600 محطة في أنحاء العالم.

- معظم المدارس الأمريكية كانت ( و ربما لا تزال ) تعلم أصول التدبيرية و لاهوت هارمجدون.

- تلك المدارس كانت تجهز مائة ألف طالب ليصبحوا قساوسة يبشرون بهذه المذاهب.

 

إن إلقاء نظرة معمقة على هذه المعطيات يُذهب اللبس المتعلق بوصول مرشحي هذه الطوائف إلى مراكز اتخاذ القرار الخطيرة, حيث يصبح الأمر مفهوما و منطقيا, بالنظر إلى الجهود التي بذلتها تلك المنظمات طيلة أكثر من عقدين, لتشكيل هذه الأرضية الانتخابية الواسعة التي تسيل لعاب أي مرشح لمجلس الشيوخ أو الرئاسة حتى لو كان بوذي المعتقد. و تعتقد هالسيل أن تلك المجموعات تشكل لوبيات حقيقية مستقلة عن المخطط الصهيوني, الذي تسانده لوبيات أخرى كـاللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة ( أيباك ), لكن اللوبيات المسيحية – الصهيونية تشكل مرادفات لنظيراتها اليهودية داخل البنية السياسية الأمريكية. فقد ظل قساوستها يغتنمون فرص اجتماعاتهم مع الشخصيات السياسية في المناسبات المختلفة لتدعيم و تثبيت معتقداتهم, لحماية إسرائيل حتى و لو كان ذلك على حساب مصالح الشعب الأمريكي الحقيقية. فهم يحاولون دوما إصباغ الأحداث و الظروف الدولية العامة بالإشارات و الرموز المذكورة في أسفار التوراة و الأناجيل القريبة منها, و يدعون أنها مطابقة تماما لما يحدث في العالم و في الشرق الأوسط تحديدا.

 

إن أخطر ما في هذه العقيدة المتطرفة لا يكمن في تأكيدها لأتباعها على حقيقة تسخير أمريكا لإمكاناتها المالية و العسكرية و العلمية للدفاع عن وجود إسرائيل ضد يأجوج و مأجوج ( القوقاز و الفرس و الترك و العرب ), كواجب ديني و التزام أخلاقي فحسب, بل إن الخطر الحقيقي الكامن وراء هذه العقيدة هو نجاحها في إقناع ملايين الأمريكيين, بما فيهم الرؤساء كريغان و بوش و بوش الابن, بأن تفجير حرب نووية و " إبادة الملايين من البشر " يمثل تحصيل حاصل و شر لا بد منه لتحقيق النبوءات التوراتية, و دفع ( إجبار ) المسيح المخلص للعودة إلى الأرض. أو كما قالت سالمة شعبان نقلا عن هالسيل بأن التيار المسيحي الصهيوني قد نقل معتقداته من حيز الإيمان إلى حيز " العمل بفعل الإيمان ". بمعنى أن هذه الأطراف لا تؤمن فقط بحرب عالمية ثالثة تستخدم فيها أسلحة الدمار الشامل, بل تعمل هي نفسها من أجل تجهيز الظروف الدولية لاندلاع تلك الحرب. فنفهم أخيرا لماذا لا يمكن للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أن تصل إلى حل شامل و عادل, و لماذا لا يستطيع العالم التخلص من آفة السلاح النووي, و لماذا لا يمكن إجبار إسرائيل على التخلص من قنابلها الذرية و لا ثني إيران عن المضي قدما في تطوير برامجها النووية, و نوقن بأن هؤلاء الذين يتحدثون عن السلام في المنصات المضاءة هم أنفسهم الذين يتلقون التعليمات لصناعة الحروب و التوترات في الكواليس المعتمة, لاعتقادهم – كما تخبرهم عقيدتهم – أنهم كمسيحيين لن يعيشوا تلك المأساة التي سيعيشها العرب و اليهود عندما ينقض بعضهم على بعض في ساحة المواجهة, فقد تبدو هذه الفكرة مروعة و مخيفة لكثير من المسيحيين الذين يُعتبر التمتع بالحياة أحد أصول التفكير لديهم في هذا العصر المادي, فإن كانت الأرض ستتخرب بفعل كارثة نووية, فهذا لن يشجع أي عاقل للسعي نحو هذه المأساة و خصوصا إن كان مسيحيا .

 

لكن هذه المشكلة قد تمت معالجتها منذ عقود وفقا لأقوال و تفسيرات القس " سايروس سكوفيلد " الذي عاش في القرن التاسع عشر يؤسس لهذه المذاهب الهدامة, حيث كان يقول في إنجيله :" إن المسيحيين المخلصين يجب أن يرحبوا بهذه الحادثة لأنه فور أن تبدأ المعركة النهائية، فإن المسيح سوف يرفعهم إلى السحاب، وإنهم سوف ينتصرون، وإنهم لن يواجهوا شيئا من المعاناة التي تجري تحتهم". و هكذا حُلت مشكلة الذعر و التردد تجاه هذا الحدث التخريبي العظيم, و صار بإمكان المؤمنين أن يعملوا لها بنفوس و ضمائر مطمئنة.

 

و في هذا السياق, جاءت هجمات 11/9 بعد كل تلك السنوات من العمل على تجهيز ملايين الأمريكيين ذهنيا و روحيا لهذه الحرب, لتكون القطرة التي أفاضت الكأس. الإنجيليون في أمريكا كانوا يبحثون عن ذريعة تاريخية كهذه ليعلنوها صراحة حربا مقدسة على الإسلام, فمن المنطقي أن الرئيس بوش الابن كان يدمج الخطاب الديني في كثير من الخطب السياسية, و لنا في هذا الكثير من المصطلحات التي اشتهر بها كالفاشية الإسلامية, الحرب بين الخير و الشر, محور الخير و محور الشر أو الظلام..., و الأهم من كل هذا أنه و بعد تسعة أعوام من تلك الأحداث, لا يزال المخيال الجماعي لغالبية الأمريكيين – بسبب البروباغاندا المتقنة – يجد صعوبات في التخلص من الجمع بين تلك الهجمات و بين العنصر العربي أو الشريعة الإسلامية, ظنا منهم أنهما السبب فيما حدث. لكن السؤال الذي طرحه كثير من اليقظين في الغرب هو: لماذا سارت الصدف و لا تزال تسير في صالح " تحقيق " – و ليس تحقق – نبوءات اليمين المسيحي الأمريكي ؟, فأي صدفة هذه التي فتحت الباب على مصراعيه أمام الانتقام الأمريكي اللامحدود من أعداء أمريكا ( أعداء المسيح ) دون الحاجة إلى اللجوء أو الاعتراف حتى بما يسمى الشرعية الدولية ؟. و الحال أن الجميع يعلم أنه في عالم السياسة الدولية تعتبر " الصدفة " من أكثر المصطلحات إثارة للسخرية. فقيل حينها: فلنكن واقعيين و نمعن في التفكير, من كان أكبر مستفيد من تلك الهجمات ؟, أحقا هم العرب ؟. هل حقق بن لادن و أتباعه شيئا غير هزهم لِعش الدبابير ؟, و لصالح من ؟...

 

قبل عدة أعوام – في شهر أبريل 2002 كأقرب تقدير –  كانت صحيفة الخبر الجزائرية قد أجرت حوارا مطولا مع محقق و كاتب فرنسي يُدعى " تيري ميسان ", و هو اللقاء الذي كان قد أثار حفيظة السفارة الأمريكية في الجزائر آنذاك, و التي هددت بمقاضاة الصحيفة لنشرها الحقائق التي جاء بها المؤلف الفرنسي في كتابه المثير " الخدعة الرهيبة ", و كان السفير الأمريكي حينها قد رد في مقال مترجم له على صفحات نفس الجريدة رافضا كل ما جاء في الحوار. فتلك كانت سابقة في تاريخ علاقة السفارة الأمريكية مع الصحافة الجزائرية, مما يؤكد أن الناشط الفرنسي كان يقلق الأمريكيين حقا. حيث أنه و بعد الهجمات على مركز التجارة العالمي و مقر الجيوش الأمريكية, انطلق ميسان في رحلة بحث طويلة لجمع خيوط هذه القضية الخطيرة ,التي جعلت من أمة و ديانة بكل ما لهما من تاريخ و رصيد حضاري يفوق عمر و وجود الدولة الأمريكية بقرون في قفص الاتهام الباطل. و لكي يٌبعد عن نفسه تهمة الهوس بنظريات المؤامرة الكلاسيكية, اعتمد ميسان في جمعه للمعلومات على المصادر المادية الموثقة ( التقارير و البيانات و تسجيلات الندوات الصحفية و التعليقات الحكومية الصادرة من الحكومة الأمريكية نفسها ) و الحقائق الموضوعية ذات الصبغة التقنية و العلمية المحضة ( اللجوء إلى خبراء صناعة الطائرات و الملاحة الجوية و الهندسة المعمارية ) لفهم ما حدث صبيحة ذلك الثلاثاء.

 

فبعد بحث معمق و طويل, خرج المحقق الفرنسي بكم هائل من الدلائل الموضوعية التي تثبت تورط مسئولين سامين و رؤوس كبيرة في الإدارة الأمريكية في تلك الهجمات و لو بصفة غير مباشرة. فقد أثبت ميسان – على سبيل المثال – و بدلائل علمية دامغة و حسابات رياضية مضبوطة مدعمة بملاحظات محايدة لخبراء الطيران, أنه لم تسقط أية طائرة ركاب ضخمة على مبنى البنتاغون, و إنما يتعلق الأمر بتفجير أرضي داخلي ( صاروخ ). كما أثبت أن الأجهزة الاستخباراتية كانت على علم دقيق بموعد الهجمات و لكنها لم تفعل شيئا من أجل إنقاذ أرواح الأبرياء الذين قضوا في تلك الصبيحة. كما يكشف الكاتب و بوضوح تلك الثغرات العجيبة و التناقضات المضحكة في تصريحات و أقوال أكابر المسئولين الأمريكيين و رواياتهم بخصوص الأحداث, و التي لا تدع مجالا للافتراض أنها كانت بفعل الصدمة التي تسبب فيها الهجوم..., و من بين تلك الأمثلة ما يمكن اعتباره أشهر زلة لسان في التاريخ السياسي على الإطلاق. ففي مؤتمر صحفي بعد الهجمات بأسابيع, أجاب الرئيس جورج والكر بوش المعروف بغبائه السياسي الفاضح عن سؤال بخصوص المشاعر التي انتابته ,عند إبلاغه بأن مركز التجارة العالمي يتعرض لهجوم بطائرات مختطفة, ففي خضم الإجابة التي نقلها تيري ميسان, قال بوش و بالحرف الواحد: " كنت جالسا خارج الفصل ( كان في زيارة لفصل دراسي في فلوريدا ) في انتظار لحظة الدخول... ثم رأيت طائرة تصطدم بالبرج...ثم نُقلت ( إلى الفصل ) و لم يكن لدي الوقت للتفكير في ذلك...فدخل آندي كارد سكرتيري العام و قال لي: طائرة ثانية صدمت البرج, لقد هوجمت أمريكا ".

 

إنها الإجابة التي صَعقت الجميع, فالرئيس كان قد شاهد في  وقت سابق في مكان مُغلق رفقة بعض رجاله الطائرة الأولى و هي تنطح البرج الأول, في حين نعلم جميعا أن أولى الفرق التلفزية التابعة للقنوات الإخبارية, كانت قد وصلت إلى عين المكان بعد دقائق من ذلك لتبدأ في البث المباشر لما يحدث, أي قبل ثوان من اصطدام الطائرة الثانية بالبرج الثاني الذي شاهده العالم ذلك اليوم ؟؟؟.

 

و هكذا خلص ميسان في سياق عرضه المطول في كتابه للحقائق و الثغرات التي تم التكتم عنها أو إهمالها, إلى أن القيادة الأمريكية كانت على علم بالمكان و الزمان الذي ستقع فيه الجريمة, بل و سعت لخلق ظروف تؤدي إلى تخفيف الأضرار البشرية بأكبر قدر ممكن. لكن طبعا, و لاعتبارات متعلقة بما يسمى " منطق الدولة " ( المصالح الوطنية ) فقد انخرط الجميع في هذه المسرحية. فالهجوم على أمريكا في عقر دارها كان يمثل فرصة غير سابقة من أجل الانطلاق في تنفيذ المشاريع المختلفة التي كانت في أجندة لوبيات النفط قبل تلك الأحداث بوقت طويل, كما كانت الفرصة الحقيقية لإنعاش و تنشيط المجمع الصناعي العسكري مرة أخرى, بعد الركود النسبي الذي مسه بعد انتهاء حرب البلقان عام 1999. و الأهم من ذلك هو أن خوض تلك الحروب سيلقى دعما شعبيا لا مشروطا هذه المرة, أو يُنفذ رغما عن أنوف الجميع في أسوء الأحوال.

 

كما أن الاستخدام السيئ و الأناني للمعلومات المخابراتية المختلفة التي كانت تنذر بوقوع الحادثة من طرف كبرى الجماعات الصناعية الأمريكية, ليطرح تساؤلات عديدة عن مدى الاختراق و النفوذ الذي حققه رجال الصناعة و البنوك داخل المؤسسات المخابراتية و الأمنية وداخل دواليب السلطة في الولايات المتحدة. فآل روكفيلر مثلا, و هم الذين يمثلون واحدة من أكبر تكتلات المال و النفط في أمريكا و العالم, كانوا على علم مسبق بوقوع أحداث كبيرة ستؤدي إلى مد أنابيب النفط و الغاز في منطقة القوقاز. فهنا نجد ذلك التداخل المعقد بين المال و الأعمال و السياسة و الأمن القومي.

 

قد يعلل أي مسئول أمريكي التواطؤ الواسع و الرهيب الذي حصل في هذه الحادثة التاريخية – إن لم نقل المشاركة في التآمر على تنفيذها – أنه كان شر ظرفي أصاب أمريكا من أجل خيرها المستقبلي الدائم, و قد يعلل أيضا الحجب المستمر للحقيقة عن الرأي العام في الولايات المتحدة كون الجماهير هناك لا تستطيع التفقه في أمور السياسة فهي لا تعرف ما يصلح و ما لا يصلح لها. و سيقال أيضا أن التضحية بثلاثة آلاف أمريكي كثمن لمستقبل زاهر لثلاث مائة مليون أمريكي يبدو صفقة عادلة و منطقية من المنظور الاستراتيجي الشامل. و طبعا سيكون الاتهام الباطل و الحرب الشرسة التي شنت على أفغانستان و العراق و باكستان و لبنان و غزة – و أقطار أخرى قادمة على اللائحة – بذريعة محاربة البعبع الإسلامي اتهامات لها ما يبررها كذلك, و هو أنها, من المنظور الديني لقادة أمريكا من أتباع الطائفة الإنجيلية, شر آخر لا بد منه لحماية ملكوت الله على الأرض ( إسرائيل ) إلى حين وصول الفوضى المصطنعة في الشرق الأوسط الكبير حدا لا يمكن معه إصلاح الأمور أبدا, حيث يكون الخيار الأوحد يومها هو الحرب الكبرى كحل نهائي و شامل... و لا يهم حياة ملايين العرب و اليهود إن كانت ستزهق, فالمهم هو تحقيق النبوءة و الأجندات و المصالح جنبا لجنب. ففي النهاية هي حروب من أجل الدين و الدنيا.

 

إن التفكير فيما اقترفه النظام الذي يحكم الولايات المتحدة, سواء ضد شعبه أو ضد شعوب أخرى, باسم الدين و باسم المصالح, يجعلنا نخلص إلى أنه لا يختلف كثيرا عن أشد الأنظمة عنفا و قمعا و دموية في العالم الثالث, إنما الاختلاف الوحيد يكمن في شكل القمع. و الفضل في هذا الاستنتاج يعود إلى المفكر الأمريكي " نعوم تشومسكي " الذي يعتقد أنه لا فرق بين الهراوة الديكتاتورية و الدعاية الديمقراطية. فإن كانت هراوة البوليس هي الطريقة المناسبة لفرض الواقع و الأفكار التي تريدها الأنظمة الشمولية قسرا على شعوبها, فإن الدعاية الإعلامية هي الوجه الآخر لهذه العملة  داخل أمريكا, فالمجتمع هناك لا يزال يتخبط في الظلام داخل أفكاره اللاهوتية المتطرفة تارة, و اعتقاداته و أحكامه الخاطئة ضد الإسلام و المسلمين تارة أخرى, بفعل سطوة الدعاية على الفكر الجمعي للجماهير, إضافة إلى منطق البراكماتية القاتلة الذي لا يزال يعشش في مؤسسات الدولة, و نفوذ و جبروت رجال البنوك و الشركات المتعددة الجنسيات و تسخيرهم إمكانات الدولة لتحقيق مصالحهم الشخصية, و ما يمثله كل هذا من خطر تحويل بلد جميل بمبادئ عظيمة كأمريكا إلى العدو الأول للحرية و الأمن في العالم.

 

------------------------------------

 

علاوه أمير فنور- مدينة البليدة – الجزائر في 16-09-2010.

 

هذه المقاطع تثبت أنه لم تقع أية طائرة على مبنى البينتاغون

 

إلى متى سيظل الشعب الأمريكي المسكين و بعض من سذّج العرب و المسلمين يصدقون كلام ساسة أمريكا ؟؟
  
 


 

 

Partager cet article
Repost0
21 mai 2011 6 21 /05 /mai /2011 22:39

AH_4-05-2008_Noam_chomsky-1-.gif

يا ليتني التقيت ناعوم تشومسكي…

استضاف برنامج " حوار مفتوح " الذي بثته قناة الجزيرة أمسية السبت 17-07-2010 عالم اللسانيات و المفكر الأمريكي الكبير نعوم تشومسكي, لمحاورته و معرفة رأيه في بعض القضايا التي تخص مشاكل الشرق الأوسط, و الصراع العربي الصهيوني, و كذا دور الغرب عموما و الولايات المتحدة الأمريكية خصوصا فيما حدث و يحدث على الأرض حتى الآن.

لقد انتظرت بفارغ الصبر هذا العدد, لأني من جهة لم اكتشف هذا المفكر النابغة إلا قبل نحو ستة أعوام خلت, و لم أكن أعلم بوجود شخص اسمه نعوم تشومسكي له إرث فكري صار اليوم يسمى " التشومسكية ", لكن معرفتي بالرجل زادت أثناء دراستي في الجامعة, حيث اكتشفت نظريته الشهيرة المستعملة في علم النفس اللغوي, و المسماة " نظرية النحو التوليدي – التحويلي " التي أعترف بأنني لم أستطع حتى الآن استيعاب كل مضامينها... لكنني فقط كنت أشعر بالفضول الشديد و الرغبة في رؤية الرجل على الشاشة الصغيرة و هو يخوض في حيثيات الصراع في الشرق الأوسط و السياسة الخارجية الأمريكية, بل زادت حماستي عندما قدم مديع البرنامج عددا من الطلبة و الأكاديميين و الناشطين, الذين أتى بهم خصيصا ليطرحوا أسئلتهم على المفكر و يغتنموا هذه الفرصة التي لا تعوض, للأخذ بآرائه و التفاعل معها, و تعلم منه بعض أساليب التفكير و التحليل المنطقي, و رؤية الأحداث بمنظار مخالف لذلك الذي بُرمجنا منذ نعومة أظافرنا للنظر من خلاله إلى العالم, و بالأخص إلى قضية العالم الأولى, القضية الفلسطينية... ذلك المنظار الذي فرضته أنظمتنا الشمولية على عقولنا.

لقد تحمست كثيرا لأن رأسي كان يفيض بالأسئلة التي افترضت أني قد أتقاسم بعض منها مع أثنين أو ثلاثة من الحضور عن طريق الصدفة, فيطرحونها على المفكر الكهل, الذي بدى محافظا على لياقة و سلامة فكره رغم تقدمه في السن, أكثر منا نحن شباب هذه الأيام..., فقد كان يتحدث بهدوء الأساتذة الجماعيين و هو يستعمل إيماءات يديه مدليا بدلوه في القضية الفلسطينية و السياسات الأمريكية و الصهيونية, التي طالما عبر عن معارضته الشديدة لها رغم أنه يهودي الديانة و المنشأ و التربية..., حتى أنه لم يجد أي حرج في الاعتراف بمناقضته لنفسه, عندما عارض مفهوم ازدواجية المعايير في سياسة بلده الخارجية ليُنبهه المقدم أنه قد أشار إلى هذه الفكرة في مؤلفه " أوهام الشرق الأوسط ", ليرد عليه الرجل بكل واقعية و تواضع: " إذن كان ذلك خطأ مني ".

عندما أتاح المقدم الفرصة للشباب ليطرحوا نظرتهم لموضوع الصراع العربي الصهيوني أو يطرحوا استفساراتهم على المفكر, قمت برفع مستوى صوت جهاز التلفاز و أنا أمعن السمع, راجيا أن أكون على نفس التردد الذهني مع أحد الطلبة, فيجعل الرجل يُشبع فضولي تجاه مواضيع المؤسسات المؤثرة في صناعة الفكر و الإيديولوجية و القرار داخل الولايات المتحدة, بخاصة الجامعات و المعاهد و وسائل الإعلام, أساليب تأثيرها على الرأي العام و كيفية صياغة أفكاره و حالاته العاطفية و توجيهها لتحقيق الأهداف الخارجية, و كيف استطاع صناع القرار في واشنطن خداع الجماهير طيلة هذه السنين حول حقيقة البعبع العربي و الإسلامي المفترض, رغم الفضائح والفشل الأخلاقي الذريع في العراق, و كيف أن غالبية الجماهير هناك لا تزال تصدق – بعد كل الذي حدث – أسطورة الدولة الخيرة و الديمقراطية التي تمثل أمريكا دورها, و إن لم تكن هنالك فرص حقيقية لتغيير السياسات الأمريكية تجاه العرب و تجاه الإسرائيليين, من منطلق أن تنظيم و نفوذ اليهود و غير اليهود من أتباع الفكر الصهيوني الذي يُصاغ و يُشرب في الجامعات في الولايات المتحدة, لا يمكن مقارنته مع " الظل " العربي, فما هي الحلول المقترحة برأي المفكر...أقصد ماذا يجب على العرب و عرب أمريكا و خصوصا النخبة أن يفعلوا, مادامت أمريكا كالثور, يتبع راعي البقر الذي يومئ إليه بأكبر كمية من الشعير, و لا يمكن لأحد أن يروضه إلا إذا امتلك الحبل الأطول و الأمتن ؟؟؟؟؟...

العشرات من الأسئلة راحت تهطل على رأسي في تلك اللحظات, التي تمنيت فيها لو كنت حاضرا في الأستوديو رفقة الجماعة, لكن فوضى الأفكار تلك هدأت فجأة و عم الصمت رأسي, بعد أن بدأ الشباب مداخلاتهم. و الحقيقة هي أني حتى الآن أحاول تفهم المنطق الذي فكر معظم المتدخلين وفقه, لأن مداخلات بعضهم كانت – بكل صراحة و مع كل احترامي – شبيهة بتلك الخطابات العربية الجاهزة التي نسمعها عادة في المناسبات الرسمية في قمم و اجتماعات جامعة الدول العربية الفاشلة.

راح شاب فلسطيني أمضى بعض السنوات في الولايات المتحدة يتحدث عن أمله في أن تتعايش الديانات الثلاث, الإسلام, المسيحية و اليهودية بسلام في أرض فلسطين, و ساق في خضم الحديث أمثلة عن الفترة التي قضاها في بلاد العم سام, و كيف أن له أصدقاء نصارى و يهود, و كيف أن أحد أقربائه متزوج من يهودية...., لا أعلم لما ذكرتني كلماته بتلك الكلمات الرنانة الهوامية التي يرددها بعض من قادة العرب ممن يوصفون بالتيار المعتدل, الذين لا يزالون متمسكين بمبادرة السلام العربية التي تم التصويت لها في قمة بيروت قبل سنوات.

عقب البروفيسور تشومسكي على هذا الحديث " الحِلو " معربا بأنه و من المبدأ, الكل يرغب في ذلك, لكن الأهم هو أن كل ما قيل يبقى حتى هذه اللحظة " مجرد كلام ", و بأننا نحتاج أن نركز على الواقع الحقيقي و المعاش, و البحث عن الحلول العملية التي قد تساهم في إنهاء هذه الحرب, لأن هذه الأحاديث ذات الطابع الشعري و الشاعري لا تنفع في تغيير شيء, و هي أقرب إلى الأحلام و الأوهام. يمكنني في هذه اللحظة أن أكتب في هذه الكلمة و أظل أكتب عن أحلام السلام و السعادة و الهناء و الرفاه للعرب و اليهود في أرض الرب مسقط رأس المسيح.... لكن بعد أيام و أيام من الكتابة أو الحديث عن ذلك و بعد أن يمل الجميع و أمل من نفسي, يأتي السؤال الكبير.." و ماذا بعد ؟, هل تغير شيء على أرض الواقع ؟...". هذا ما حاول الأستاذ أن يُفهمه للشباب, و كأنه كان يلمح لهم بأن يطرحوا عليه أسئلة "عملية " تفضي إلى نقاش بناء و تجاذب حقيقي في الآراء, قد نحصل من خلاله على رؤى واقعية و منطقية مختلفة حول ما يتوجب عمله لإنهاء هذه المجزرة المستمرة منذ ستين عاما.

جاء تدخل شاب شامي آخر مناقض لحديث صاحبه, و هو يتناول قضية حل الدولتين, و هي الفكرة التي لم يستسغها صاحبنا فكان مضمون كلامه أن الحل الوحيد هو قيام دولة فلسطينية على كامل أرض فلسطين التاريخية – و هي أمنيتنا جميعا في الحقيقة – و أن يعمل الإسرائيليون على الاندماج فيها و الخضوع لسيادتها و قوانينها – أو هكذا فهمت من كلامه – و صدقوني لم أفهم في أي زمن يعيش هذا الفتى ؟, قلت في نفسي: بربك يا صاحبي, هذا الكلام كان يمكن أن يستساغ و يُقبل بل و يحق لنا لو أننا كنا نصنع أسلحة الدمار الشامل و حاملات الطائرات, و كان ناتجنا الوطني الخام يعادل نصف الناتج الخام العالمي, و كان مدار الكرة الأرضية مليئا بأقمارنا الصناعية المدنية منها و العسكرية, و كانت لغتنا و ثقافتنا معروفة في كل مكان لتأثيرها العلمي قبل تأثيرها الأدبي... كانت إسرائيل ستذوب من تلقاء نفسها و يعود سكانها اليهود إلى البلدان التي قدم منها آباءهم و أجدادهم من تلقاء أنفسهم.

فعقب تشومسكي على كلام الشباب و هو يلمح مرة ثانية إلى ضرورة أن يكون حديثهم واقعيا أكثر, و بدل هذه الكلمات الهوامية يجب أن تكون هنالك أسئلة جادة و موضوعية تمس الواقع على الأرض مباشرة. لكن لا فائدة, فقد عاد الشاب مرة أخرى بنبرة فيها التحدي و الإصرار و هو يقول بأنه يُفضل أن يظل الوضع على حاله طيلة قرون قادمة, على أن يقبلوا بالاعتراف بدولة إسرائيل بجانب دولة فلسطين و لو لمدة يوم واحد, حيث طغت العاطفة القومية على تفكيره أكثر من المنطق و الموضوعية التي جاءنا بها تشومسكي. و هو حديث ذكرني مرة أخرى بتلك الخطابات الناصرية و البومدينية و الصدَّامية التي لا نزال إلى اليوم نسمعها بين الحين و الآخر من بعض القيادات العربية – العاجزة عن إيجاد الفارق على أرض الواقع – رغم أن زمن الإتحاد العربي الفعَّال قد تداعى, فالدول العربية اليوم مستعدة للنيل من بعضها البعض من أجل مباراة كرة قدم ؟. فالشاب صاحب التدخل لم يفهم أنه لكل مقام مقال, و أن هذا النوع من الأحاديث حول ضرورة الاستمرار في المقاومة و القتال و التضحية و الصمود, يمكن أن نتناجى به مع بعضنا البعض كعرب و كمسلمين – خاصة و أننا الطرف الأضعف حاليا – أو نورثه لأبنائنا, تماما كما يناجي الصهاينة بعضهم بعضا و يورثون لأبنائهم في المدارس و المعابد فكرة الاستمرار في القتال من أجل دوام إسرائيل, مهما كلف ذلك من مؤامرات و جرائم, بالرغم من أنهم يتحدثون في العلن عن السلام و التسوية...., أو على الأقل كنا سنقبل بتلك العبارات المتحدية لو أن جورج والكر بوش أو بنيامين نتنياهو كان جالسا مكان ذلك الرجل المسالم, ففي النهاية يبقى الفلسطينيون هم أصحاب الحق الأول و من حقهم قول ذلك.

و أنا متأكد تماما من أنه لو خير أي مواطن غزاوي بين قيام دولة له ذات سيادة إلى جانب إسرائيل أو أن يستمر الوضع على حاله مدة قرن و نصف, لاختار الاقتراح الأول من دون تردد, لأن واقع الحرب و الإبادة و الجوع و الشقاق الداخلي ليجعل الإنسان العادي يفقد إيمانه و مفاهيمه الوجودية, فما بالكم بخياراته و قناعاته السياسية.

في نهاية المطاف وجدتني أتجرع خيبة الأمل بعد الذي تأكدت منه, حتى أن البرنامج نفسه ظهر فاقدا لمعناه الحقيقي, لأن الشباب لم يأتوا ليبحثوا عن حلول و يستلهموا استراتيجيات, بقدر ما جاءوا لينفسوا عن مشاعرهم و يعبروا عن أحلامهم أمام رجل لا يملك سوى وجهات نظر. و هو أمر يمكن أن نتفهمه بالنسبة لشاب يائس يعيش في المخيمات أين يحاصره العدو و الشقيق.., و يمكن أن نتفهم موقف ألائك الذين تمسكوا بخطابات الأنظمة الشمولية التي لم تعد تعني شيئا في الواقع العملي, لأن هذه الأنظمة عاجزة تماما عن فعل شيء يتطابق مع خطاباتها العنترية, فهؤلاء الشباب تربوا هكذا و أشربوا هذا التفكير المتحجر منذ أيام المدرسة الابتدائية. كما يمكن تفهم ذاك الذي تحدث عن أحلام التعايش السلمي في مملكة الله الوردية لأنه عاش في بلد يعيش شعبه في عالم فكري مثالي, دون أن يعلم حقيقة ما يحدث خارج حدوده الجغرافية, و هو الفرق الذي لاحظه الشاب فجعله يتساءل بحيرة جارفة: لملا نستطيع أن نعيش مع اليهود في فلسطين كما نعيش معهم في الولايات المتحدة ؟...

لكنني ببساطة تأكدت من الميوعة الفكرية التي يسبح فيها العقل العربي – الجامعي أو النخبوي – اليافع, فهو عاجز حقا عن الاستبصار و عاجز حتى عن تعلم أساليب التفكير المنطقي التي لا تدع مجالا للعواطف الجارفة, بل تضبط تلك العواطف من أجل خلق حالة عقلية متوازنة, تمكن من رؤية الأمور كما هي في الواقع و البحث لها عن الحلول المناسبة و الممكنة و ليس الحلول الخرافية..., جميعنا نتألم لما نراه يحدث في غزة و بغداد و الفلوجة..., لكن لو تركنا حياتنا تسير فقط بذهنية الألم و التألم و الغضب ثم نبني ردات فعلنا على كل ذلك, فنحن فعلا نرهن مستقبل هذا الصراع لصالح الطرف الآخر, الذي فهم سر هذه القضية و عمل على تكريسها في أنفسنا حتى من دون أن نشعر بذلك. كان الأحرى بالشباب – لو كان لهم زاد كاف حول حقيقة الصراع في الشرق الأوسط و السياسات الأمريكية – أن يضعوا غضبهم و امتعاضهم و حزنهم جانبا لبعض الوقت في حضرة أشخاص كنعوم تشومسكي, من أجل التركيز على الحل بدل إصرارهم على التركيز على الانفعال. و لو كنت مكانهم لطرحت هذه الأسئلة على الرجل بصفته ضليعا في السياسات الأمريكية الخارجية, من أجل معرفة آرائه في مواضيعها, بغض النظر عن كوني سأتفق معه أم لا:

ما الذي يجمع رجال اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة و رجال مجلس العلاقات الخارجية, و ما الذي يفرقهم ؟. ( المصالح التي تجمعهم و المصالح التي تفرقهم ).

هل هنالك تداخل أو ازدواجية في الانتماءات بالنسبة لأتباع كلتا المؤسستين مع بعضهما البعض ؟ ( هل نجد رجال الأيبك في الـ "سي أف أر" و العكس أم لا ؟ ) و كيف يؤثر ذلك في سياق صراع الشرق الوسط ؟.

هل يقوم مجلس العلاقات الخارجية على مفاهيم براغماتية محضة ( تحقيق مصالح اقتصادية بحتة ) أم هنالك خلفيات فلسفية و عقائدية محددة تسير المنتسبين إليه ؟. ( عقائد توراتية أو أنجيلية متطرفة ).

ما هي حظوظ النخبة الأمريكية من أصول عربية للانضمام لمجلس العلاقات الخارجية و غيره من المؤسسات النافذة في صناعة القرار ؟, و هل تستطيع أن تحدث التغيير في " مفاهيمه " الخاصة بصراع الشرق الأوسط, و الدلالة على قصور و حتمية سقوط  النظريات و المفاهيم التي روج لها الجانب الصهيوني, خاصة على مستوى الجامعات و المعاهد المنتجة للإيديولوجية ؟.

إن لم تكن لهذه النخبة حظوظ, فما هي الشروط الأساسية التي قد تساعدها على إنشاء تكتلات موازية, لها القدرة على التأثير في أفكار الشارع الأمريكي و البيت الأبيض لصالح قضايا العرب, دون أن تضر بمصالح الولايات المتحدة ؟... و كم سيستغرق ذلك من زمن ؟..

إن تحقق ذلك, فهل سيؤشر على حتمية زوال الأنظمة العربية الحالية و استبدالها بأنظمة شرعية و ديمقراطية, أم قد يؤدي إلى العكس, أي إلى صراع بين هذه الأنظمة و الولايات المتحدة ؟. و كيف سيكون وضع إسرائيل في الحالتين ؟.

-----------------------------

علاوة أمير فنور - طالب بقسم علم النفس - جامعة البليدة - الجزائر في 20-07-2010.

Partager cet article
Repost0
21 mai 2011 6 21 /05 /mai /2011 22:30

haqiqa3-1-.gif

نظرة صغيرة على إشكالية اللغة و الهوية في الجزائر

 

تعتبر اللغة من أهم العناصر التي تميز الكائن البشري إن لم أقل أنها تعد أبرز سمة تصنع تفرد البشر عن باقي المخلوقات, و قد بات معلوما في الأوساط العلمية إلى أي حد تؤثر اللغة على الفكر و من ثم على السلوك رغم أنها من نتاج الفكر في حد ذاته, فاللغة و باعتبارها نظاما معقدا من الرموز التي تحمل في طياتها مختلف المعاني و المدلولات على كل الأشياء المجردة و العينية, تبقى من أهم المنافذ المستخدمة من أجل الولوج إلى عمق الثقافة و البيئة الاجتماعية للناس بل و صِياغتهما و توريثهما, و بالضرورة الولوج إلى حقائق الفكر الإنساني في حد ذاته.

 

لكن ماذا لو عدنا لنلقي نظرة على واقع اللغة و علاقتها بالفكر و السلوك وسط المجتمع الجزائري ؟, و هنا يتوجب علينا الإشارة إلى بعض التصنيفات التي يطرحها علماء اللغة و اللسانيات عن العالم العربي, و هي أنهم يدرجون نسقين لغويين يسيطران على المجتمع العربي, و هما " فصحى التراث " التي يستخدمها أفراد المجتمع بشكل محدود في بعض الأنشطة العرضية كالمطالعة مثلا, أو يستخدمونها في بعض المواقف الرسمية كاستخراج الوثائق الإدارية, أما النسق اللغوي الثاني فهو " فصحى العُمر التي تضم اللهجات العامية " و هي الأكثر انتشارا من النسق الأول, إذ أنها تُستعمل في الحياة اليومية للناس من أجل تحقيق مصالحهم و الاتصال و التواصل فيما بينهم....

 

 و لو ألقينا نظرة بسيطة عن واقع اللغة في المجتمع الجزائري سنكتشف جملة من الميزات التي تظهر على هذا الواقع, و يمكن أن نخلص إلى بعض هذه الملاحظات في النقاط التالية:

 

1- يُمكن تمييز أربع أنساق لغوية منتشرة في المجتمع الجزائري بدل اثنين, و هي: اللغة الفرنسية – رغم أن انتشارها يخص بعض الدوائر الضيقة و بعض القطاعات الإدارية –, اللغة العربية الفصحى, اللغة الأمازيغية وفق تفرعاتها الجهوية, و اللهجة الدارجة.

 

2- بالنسبة للسان الأمازيغي فهنالك إشكال عالق في أوساط علماء اللغة و اللسانيات في الجزائر, و هو الجدلية القائمة بخصوص ما إذا كان يتوجب تصنيف هذا النسق اللغوي في خانة اللغة, أو تصنيفه في خانة اللهجة بسبب افتقاره إلى نظام رمزي هجائي و قواعد نحوية و صرفية موحدة بين جميع مستخدمي هذا النسق على المستوى الوطني, لذلك يرى البعض أنه مجموعة من اللهجات المحلية.

 

3- بالنسبة للهجة العامية الجزائرية, فهي مزيج هائل مستمد من العربية الفصحى و الأمازيغية و الفرنسية و حتى بعض الرواسب اللغوية التركية, فهي أكثر نسق يُمكن لنا الخروج منه بملاحظات كثيرة و بعض هذه الملاحظات:

 

- أ  يُلاحظ أن التراكيب اللسانية العامية المستمدة من اللغة الفصحى قد تم تحويرها على مستوى النطق عن طريق الحذف بشكل خاص, مثلا: تحوير كلمة " يستقصي " ( يسأل أو يبحث ) إلى " يسقصي ".

 

- بـ  بالنسبة للتراكيب المستمدة من الفرنسية فقد تمت قولبتها لتماشي اللسان الجزائري العامي, و لو أمعنا الملاحظة في بعض الكلمات العامية سنجد أنها من أصل فرنسي تمت إعادة صياغته على الأوزان اللغوية العربية, مثلا: كلمة " كاييه " الفرنسية ( كراس ) قد اندمجت تماما في الدارجة الجزائرية بعد أن تغير نطقها قليلا عن أصلها, كما صار جمع هذه الكلمة على وزن عربي خالص " كايِيات "...

 

- جـ  كما تأثر اللسان الأمازيغي باللغة العربية الفصحى و أخذ منها الكثير من التراكيب و المصطلحات, فهو نفسه أعطى الدارجة الجزائرية الكثير من التراكيب و العبارات, مثلا: يُقال عادة عن الرجل الشهم في المجتمع الجزائري بأنه " درغاز " و هي عبارة أمازيغية من أصل " آرغاز " التي تعني الرجل أيضا, إضافة إلى بعض التراكيب اللغوية القديمة المستمدة من التواجد التركي بالجزائر, مثل عبارة " بقشيش " ذات الأصل التركي التي تعني في المفهوم الجزائري" الرشوة ".

 

- د  بسبب الشساعة الجغرافية للجزائر و اختلاف أنماطها المعيشية و الثقافية باختلاف مناطقها, فالدارجة الجزائرية نفسها تختلف بأشكال طفيفة أحيانا و متفاوتة أحيانا أخرى بحسب تقارب المناطق من بعضها أو العكس, سواء على مستوى التراكيب أو المضامين أو على المستوى النطقي و الصوتي, فسكان الغرب الجزائري مثلا لهم فنونومات ( النغمات الصوتية ) مختلفة عن فنونومات سكان الشرق حتى في التراكيب و العبارات المشتركة....

 

 بعد جملة هذه الملاحظات القليلة و المُبسَّطة, و بما أنه لا يوجد شك في أن اللغة تشكل عاملا رئيسيا في صياغة هوية و ثقافة أي مجتمع, يُمكننا الوصول إلى واحد من أهم أوجه أزمة الهوية العميقة التي يعيشها المجتمع الجزائري, و نحن هنا نأود الدخول إلى الواقع المُعاش مباشرة دون الحاجة للحديث عن الخطابات الرسمية التي تُشدّد على الهوية الجزائرية, بأنها تلك العناصر الثلاث المشكلة من العروبة و الأمازيغية و الإسلام...

 

هناك ملامح أزمة هوية متراكمة, بدأت أولى فصولها مع وقوع الجزائر في قبضة الاحتلال الفرنسي, و ما عمل عليه هذا الأخير من طمس و محو و محاربة و نسخ لكل ما هو جزائري طيلة تواجده, مرورا بالتناقضات و التوجهات الإيديولوجية التي ميزت الفكر الجزائري المعاصر أيام الحركة الوطنية و الثورة و التي بقيت حزازاتها قائمة بعد الاستقلال, و التي جعلت بدورها من انطلاقة دولة الاستقلال الفتية تكون عرجاء من الأساس, و المشكلة هي أن الصراع الإيديولوجي بين الدوائر أو النخب الفرنكوفونية و الدوائر المُعرَّبة في دواليب النظام قد ألقى بنتائجه و تبعاته لاحقا على القالب العام للبلد, و الذي أثر على قالب العقل و الشخصية الجزائرية ككل.

 

إضافة إلى كل ذلك فقد لعبت سنوات الأزمة و الفوضى الجزائرية الدور الرهيب في تكريس ابتعاد المجتمع عن الاهتمام باللغة الفصحى التي تقلص دورها في حياتنا إلى الحد الأخطر, و الذي نؤشر عليه هنا بتلك الركاكة المؤسفة و ذلك العجز المخيف عن خلق لغة عربية سليمة و صحيحة لدى التلميذ و الطالب الجزائري, باعتبارهما ينتميان إلى أوسع و أكثر شريحة تتعامل مع اللغة الفصحى في المجتمع. هذا الابتعاد عن الاهتمام بتلقين اللغة العربية – لغة المجتمع الأصلية – أفضى إلى نتيجة أساسية, غيرت من منحى الأزمة اللغوية الجزائرية و من ثم غيرت المنحى المعرفي و النفسي للشخصية الجزائرية في حد ذاتها.

 

فمن المعلوم أن الدارجة أخذت الكثير من الفصحى طوال عقود, لكن الابتعاد التدريجي عن الاهتمام بالفصحى و إهمال تدريسها وفق خطط و استراتيجيات علمية و منهجية سليمة, أفضى في العشرين سنة الأخيرة إلى قطع الطريق و الصلة بين الفصحى و الدارجة,  و من ثم فإن الفرد الجزائري الذي وجد نفسه غير ملم بلغته الفصحى, و مع تزايد اهتماماته و مشاكله و مشاغله و التغيير الكبير الذي حصل في نمط حياته العقلية و النفسية و الاجتماعية بسبب التغيرات التكنولوجية العالمية..., وجد أن لهجته العامية ما عادت قادرة على التعبير عن كل تلك الاحتياجات و ذلك الواقع, فكان له أن قام بتكييفها و تطويرها لكن دون الرجوع إلى مصدرها الأول ( العربية ) لأنه فقد الصلة به, بل من مصدر آخر و هو لغة المستعمر التي عادت لتغزو بيته و عقله و أفكاره ,عن طريق الفضائيات الفرنسية التي أحكمت قبضتها على الفكر و المجتمع في الجزائر طيلة عشرية التسعينيات, قبل أن تساهم الثورة الرقمية في الحد منها في العشرية الأخيرة, و هذه حقيقة يوقنها الجميع.

 

و لو أن دراسات مقارنة أو إحصائيات أجريت بخصوص اللسان العامي و اللهجة الدارجة الجزائرية فيما يخص أصول تراكيبها و مصطلحاتها, بين عقد السبعينات و عقد الثمانينات و عقد التسعينات, قد نلاحظ عندئذ التغير الهائل و التحول العميق من استعارة تلك التراكيب من اللغة الفصحى إلى استعارتها من اللغة الفرنسية, خاصة في المجالات المرتبطة بالأنشطة التجارية و الخدماتية و العلمية.

 

إن شل التطور الديناميكي للهجة العامية المبني على الأخذ من اللغة الفصحى و الذي كان آخر الخطوط الهشة للدفاع عن شخصية المجتمع, و تفعيل أخذها لتراكيبها و مصطلحاتها من اللغة الأجنبية, يشكل أحد أهم الوجوه المبطَّنة لتقدّم عملية تفكك الهوية الوطنية و القومية كمفهوم و كقيمة كبيرة في ذهن الإنسان الجزائري, و برأي كاتب هذه الأسطر, فهو لا يعتقد أن سبب هذا التيهان يعود إلى التنوع اللساني و اللغوي في الجزائر, الذي يرى البعض أنه سبب هذا العجز الواقعي في العثور على الإحساس الجامع بالهوية الوطنية و تقاسم عيشه بين جميع الجزائريين, لأنه في كل الأحوال كان يمكن أن يستثمر ذلك التنوع لخدمة الفكر و المعرفة و الثقافة الشعبية, من أجل الحفاظ على تماسك كينونة المجتمع, و بالضرورة خدمة الوحدة الوطنية و حماية الأمن القومي في النهاية, لولا التخلي عن اللغة القومية نفسها و إهمال مكانها و دورها, فالمشكلة ليست في التنوع بعينه بل في رؤية البعض لما يُمكن أن يفعله ذلك التنوع من زاوية سلبية من جهة, و من جهة أخرى إصرار البعض الآخر و في أعلى مستويات المسؤولية في مناصب اتخاذ القرار, على الاستمرار في تهميش اللغة العربية الفصحى, و غياب إرادة حقيقية لتوطيد مكانة اللغة الأمازيغية الطبيعية بما يكفل لها الانتشار المُمنهج و التطور الحتمي, و عدم وجود سياسة واقعية و حقيقية و مشروع ضارب من أجل إعادة بناء و تشكيل تدريجي للروح اللغوية العربية و الأمازيغية في الذهن الجزائري.

 

إن المشكلة و التحدي الأساسي الذي يطرح نفسه في قضية اللغة و الهوية في المجتمع الجزائري, ينطلق أساسا من عدم فهم القائمين على شؤون البلد تماما كالمواطنين, بأن سر الوصول إلى هوية وطنية حقيقية و متجذرة قائمة على لغة المجتمع الفصحى أو الأصلية, لا ينطلق مما تقدمه كتب اللغة في الابتدائيات و الإعداديات, بل ينطلق أبكر من ذلك بكثير في المجتمعات ذات التنوع اللساني على شاكلة المجتمع الجزائري, أي مع بدء الطفل في اكتساب لغة محيطه العامية و التي عن طريقها تبدأ معالم علاقته المستقبلية بلغته الفصحى تتشكل, لكن الأمر يتوقف على مدى ارتباط لهجته الأولى مع تلك اللغة الأصيلة, دون نسيان الحديث عن التنشئة الاجتماعية و نفوذ وسائل الإعلام و موادها ( وطنية– قومية أو أجنبية ) على عقل المواطن, يضاف لذلك الحالة الثقافية و الفكرية في

البلد و مدى ارتباطها بنفس المصدر الأول دائما: " اللغة ".

-------------------------------

 

علاوة أمير فنور – طالب بقسم علم النفس – جامعة البُليْدة.

البليدة- الجزائر في 09-11-2009.

Partager cet article
Repost0
19 mai 2011 4 19 /05 /mai /2011 23:09

solitude-1-.jpg

أرمل في الغربة.

يمر اليوم على مهل, يستمر الناس في عملهم, كل منهمك في ما يتقن عمله, مع بعض الدقائق المسروقة لبعض العبث و الثرثرة في أشياء تبدو سخيفة قياسا إلى الهواء الثقيل الذي يميز هذه الأيام, إنه هواء لا يشجع على الثرثرة بقدر ما يُجبر على السكوت و التأمل فقط, إنه هواء يدخل إلى رئتي ذاك الرجل الجالس في مكتبه محمّلا بنكهة من الكآبة يستشعرها بأنفه قبل أن تصل إلى قلبه المحطم. أجل, هكذا صار للهواء نكهة كذلك.

غريب أن ندرك أننا لا نفقه في فن السعادة و القناعة شيئا إلا في حالات الكوارث, حين يصير للزمن الماضي الذي كنا نكرهه أو نعتقد أو نوهم أنفسنا عبثا بأننا نكره, يصبح فجأة هوسنا الوحيد عندما نفقد شيئا عزيزا و غاليا على قلوبنا, قد يكون شخصا, أو شيئا, أو مكانا, أو أي شيء مما قد يتعلق به قلب المرء. لذلك يجد ذاك الرجل الكئيب صعوبة في معايشة إيقاع كل هؤلاء القوم الذين يحيطون به في مكان عمله المليء بالمكاتب و الضجيج المختلف, أصوات الهواتف و الآلات الناسخة و قطاعات الورق و أصوات الأحاديث و التعليمات و بعض الصراخ, يتخلله من حين لآخر ضحكات في الزوايا هنا و هناك.

لقد أنه عمله لهذا اليوم, رغم ذلك فقد جلس لدقائق معدودات في مكانه و قد شرد ذهنه قليلا بعد أن خرج من ذلك المكان عبر النافذة التي تبرز خارجها الأبراج و الأبنية الضخمة ذات الواجهات الزجاجية و المرايا العاكسة في تلك المدينة الصاخبة المزدحمة. في الماضي كان لا يطيق الأمر على ما هو عليه و يغتنم كل فرصة تتاح له من أجل الهروب نحو الجبال و الغابات البعيدة, خارج هذه الطاحونة العملاقة التي يعيش و يشتغل بداخلها, عله يحصل على بعض الهدوء و السكينة مع من كانت ذات يوم من أكبر مصوغات صموده و كفاحه في أرض الغربة الغريبة هذه. أما اليوم فقد صار يعيش نقيض ذلك, صار يخشى الأماكن الهادئة لأنها تذكره بالكثير مما لا يستطيع قلبه الكسير تحمله بعد أن قطع كل هذا الشوط المؤلم المليء بالصبر... ليس حبا في الصبر, ففي بعض الأحيان تصبح هذه الفضيلة غير مرغوبة و ربما ملعونة من طرف البعض, و عندما يتذوق المرء عذابا لا يطاق,لا يملك إلا أن يتشبث بها مرغما و ليس حبا فيها.

إنه وقت خروج ابنته الصغيرة من المدرسة, عليه أن يكون هناك بعد دقائق, لذلك يتنهد لحظة ثم يغلق حاسوبه و ينهض و هو يحمله حقيبته و سترته مغادرا المكان, يوزع تلك البسمة الباردة المصطنعة التي التصقت بوجهه بشكل آلي و صارت جزاء من ملامحه, فقد علمه هذا المجتمع أن يبتسم كأبسط حق عليه تجاه الآخرين. و في كل مرة يحدث له هذا و خاصة عندما ينظر في عيونهم و وجوههم الممتلئة ببسمات طبيعية مشرقة, يساوره شيء من الشك... كيف لهم أن يبدوا لي تلك الابتسامات الحقيقية... هل نسوا مصابي ؟؟؟. قبل أن يتذكر... لقد مضت ثلاثة أشهر و نيف على ما حصل, لذلك لا يملك إلا أن يعذرهم, ففي النهاية هو أيضا يتظاهر بأنه على ما يرام و قد بدأ يعود إلى حياته الطبيعية. و الحقيقة هي أنه كان يعود تدريجيا إلى حياته الطبيعية عندما كان في وطنه مع أهله, بين ذلك الحضور المميز و المبهر للعائلة الكبيرة و الأصدقاء في مثل تلك المناسبات و الأوقات الصعبة, كاد يظن أنه بدأ يتأقلم مع خسارته لولا أنه عاد مضطرا إلى ديار الغربة هذه, أين لا يمكن لأعضاء مجلس الإدارة, الحيتان الكبيرة, أن يتسامحوا مع أي تأخر بعد انقضاء مهلة الأوراق و القوانين... الوقت هو المال, تكفي رسالة تعزية صغيرة مسحوبة من الآلة الطابعة ليتم تبرير بقايا التكافل الاجتماعي و المشاركة الوجدانية عند هؤلاء القوم.

عندما وصل إلى المدرسة كان الفتية و الفتيات يتهافتون على المخرج في فوضى و اضطراب, كل يتجه إلى سيارة مركونة تنتظره. بعضهم كان يهرع مباشرة إلى حضن والده أو والدته و هو ما نشأت عليه البنت الصغيرة منذ زمن, فقد وُلدت و كبرت هنا في هذا البلد البارد. لكنها هذه المرة لم تهرول إلى حضنه كما كانت تفعل. فقط تقدمت إليه و هي ترمي ببسمة خفيفة و صعدت إلى المقعد الخلفي تحكي له عما فعلته و ما قامت برسمه و ما قالته للمُدرسة و ما قالته لها زميلتها... قصص الصغار. ترى هل تجاوزت تلك الصدمة ؟.. يسأل نفسه و هو يرمي بنظره إليها بين اللحظة و الأخرى يتظاهر بأنه ينصت إلى مغامرات يومها في المدرسة.

ربما هو الشيء الوحيد حتى الآن الذي يحمل شيئا عن العودة إلى الحياة الطبيعية... هذه الثرثرة الصبيانية. رغم أن جرحا عميقا قد وقع, ففي تلك اللحظات التي ينظر فيها إلى ابنته في المرآة يدرك فعلا و بحق أنه ينظر إلى صبية يتيمة لا يزال محتارا في كيفية تربيتها وسط هذه الغربة القاتلة و الخطيرة, فيمتقع وجهه و يكفهر و تعود كل تلك المشاعر المنغصة التي أمضى يومه يحاول تناسيها عبر إجهاد نفسه في العمل... أنى له أن يعثر على أم بديلة, أمّ شرقية ؟. الشقراوات الكاسيات العاريات و الفارعات الطول في هذه البلاد لسن الخيار الملائم, فقد ظل يشهد على نساء و رجال هذا المجتمع و خاصة في مكان عمله, انجذاب و حب جنوني عنيف في بادئ الأمر, سرعان ما ينقلب إلى تململ بعد إشباع الرغبة... فخيانة متبادلة عند أول فرصة... ففراق بالتراضي بعد اكتشاف الخداع مع الحفاظ على ما يسمونه "  رابط الصداقة " ( رابط المصالح ), هؤلاء يعانون من المراهقة المزمنة رغم أنهم ينضجون جسديا بسرعة في العادة. و في تلك المسافة الفاصلة بين المدرسة و البيت يُدرك أن الأمر لن يتوقف إذن عند فجيعته و فجيعة طفلته, بل يستشعر أنه محمل أيضا بهذه الأمانة الثقيلة, آخر شيء تبقى من تلك التي قاسمته الحلو و المر, آخر قطعة حية منها تشهد على أنها لم تكن مجرد حلم جميل بالكاد عاشه ذات مرة, أو ربما عاشه من دون أن يُدرك ذلك حقا.... المهم, كيف يعثر على أم ملائمة ؟؟؟..

يبدو ذلك المنزل كالوحش و هو يقترب من بعيد, بصمته الغريب, بالظلال التي تخيم على غرفه و ممراته, بواجهته التي ما عادت تشبه تلك الواجهة التي كان يتطلع لها في الماضي و هو في طريق عودته من العمل. حتى حيوية الصبية الصغيرة تخف و تخف حتى تكفّ عن الكلام و الثرثرة بمجرد توقف السيارة عن باب المرأب, فهي تدرك حينها أنها فشلت في تحويل تلك البهجة التي حاولت الحفاظ عليها طيلة يومها في المدرسة إلى شيء مستمر في البيت... لأن هنالك شيء لم يعد موجود, شيء قد تغير, و كأن بها تتحول من زهرة يافعة نضرة تفيض بالحياة, إلى زهرة أصاب القحط الشديد ألوانها فجعلها باهتة حزينة لا تُعبّر عن سر الحياة فيها, فالواقع يفرض نفسه هكذا فقط و بكل بساطة دون مراعاة سن أو إحساس, حتى الأطفال يعجزون عن التحايل عليه ببراءتهم و عنفوانهم. فقط تنظر إلى عيونهم المرهقة بنظرات تحمل أسئلة لا يجدون لها جوابا و لا نستطيع نحن أن نقنعهم بأجوبتنا الناضجة... و كأن بها تتساءل في كل مرة تلمح فيها ذلك البيت في نهاية يومها الحافل بالإلهاء... لمَ أمي لم تعد موجودة لترحب بيّ أمام الباب أو في المطبخ كما كانت تفعل ذلك سابقا ؟.

آه من ذلك المطبخ الساكن.... يقول في نفسه و هو يقترب منه, يتجه ليجتهد في إعداد ذاك النزر القليل مما يتقن إعداده, مجرد أكلات سريعة التحضير تعلمها وسط هذا المجتمع الذي يقدس السرعة في كل شيء... حتى في الأمور الحميمية كتحضير وجبة العشاء لمن نحب. و في لحظة ما عندما تقدَّم خطوة إلى داخل المطبخ كأنه لمح ظلها و هي واقفة هناك تحضر شيئا ما, أكلة ما تذكرهم بدفء الوطن المشمس البعيد. لكن للحظة يعود إلى واقعه... لا وجود لأصوات طقطقة السكين على لوح التقطيع, و لا شيء يغلي في القدر, و لا برامج نسائية أو مسلسلات معروضة على شاشة ذلك التلفاز الصغير... لا شيء غير الصمت.

على وجبة العشاء راح يحاول إضفاء شيء من المرح على ابنته عبر الأحاديث و بعض التنكيت حتى أنه شغل التلفاز كالعادة و رفع من درجة الصوت, و كأن به يتعارك مع ذلك الصمت المربك و المحزن... فراح يحاول محاصرته و طرده من البيت عبر تعويذة التلفاز, كما تُطرد الأرواح الشريرة بالأدعية, لكن من دون فائدة, فهو لم يفهم أن طرد تلك الروح يفشل دائما في حال استخدام التعاويذ أو الطلاسم..., الأمر أشبه بمواجهة آلام المرض الفتاك بحبات من المسكنات. فالصمت قد استمر رغم كل شيء, بل انقلبت التعويذة على الساحر, عندما سيطر صوت التلفزيون على الموقف عبر تضارب صدى صوته في أرجاء المكان بشكل مزعج... لا مفر, فهي لم تعد موجودة.. و لن تعود, و ذاك المكان الشاغر حيث كانت تجلس كأن به ينظر إليهما باستفهام متواطئ مع قهقهة تلك المرأة السمينة على شاشة التلفاز, في ذلك البرنامج الهزلي الثقيل و الساذج, حيث راحت تقص على المشاهدين نكتها السمجة الخالية من الحِشمة, و التي تصف و تفصِّل بنوع من الافتخار مغامراتها الجنسية مع أكثر من رجل, فأجبرته على تغيير المحطة... فاته أن ما يُثير التقزز و الحرج في مجتمعه الشرقي المحافظ, يعتبر شيئا مضحكا و مسليا في هذا المجتمع الغربي العلماني.... هذه ليست ثقافتنا و لن تكون.

الطعام كان ساخنا لكنه بالكاد كان يستشعر ذلك, فتلك اللقيمات كانت مليئة بالمرارة و الكآبة, ليس فقط لغياب من كانت تُحضرها باقتدار و ثقة و تضيف لها لمسة من دفء الأم و الزوجة و حتى دفء الوطن, بل لأنه كان يدرك أنه هكذا و في هذه الغربة القاتلة, هو فعلا عاجز عن ملء ذاك الفراغ الذي تركته فقيدته في بيته و في طفلته, فراغ حوَّل هذا المنزل من عش ربيعي مليء بالحنان و الأمان بحضورها إلى كهف مظلم مليء بالرطوبة و الصمت, أنساه أيام تألقه و انتصاره و نجاحه في الحصول على هذه الحياة التي كان يحلم بها, و التي لم يتحها له بلده رغم شهاداته التي كان يعلقها على جدران مكتبه هناك, دون أن يشعر يوما بقيمتها, إلا عندما جاء إلى هذه البلاد التي تنصف الكفاءات. في تلك اللحظات كاد ينسى كل هذا, بل كاد يلعن هذه الفرصة و هذه البلاد و هو ينظر إلى الصغيرة و هي تحاول إكمال وجبتها دون أن ترفع بصرها نحوه و لو مرة, ليفهم أنها كانت في الحقيقة تُعبر عن حزنها بل و حتى حنقها على هذا الوضع. لقد كاد يلعن كل هذا الحلم الذي حققه, فقط لأنه لم يعتقد أن الأمور ستئول إلى ما آلت إليه, فيجد نفسه رجلا أرملا و وحيدا يحمل تلك الأمانة الصغيرة الغالية على عاتقه... كان الأمر سيهون لو أنه كان في وطنه بين أهله, و لكن لكل خطوة نجاح و تفوق ما يقابلها من الآلام و ألاعيب القدر و تقلبات الزمن.

بعد أن وضع الصغيرة في فراشها, تلى عليها شيئا من القصص التي اعتادت و عودته هي على قراءتها لها قبل النوم, و هو ما كان يُشعره و كأنه ليس على طبيعته في الأيام الأولى, فهذا لم يحدث له و هو صغير... قبل أن يعتاد على الأمر, عبَّر للصغيرة عن مدى حبه لها قبل أن يطبع قبلة على جبينها الصغير كما علمه آباء هذه البلاد, جعلته لأول مرة يشعر بأنها كانت قبلة لطلب السماح و العفو أكثر مما كانت قبلة للحب الأبوي, فهل يفهم الأطفال أن ظروفا كهذه تكون أقوى من أي شخص, حتى لو كان هذا الشخص هو الأب نفسه ؟.

اتجه إلى غرفته متثاقل الخطى بعد حمام ساخن و يوم حافل و طويل و هو لا يرغب في تذكر الغد, لكنه لم يفكر في الغد عندما لمح تلك الغرفة التي لم تختلف حالها عن حال المطبخ... لقد كاد يراها و هي جالسة هناك أمام مرآتها تمشط شعرها الليلي العربي الطويل, لكنها لم تكن موجودة, لا شيء أمام تلك المرآة التي كأنما كانت تسأله: أين هي الأمشاط و قوارير العطور النسائية و غيرها من أدوات الزينة التي كنت أزخر بها ذات يوم ؟؟... لم يعد عليها شيء, مجرد هيكل بلا روح لا معنى لوجوده هنا. هو جواب آخر على أن الحياة ستكون مختلفة مرة أخرى. لكنه جلس فقط و قد عجز عن صد الحنين الحارق و الحسرة المؤلمة...

يا ليته كان فراق أيام أو أسابيع أو حتى أشهر, لكنه فراق العمر فما أصبره عليه ؟. راح يتأمل ذاك السرير الفارغ. لم يكن مجرد سرير, ذاك كان عرش حبهما السابق, راح يتأمله و في عينيه شيء يشبه الدموع و قد تجمعت غصة حزن في حلقه, راح يتساءل.. كيف فاته أن يُفصِّل لها الحديث عن حبه و مشاعره في كل لحظة من تلك السنوات القليلة التي عاشت فيها بجانبه, ترى هل كانت الطبيعة التي جاء بها من بلده وراء ذلك ؟... تلك البيئة و الثقافة و السلوكيات الشعبية المتوارثة, التي تحول علاقة الزوجين إلى مجرد ميكانيزم بارد للاستمرار البيولوجي للعِرق أو لاسم العائلة على الأقل. بعض الرجال عندنا يخجلون من التعبير عن حبهم لزوجاتهم مع مرور السنين, لسبب غريب و غير مفهوم, لكن مظهره يظهر كما تظهر سذاجة منطق الصبيان... لا مسوغ له سوى أنهم يقعون في ذلك الخطأ الفادح... مزج منغصات الحياة اليومية بشكل اعتباطي و رجولي أحيانا و عن جهالة و إهمال في أحيان أخرى مع العلاقة الروتينية مع المرأة و جعلهما السبب و النتيجة معا. أو لعلها الأفكار المشوَّهة عن الرجولة و الكبرياء التي اكتسبناها من هذه الأوطان التي تعتنق كل أنواع الفلسفات الرجولية القاصرة أو الخاطئة.

شعر أنه ضيع على نفسه و عليها الكثير مما يتلذذ به الرجل علنا, و تتلذذ به المرأة العربية سِرّا, ففهم أنه و إلى جانب كل شيء, فهو قد بدأ يُشفق عليها أيضا بعد أن رحلت و هي تكبت الكثير في نفسها, هي التي تحملت معه حياة الغربة ببردها و مللها و قلقها و وحدتها, و هو ما لا تتحمله المرأة الشرقية شديدة الارتباط بعائلتها و نمط حياتها الجماعي المحافظ.

كان عليه أن يتغزل بها مع كل بسمة رآها على محياها أو ضحكة سمعها منها, كانت هذه حاجتها الدائمة... لكنها لم تعبِّر عنها يوما. كان لا بد أن يُشاكسها كصبي في لحظات الملل و يُراودها كمُقامر في لحظات الرغبة, يحضنها كفارس في دقائق الافتراق و يقبلها كمهوس عند أول لقاء, يجتذب فضولها كراهب أوقات التواضع الغامض و يُخضعها ككاهن أوقات الغرور و السيطرة, يلبسها كفنان في موسم الجنون و يهجرها كشاعر في أوقات الخصام أو في موسم الفتور, يصقلها كصائغ مجوهرات في لحظات الإلهام ثم يتملّك عليها كقرصان من فوره, يستولي عليها كفاتح ساعة العنترية و يتأملها كفيلسوف ساعات السكون. كيف فاته كل هذا و هو الرجل المتعلم و المثقف و الإطار المغترب ؟.

كيف فاته أن يُمرر أنامله على خدها كل صباح عند الاستيقاظ, كيف فاته أن يُقبل يدها مع كل فنجان قهوة قدمتها له, كيف فاته أن يُجلسها إلى جانبه ليشكرها على صبرها و تحملها البعد و فراق الوطن من أجل أحلامه و يثني على شجاعتها و وفائها له, يُعبر لها عن حاجته لها و عجزه من دونها. كيف فاته أن يرفع شعرها بين يديه ليستنشق روائح الأنوثة الممزوجة برائحة الغسول الذي كانت تستحم به, أن يداعب أنفها بأنفه, أن يخلق لها أسماء لطيفة للدلع, أن يبتكرا لهجة تخاطبهما المليئة بروح التنكيت و المفردات الغريبة و الطريفة. كيف فاته أن ينكص من وقت لآخر نحو طفولته بتقاذف الوسائد معها و مطاردتها في أنحاء البيت, كيف فاته أن يجلس معها أمام النافذة ليتفرّجا على هطول المطر أو تساقط الثلج في صمت أو مع بعض الهمسات.... راح يتساءل في نفسه...هل حقا كانت هذه الأمور مُخجلة أو صبيانية, أو مُضعفة لهيبة الرجل و منقصة من قدره و وقاره... في شيء ؟. و هل كانت مشاغل الحياة و مصاعبها حجة عقلانية حقا ؟..

لم يُصدق كيف فاته كل هذا و لمَ يتفطن له الآن ؟. فلم يستطع فعل شيء سوى الاستسلام لتلك الدموع التي ظل يصارعها مُكابرا منذ عودته و ابنته من الوطن قبل بضع أسابيع. لقد أدرك أنه قصّر في حق نفسه و في حقها, و لعله السبب في كل هذا الكرب و الحزن, لكنه أيقن أخيرا كم كان محظوظا بامرأة كتلك, و أنه كغالبية البشر, لم يُقدر ما كان بين يديه, بل لم يستمتع به بالشكل المطلوب فكان هذا الندم و هذه الحيرة و الحسرة على الضياع... كان طعم الحياة و إنجازاتها سيكون مختلفا كثيرا, و ما كان كل هذا الندم و تأنيب الضمير لِيكونا.

نام الأرمل بعد أن بللت بعض الدموع وسادته, فلم يبق له غير أن ينام و قد أحس بشيء من الراحة بعد أن اعترف لنفسه بأخطائه, لعل ذلك الاعتراف سيُصلح بينه و بين ذاته, كما قد يشفع له مع الأيام القادمة, فهو سيعود إلى مكتبه يوم غد و بعد غد..., ينظر عبر تلك النافذة متأملا و منتظرا أياما أخرى قد تحمل فرصة أخرى في الحياة. و لعل الهواء قد تتحسن نكهته و يصير خفيفا داخل صدره كما كان ذات مرة... حتما ستتحسن الأمور مهما حدث, فأنجع دواء لجراح النفس هو الزمن.                                                                                            

2010-12-09

Partager cet article
Repost0
17 mai 2011 2 17 /05 /mai /2011 23:00

une-fille-berbere.jpg

 

من التراث الجزائري: أسطورة عروس المطر

جمال الحدث من جمال المكان و الشخوص, هكذا قلت في نفسي و أنا أمعن التفكير في تلك العادة القديمة التي توارثها سكان الجزائر و المغرب العربي عموما في مناسبات الأفراح و الزفاف عندهم, هي العادة التي لا تزال منتشرة نسبيا في بعض المناطق القروية و الجبلية بحيث لم يفلح زمن التحضر و الرقمنة في القضاء عليها.

و قد لا يعلم أكثر الناس سر هذه العادة المطبقة في الأعراس عندنا و المتمثلة في رش الطريق الذي تسلكه العروس و موكبها بالماء, سواء كان ماءً عاديا أو ماء الورد المقطر, لكن الموروث الغنائي و الشفهي في منطقة الأوراس الجزائري مثلا, لا يزال يقص سر تلك العادة و يعطي فكرة واضحة عنها, و يا لها من قصة جميلة تفيض بالمعاني التي قد تشرح الكثير من الجوانب في ذهنية الرجل الجزائري و المرأة الجزائرية, بما أن الأسطورة هي صناعة إنسانية يجتمع فيها الجانب الأدبي أو الفني مع الجانب الخرافي و الهوامي مما يصوغ الخصوصية الثقافية التي تبني الجوانب الأساسية لطبيعة تفكير المجتمع و سلوكياته تجاه مواقف و مواضيع محددة, و ذلك من خلال ثلاثية المكان و الزمان و الحدث.

و الحقيقة هي أن عادة رش موكب العروس بالماء, عبارة عن طقس يهدف في مضامينه إلى محاكاة أسطورة خرافية قديمة في الميتولوجيا الأمازيغية, تقضي بأنه في زمن بعيد غابر, و في مكان ما من أرض ثامزغة(1), و على الأرجح في منطقة من جبال الأوراس التي يمتزج فيها الشموخ مع الغموض و الروحانية, و حسب اعتقاد السكان المحليين, عاشت فتاة شديدة الجمال سميت في بعض المصادر " تيسليت " التي تعني الخطيبة بشكل عام أو قد تعني الفاتنة أو شيء من هذا القبيل. و قد اشتهرت تيسليت بين قومها بصفتين هما الحياء و الحب الشديد لينابيع المياه و الأنهار, فكانت تهيم في الجبل الأوراسي الضخم, تتجول بين جداوله و ينابيعه, تعيش تلك اللحظات الجميلة من الحياة, تشبع حبها للماء, تداعبه بيديها الناعمتين, تحمله بين كفيها فترمي به نحو السماء ليتفرق إلى مئات القطرات المتلألئة التي تعود كزخة مطر لطيفة تبلل وجهها المشرق و هي تنشد الأغاني بصوتها العذب, الذي تقف عنده عصافير الأشجار صامتة حائرة.

و هكذا كانت الفتاة اليافعة تمضي يومها في زيارة جميع الوديان و العيون و الينابيع التي تعرفها بأسمائها, لتلقي عليها التحية و تغترف من كل واحد منها شربة ماء منعشة, و تستمر في الغناء و الرقص مداعبة المياه الرقراقة المنسابة بين الصخور بأناملها, تمسح على وجهها و شعرها, تنشد البركة و السلام لها و لقبيلتها و أرضها التي لا يمكنها أن تعيش و تحيا  و تزدهر من دون هذا الكنز. و كانت عبر كل تلك الطقوس التي عودت نفسها عليها كأنما تعبر بطريقة ما عن تعففها و ترفعها عن كل الأهواء التي تراوض الشباب في مثل سنها, و كانت عبر تلك الساعات الطويلة التي تمضيها في الجبل بين أشجاره و وديانه و حيواناته كأنما تعبر عن رغبتها في الابتعاد عن أنظار فرسان القرية الذين يكتم كل واحد فيهم طموحاته و مطامعه و أحلامه اليائسة في الظفر بها و اتخاذها عروسا ذات يوم. و مع مرور السنين زادت الفتاة جمالا و نضارة في الوقت الذي وصلت فيه بتعففها و انطوائها حد الصوفية, و هو الارتقاء الروحاني الذي مهَّد لها الطريق لتربط صلة مع العالم الفوقي دون علمها, فهي فقط, ظلت تتهرب من المعجبين و العشاق من نفرها, تتبرك بالماء و الغيث و تخدم السواقي التي يقوم عليها عيش قومها, فترمم قديمها و توسع منابع و مجاري حديثها, دون أن تنسى أغانيها و قصائدها التي كانت تعبر من خلالها عن فضائل التعفف وعن فضائل الماء و ما يمثلانه من حياة و طهارة.

فذات يوم و بينما كانت تيسليت ترتوي من إحدى البرك التي تجتمع فيها مياه الينابيع المختلفة, صادف و كانت سحب راعدة تسبح في الأفق البعيد, كان " آنزار " اله المطر يقودها نحو إحدى الأمصار البعيدة ليسقي أرضها و يحي زرعها و يبشر أهلها بموسم مبارك, لكن شيئا ما شد انتباه الإله فوق الأرض, شيء ظنه للوهلة الأولى شعلة منيرة من تلك الشعل الكثيرة التي تنير عالم الآلهة الفوقي سقطت صدفة على بلاد الأوراس, لكنه عجب للحظة إذ أنها كانت تتحرك يمينا و شمالا. هذا ما خلص إليه معتمدا على بصره الثاقب, فقرر استطلاع الأمر و حرك برياحه التي كان يلجم بها الغمام الذي كان يركبُه نحو السلسلة الجبلية البعيدة, و ما هي إلا بضع ساعات حتى كان " أنزار " فوق المكان الذي كانت تتحرك فيه تلك الشعلة البيضاء الغريبة, و الأغرب من ذلك هو أن الإله و بسمعه الحاد التقط تلك الألحان الأنثوية العذبة التي كانت تتغنى بالمياه و السحاب و الأمطار بلسان شاوي(2) أصيل, فقرر الاقتراب أكثر حتى كان فوق تلك المنابع, أين وقع بصره على تلك الفتاة الفاتنة و هي تكشف عن ساقيها تهم بدخول البركة مستمرة في الغناء. حبس آنزار أنفاسه للحظات و هو يسترق النظر إليها من فوق السحاب لا يكاد يصدق ما يرى. تلك لم تكن نجمة سقطت من السماء, بل هي إنسية لم ير مثلها قط, فهو لم يكن ينظر إلى حسنها الظاهر فحسب, بل أذهله صفاء روحها البيضاء التي كانت تشع ناشرة أنوارها التي كانت تضيء الجبل بأسره, هي أنوار لم تكن تيسليت و لا غيرها من بني البشر ليروها, لكن آنزار كان يراها بعني الإله, كان ينظر إلى عمق روحها كما ينظر المبصر إلى الماء النقي عبر الزجاج الأملس الخالص, و قد تساءل في نفسه متعجبا: " كيف لمخلوق آدمي أن يصل إلى هذه الدرجة من النقاء و الصفاء الروحي ؟؟ ". لكنه اخترق ببصيرته ذاتها و فِكرها و أدرك حينها أن تعففها و حيائها هما من أوصلاها إلى هذه الحال.

منذ ذلك اليوم قرر آنزار الاستقرار فوق سماء الأوراس بعد أن شدته تيسليت بكل ذلك الخجل و الحياء و الأنوثة, فقد تعلق بها كثيرا حتى أضحى مغرما, بل و راح يغدق على بلاد البربر بكل أشكال الغيث, الغزير و الخفيف و الرعدي و الثلجي و الصيفي, و كل ذلك كان تعبيرا غير صريح عن حبه لتيسليت. فاخضرت الأرض كما لم تخضر من قبل, و فاضت منها ينابيع المياه لتفيض معها كل أنواع الخير و الرزق على قوم تيسليت, الذين كانوا يلاحظون أمورا غريبة تحدث مع تلك الفتاة, التي كلما صعدت إلى الجبل و اختلت بنفسها منشدة أغانيها و قصائدها عن الماء و الحياء إلا و امتلأت السماء ركاما و أمطرت خيرا, فقد تحولت الفتاة إلى قديسة في الوقت الذي ظل فيه آنزار يعاني, هل يصارحها بحبه لها و برغبته الزواج بها, أم يصون كبرياءه الإلهي فهو لا يستطيع الانحدار إلى مستوى أدنى, فإن كان سيتزوج سيختار إلهة من عالمه ؟.

لقد ظل الأمر على حاله إلى اليوم الذي وصل فيه صبر إله المطر إلى نهايته, بعد تفكير عميق و نفس طويل قرر أن يقدم على الفعل و يصارح تيسليت بكل شيء, و يطلب يدها للزواج خاصة بعد أن استوفى مهره لها عبر كل ذلك الغيث الذي حول أرض أهلها إلى جنة. ففي صبيحة أحد الأيام و بينما كانت الفتاة تجلس على ضفة إحدى تلك البحيرات الكثيرة التي أهداها لها عاشقها دون أن تدر, فإذا بوميض خاطف ينزل من السحاب على شكل صاعقة ضربت الأرض بقوة اهتز لها كل شيء, ظهر أنها قد تحولت بشكل عجيب إلى رجل في مقتبل العمر أثار فزع تيسليت التي تسمرت في مكانها خوفا و وجلا. تقدم إليها الشاب بخطى ثابتة و من ثم عرف عن نفسه بكل لباقة و احترام, و قد صدقته الفتاة و لم تكن لتفعل لو لم تر بعينيها ما حدث قبل لحظات, و قد شرح لها أنه في العادة لا يمكن للبشر العاديين أن يلتقوا بالآلهة إلا إذا بلغوا قدرا عظيما من حسن الأخلاق و النقاء الروحي كما هي حال تيسليت, التي ظلت ترمي إليه بنظرات خاطفة إذ أنها لم تستطع رفع بصرها عن الأرض بعد أن اقترب آنزار منها بشكل أربكها و أحرجها و أبرز الخجل و الحياء في حركاتها و كلامها. لقد عرض عليها في بادئ الأمر أن يلتقيا مرة أخرى للحديث و التعرف إلى بعضهما بشكل أفضل حتى تستوعب هذا التغير الغريب في حياتها و يومياتها, لكنها رفضت بشدة و أخبرته بشجاعة ممزوجة بلباقة نادرة بأن هذا السلوك ليس من شيمها و هو يعتبر عارا و خيانة لوالدها و إخوتها و قومها جميعا.. حتى لو تعلق الأمر بإله, فهي لا تواعد أحدا في السر. حين إذ صارحها آنزار بأنه لا ينوي سوى اتخاذها زوجة له و قد عرض عليها الأمر ليفاجأ بوجه الشابة و هو يحمر خجلا و هي تنطلق نحو قريتها بين الهرولة و الركض.

لم يستوعب سيد الفصول الأربعة ما حصل, بما أنه اله, فقد اعتاد أن تكون كل الأمور التي يريدها أو يطلبها سهلة المنال كشربة الماء تماما, لكنه أدرك أن عالم البشر معقد أكثر مما كان يظن, لذلك استمر في الإلحاح على تيسليت التي ظلت تصده عن نفسها و تختلق الأعذار, رغم أنها و في مكان ما من نفسها كانت قد أعجبت بشخصه, بلياقته و رصانته و قوته, فقد بادلته مشاعر الحب التي ظلت تخشاها و تخفيها عنه, رغم أنه شعر بها طويلا, فقد كان ينفذ إلى قلبها محاولا معرفة ما ينبض به, لكن الفتاة البكر كانت تعاني من فكرة تركها العيش في أرضها و بين قومها و عاداتها و تقاليدها لتنتقل إلى عيشة أخرى وسط مجتمع لا طالما تعاملت معه بأفكارها المثالية ؟, ثم إنها كانت تخشى أن يفسر قومها حبها لآنزار بأنه خيانة لأعراف القبيلة التي تقضي بمنع الزواج من الأغراب. و هكذا تحول تعفف تسيليت مع مرور الأسابيع و الأشهر من سبب لحب و سعادة آنزار, إلى سبب لشقائه و ألمه, إلى اليوم الذي شعر فيه بأن الكيل قد طفح بعد أن استشعر أن ذلك الحب قد انتزعه من عالم الآلهة المثالي ليغرقه في عالم البشر المليء بالتناقضات و المشاكل و الكفاح من أجل استمرار الذات, لذلك قرر القيام بمحاولة أخيرة, فقد صارح تيسليت بأنه لا ينوي الزواج بها من أجل تميزها عن قومها فحسب, بل لأنه واقع في حبها إلى حد الجنون, لكن من دون فائدة, فالفتاة تهربت كعادتها متعففة و مترفعة و هي ترفض و تتمنع.

حينها شعر أنزار بإهانة كبيرة لشخصه و استصغار لمكانته و تقليلا لكل ما بذله و أعطاه لمحبوبته, فانقلب الحزن إلى غضب تطايرت شراراته من عيني الشاب الوسيم الذي تحول إلى صاعقة مدوية ارتدت نحو السماء بلا رجعة, فتوقفت معها زخات المطر الخفيفة التي خلقت دوما جوا شاعريا احتضن أحاديثه مع تيسليت, و تفرق الغمام الذي  لف طويلا ثامزغة مضفيا عليها جوا خريفيا منعشا دام أشهرا عديدة, فعادت شمس إفريقيا الحارقة لتبسط ضفائر شعرها الناري الغليظة الجافة على أرجاء البلد, و معها بدأت البرك و البحيرات تتقلص, و بدأت الوديان و الأنهار تضيق و تتراجع. لقد استمر الأمر على تلك الحال لأشهر عديدة, ضرب فيها جفاف كبير المنطقة فقضى على النبات و حول عيشة الناس إلى بؤس و شقاء,  لتجد تيسليت نفسها ضائعة بعد أن فقدت الأوراس رونقها و اختفت رواسيها و أزهارها. لقد أدركت الشابة كم كان آنزار متعلقا بها و كم كان حبه لها خصبا و مثمرا و جالبا للسعادة و الاطمئنان, كان لا بد حينئذ أن تخلص إلى أنها لن تستطيع رفقة شعبها العيش في صحراء قاحلة خالية من الماء الذي يعد روحها و جوهر وجودها, لذلك قررت تيسليت أخيرا أن تقبل بطلب آنزار لتكون زوجة له,  فراحت تناجيه في خلواتها و صلواتها متضرعة له راجية عودته. و هو ما حدث يوم لمح القوم ركاما أسود ثقيل في الأفق تنطلق من كبده ومضات البرق المتفرقة, فقد جاء الغيث الكثير و تهاطلت الأمطار بغزارة و رقص السكان تحتها  مقيمين الولائم و الاحتفالات, في الوقت الذي سارعت فيه عروس المطر الخطى و هي تصعد الجبل لتلاقي عريسها الذي كان في قمة السعادة و البهجة, فقد حملها بين ذراعيه و طار بها نحو السماء في شكل وميض خاطف لم يترك خلفه سوى السعادة و الخير, و تحولت تيسليت إلى ما يُعرف اليوم بقوس قزح, التي تعتبر عروس المطر في الثقافة الشعبية الجزائرية.

و هكذا توارث سكان الجزائر لقرون طويلة عادة رش موكب العروس بالماء في تمثيل رمزي إلى الفتاة التي شكلت صورة الحياء و التعفف و الكبرياء و النقاء, و هي الخصال الكفيلة بجلب رجل من المعدن النفيس كآنزار فيأتي معه الخير و العطاء, سوى أنه لا يجب أن يكون مبالغا في تلك الخصال لأنها قد تحول حياة الفتاة إلى فراغ و جفاف لا معنى له تماما كما في القصة.

و تبقى الإشارة إلى أن الشيء الوحيد الذي يُعاب على بعض الطقوس التي تقام تخليدا لهذه الأسطورة, هي أنها لا تزال و إلى اليوم في بعض المناطق من الجزائر و المغرب أين تكثر الأمية و التمسك الأعمى بالعادات الموروثة, تقام رفقة طقوس تقترب من الوثنية, إذ لا يزال البعض يُصَلون لآنزار منادين باسمه ملتمسين منه موسما ماطرا و خصبا, رغم أن الإسلام كان قد وضع حدا فاصلا بين الخرافة و الواقع. و إن كنا اليوم نسلم بأن قصة عروس المطر مجرد خرافة ميتولوجية توارثها شعبنا لآلاف السنين, إلا أنه يتوجب أن نقوم بصيانتها و الحفاظ عليها بشكل لا يتناقض مع عقيدتنا و مع روح العصر كما يُصر البعض, فنأخذ منها ما ينفعنا ثقافيا و اجتماعيا, من خلال ما تدعو إليه من قيم و مفاهيم تربوية أساسية نصد بها هجمة العولمة الشرسة, التي تهدد قيمنا و هويتنا الوطنية الجزائرية و المغاربية ككل, و ندع الوجه الخرافي و الوثني جانبا لأننا ببساطة نعيش عصر العلم و المنطق.

____________________________

-1 ثامزغة هو اسم من أسماء ما يُعرف اليوم ببلاد المغرب العربي قبل الفتح الإسلامي.

-2 الشاويون هم سكان جبال الأوراس و الأراضي المحيطة بها, ينحدر منهم أحد أهم قادة الثورة الجزائرية, الشهيد مصطفى بن بولعيد.

Partager cet article
Repost0
15 mai 2011 7 15 /05 /mai /2011 16:12

image001[1]

                                                            

اللغة في حياتنا النفسية

 

            لم يكن من الصعب في يوم من الأيام ملاحظة الأثر الواضح و العميق الذي تتركه اللغة في حياة الإنسان, و الذي لا تزال تكشف عنه أحدث الدراسات النفسية و الاجتماعية, لتعاضد بذلك النظرة الأساسية التي تأسست منذ أمد بعيد, و القائمة على فكرة أن اللغة, و باعتبارها نظاما معقدا من الرموز, التي تحمل مجموعة من المضامين التي تخدم مجموعة هامة من الوظائف العقلية العليا في الإنسان, هي – و كما قال " فيندغرودوف " – نظام الأنظمة ( جمعة يوسف, ص24 ), باعتبارها كلا متكاملا من المستويات التي تربط الإنسان بقطاعات حياته المختلفة, سواء كانت داخلية ( معرفية و سيكولوجية ) أو خارجية ( اجتماعية و علائقية ), بحيث يُترجم السلوك اللغوي هذه الجوانب عبر مختلف الوظائف التي تؤديها اللغة في حد ذاتها.

                                                                                                               

هنا تظهر أهمية دراسة الأنماط السلوكية التي يستعملها جميع الناس في التعبير عن مختلف حاجاتهم السيكولوجية و إشباعها, سواء عن طريق الحديث, الغناء, الكتابة, القراءة بل و حتى الإنصات, و التي تتداخل مع بعضها البعض و تشترك في ميزة أساسية, و هي حضور اللغة في كل جانب منها وفق النموذج الثلاثي التفعالي المعروف ( مُرسِل, مُرسَل إليه و رسالة ذات معنى ). و من خلال هذا النموذج تتم خدمة الجانب النفسي في حياة الفرد, إذ يتفق كل من " بوهلر " و " جاكبسون " في تقسيم كل منهما لوظائف اللغة على الجانب " الانفعالي " كوظيفة أساسية من وظائف اللغة ( جمعة يوسف, ص20 ). ذلك أن اللغة و عن طريق كل المفاهيم المحسوسة و المجردة التي تعبر عنها, تستخدم لإثارة الوجدان و الفكر لأنها تحرّك في نفس المستمع أو القارئ, المتحدّث أو الكاتب, استجابات انفعالية و عقلية مُعينة, بحسب الحالة التي يكون عليها الفرد أثناء توظيف قدراته اللغوية, و مدى خدمة تلك الحالة الوجدانية, و اللغة المصاحبة لها للهدف الأصلي الذي تم على أساسه استخدامها.

 

من أجل تبسيط هذا الأمر, سأتطرق إلى بعض الأنماط السلوكية, التي تتم من خلالها معالجة الجانب النفسي, و إشباع حاجاته المختلفة اعتمادا على اللغة, وفق ثنائية اللغة المنطوقة – المسموعة, و ثنائية اللغة المكتوبة – المقروءة, رغم أن العلاقات بين هذه الجوانب و الجانب الانفعالي من حياتنا جد معقدة, و لا يُمكن الإلمام بكل أبعادها...

 

تُثبت لنا تجارب الحياة أن لغة الحديث تلعب دورها النفسي و الانفعالي منذ السنوات الأولى من اكتسابها, و نلاحظ ذلك من خلال ألعاب الأطفال في حدود ثلاث و أربع سنوات عندما يتحدثون إلى أنفسهم بأصوات عالية, و يعطون الحياة لألعابهم بحيث يجعلون منها الطرف المُنصت لهم, و هي المرحلة الانتقالية التي أطلق عليها " جان بياجي " اسم " فترة ما قبل تكوين المفاهيم ", التي تتفرع منها " المرحلة الحدسية " التي تكون ما بين 4 إلى 7 سنوات. و هي المرحلة التي يصل فيها الطفل إلى اكتشاف أول فائدة عملية للغة, عندما يُدرك أنها وسيلة تساعده على التفاعل مع الآخرين حين يرى ردود أفعال المحيطين به المُستبشرة بلغته الفتية, فيعلم أنها وسيلة تجلب اهتمامهم و تعزز مكانته بينهم, مما يُشكل بوابة خروجه من التمركز حول الذات, و الانطلاق في بناء علاقاته الاجتماعية و العاطفية بمن حوله اعتمادا على فاعلية الذات, فيتحول السلوك اللفظي بذلك من وسيلة تساعد الطفل على اكتساب السلوكيات اللغوية لمحيطه الاجتماعي و استعمال اللغة في عملية التقمص بشكل خاص, إلى سلوك لغوي يستعمله لإثبات ذاته و التكيف وسط محيطه من خلال عملية التنشئة الاجتماعية و ما يجلبه ذلك من توافق و سكينة و طمأنينة و استقرار نفسي.

 

و تكفي الإشارة في هذه البداية إلى أن المشاكل النفسية التي ترافق الأطفال و المراهقين عادة تعاضدها عوامل مرتبطة بالافتقار اللغوي, مما يجعلهم يدخلون في دوامات الانسحاب و الانعزال الاجتماعي في مراحل العمر المبكرة. ( أحمد المعتوق, ص60-61).

 

فعلى مستوى اللغة الموجهة  للآخر, يقول الدكتور "جمعة سيد يوسف: " عند الكلام يضع المتحدثون الأفكار في كلمات, قد يتحدثون عن إدراكاتهم, أو مشاعرهم, أو مقاصدهم التي يريدون نقلها للآخرين, و في الاستماع يقومون بتحويل الكلمات إلى أفكار, و يحاولون إعادة صياغة أو تركيب الإدراكات, أو المشاعر, أو المقاصد أو البيانات التي يريدون فهمها.. " ( ص 24).

 

من خلال ما تقدم تتضح لنا العلاقة الوثيقة بين سلوك الكلام ( لغة الحديث ) و بين سلوك الاستماع أو الإنصات بعبارة أدق, بحيث تتحدد معالم هذه العلاقة من خلال طرفين يتفاعلان بينهما. فيطرح  الطرف الأول أفكاره أو مشاعره أو مقاصده, بعد أن يكون قد حولها من صورتها المعرفية و الانفعالية إلى شكل رموز لغوية منطوقة و مفهومة, ثم يتلقاها الطرف أو الأطراف الأخرى بشكلها الرمزي و يعيدون تفكيكها إلى أفكار و مشاعر و مقاصد, يفهما كل منهم و يتفاعل معها وفق قيمه و معتقداته و مخزون تجاربه الذاتية. و ما يهمنا في هذا المستوى هو مدى قدرة المتحدث على تحويل انفعالاته إلى تعابير لغوية يصف بها حالاته النفسية المختلفة,  و قدرة المتلقي على حسن ترجمة تلك التعابير اللغوية و استنباط معانيها النفسية لفهم ما يعيشه المتحدث, من أجل تحقيق حالة من التوافق و التعاطف الوجداني... و هنا يمكننا لمس الدور البليغ الذي تلعبه اللغة في إيقاظ مشاعر المتحدث – داخل ذاته – ثم إيصالها إلى الطرف أو الأطراف الأخرى ثانيا, ثم تحريك مشاعرهم ثالثا, ثم إيجاد أرضية من الترابط المعرفي و العاطفي معهم كهدف نهائي, و ما ينتج عنه من راحة نفسية و استقرار على مستوى " الأنا ". فليس غريبا من هذا القبيل أن نلاحظ في حياتنا اليومية أن أكثر الأشخاص بلاغة و مهارة في التعبير اللغوي عن أفكارهم و مشاعرهم, هم بشكل عام أناس يتمتعون بشخصيات قوية و متزنة, لذلك أثبتت كثير من نظريات سيكولوجيا اللغة أن هناك علاقة طردية بين القدرة المعرفية العالية في صياغة الحالات الفكرية و الوجدانية في شكل لغة منطوقة, و بين الشعور بالهدوء و الاستقرار مع الذات, و كذا التوافق الاجتماعي, و ذلك ناتج عن الإحساس بالقدرة على الوصول إلى أذهان الآخرين و التأثير في أفكارهم و أحاسيسهم و التفاعل معهم, بحيث تعتبر هذه الحالة الذروة و القمة من الناحية الاتصالية و التواصلية, التي تجعل الإنسان متمكنا و متفوقا في حياته وسط بيئته و مجتمعه, و كل ذلك بفضل اللغة.

 

هذه العلاقة الطردية لا تقتصر فقط على لغة الحديث المسموعة, بل تشمل أيضا الشكل الآخر من اللغة و هو " الكتابة ", و الذي يعتبره البعض الجانب الأهم من حيث التعبير عن هوية الشخص, بسبب علاقته المباشرة مع الجانب الثقافي و التراثي للمجتمع.

 

و يظهر الدور النفسي الذي تلعبه اللغة في هذا الجانب جليا من خلال بعض السلوكيات التي يلجأ إليها الأشخاص ذوي الملكات الأدبية, للتنفيس و التفريغ عن شحناتهم الانفعالية, عن طريق كتابة ما يختلج صدورهم و يملأ عقولهم من أفكار و أحاسيس متنوعة, و هو سبيل آخر و مهم للحصول على السكينة مع الذات و الوصول إلى مستوى معين من خفض الضغط و التوتر النفسي, و لهذا نجد أشخاصا ينزعون إلى كتابة الشعر و الخواطر اليومية لتحقيق ذلك التفريغ بأكبر قدر ممكن, و هذا ما يفسر الأهمية التي يحظى بها هذا النوع من استراتيجيات الدفاع النفسية في مجال العلاج النفسي الحديث.

 

و يرى الدكتور " أحمد المعتوق " في هذا السياق أن من أهم الصور الكتابية للغة التي تستعمل في إثارة الفكر و الوجدان, و الولوج إلى أعماق النفس و التغلغل في دهاليزها المختلفة المعقدة, هو " الأدب ", الذي يُعتبر أرقى مستوى من اللغة المكتوبة, و الذي تتقنه فئة من الناس الذين بلغوا قدرا عاليا من القدرة على الاستبصار المزدوج في الذات و في الكون, و غالبا ما تُقاس براعة الأديب بمدى قدرته على صياغة أحاسيسه الانفعالية و رُؤاه العقلية لغويا, و إيصالها في قالبها اللغوي المكتوب إلى عقل و مشاعر القارئ, و جعله يغوص في معاني النص و يفهم ما يريد الكاتب التعبير عنه بدقة. ثم الانتقال إلى معالجة مختلف المواضيع التي تشغل حياة الناس بنفس الأسلوب, بحيث تُسخَّر اللغة المكتوبة لإشباع الحاجات الانفعالية للقارئ, و هنا يكمن ذكاء الأديب, و هذا الأمر يتطابق مع ما ذُكر آنفا حول لغة الحديث, فنجد أنه كلما امتلك الأديب أو الكاتب القدرة و الزاد الانفعالي و اللغوي اللذين يسيران مع بعضهما, لإيصال ما يود إيصاله إلى المتلقي أو القارئ و التواصل معه عبر النصوص المكتوبة, كلما خدم ذلك الصحة النفسية لكل طرف.

 

و يُضيف أحمد المعتوق معلقا على الوظيفة النفسية التي تلعبها لغة الأدب بما يلي: "... إن الموضوعات الأدبية كما سبقت الإشارة تخاطب عقل القارئ و عاطفته, و تهدف إلى التأثير في نفسه و شد أحاسيسه و هز مشاعره و إيقاظ فكره بكل ما يمكن من وسائل التعبير و أساليب القول.." ( ص109).                    

 

إن كل ما سبقت الإشارة إليه حول الوظيفة النفسية للغة المكتوبة يدفعني للحديث عن سلوك آخر يتم من خلاله تسخير هذه اللغة لإشباع حاجاتنا الانفعالية و العاطفية, و هو " القراءة أو المطالعة ". فليس شرطا أن يمتلك المرء ملكة أدبية يستغلها في التنفيس و التفريغ الانفعالي, بل إن عادة المطالعة هي سلوك متحضر و محمود يترك آثاره الواضحة في الحياة النفسية و المعرفية للمرء, بحيث تثبت الدراسات أن المطالعة لمدة عشرين دقيقة على الأقل يوميا ( خصوصا قبل النوم ), كفيلة بتنظيم العمليات المعرفية و العقلية للفرد و خفض مستوى التوتر لديه و من ثم تهدئة خواطره. و مع الوقت يُلاحظ عليه ارتفاع في ملكاته الفكرية و مستوى فاعليته و تنظيمه المعرفي و ذكائه العام, مما يؤثر إيجابا على سلوكه العام و قدرته على التكيف و يجعل منه إنسانا متزنا و ناضجا فكريا و عاطفيا, و ما يخلفه ذالك من أثار عظيمة على شخصيته و حياته ككل,  و لهذا السبب تظهر الأهمية البالغة في تدريب الطفل على المطالعة منذ سنوات تمدرسه الأولى.

 

سيطول الحديث عن هذه العلاقة الوطيدة و المعقدة بين اللغة و الحياة النفسية للفرد و مختلف الأنماط السلوكية التي تربط بينهما, و يبدو أن ما افتتحت به هذا المقال أعلاه من أن اللغة هي " نظام الأنظمة " صار واضحا الآن, و ليس أدل على الأهمية البالغة التي تلعبها اللغة في حياتنا النفسية و الفكرية من مثال الأشخاص الذين يعانون من الصمم الميلادي ( الصمم الذي يحدث قبل اكتساب اللغة ),  و الذين يعانون من تخلف عقلي معرفي و مشاكل عاطفية جد واضحة مقارنة مع المكفوفين مثلا. فالفئة الأولى خاضعة للتأثيرات السلبية الحتمية الناجمة عن الافتقاد للغلة و على رأسها تأثر القدرات المعرفية التي تؤدي بدورها إلى التأثير على المعاش النفسي للفرد بأسره, مقارنتا مع الفئة الثانية التي – و بفضل اللغة – تتمتع بقدر متفاوت من الاستقرار العاطفي, ناهيك عن أن كثيرا من الأبحاث وصلت إلى عدم وجود فروق دالة إحصائيا بين المكفوفين و الأسوياء فيما يخص قدرات الذكاء و التحصيل.

 

  و هذا مثال جد واضح عن الأهمية التي تلعبها اللغة في حياتنا النفسية أساسا, فهي تعتبر أداة لإثبات الذات و التعبير عن الشخصية, و وسيلة للتواصل و الاندماج و التفاهم العاطفي و المشاركة الوجدانية و توطيد العلاقات الاجتماعية. كما تعتبر سبيلا هاما لتفريغ الضغوط النفسية التي قد تؤدي إلى الكثير من الأمراض النفسية و السيكوسوماتية ( النفس– جسدية ). إضافة إلى كونها مجالا فنيا خصبا للتعبير عما يختلج في النفس من مشاعر و أحاسيس إنسانية راقية, فهي تعكس الحالات الجمالية المختلفة التي تمر بها النفس الآدمية خلال تفاعلها مع المحيط و البيئة, فتنتقل بالفكر بين مختلف الجماليات و الموجودات المحسوسة و المجردة, مما يخلق التناغم بين الإنسان و الكون, و يوجد التفرد و الارتقاء العقلي و الوجداني الذي يميز الكائن البشري عن باقي المخلوقات, و لهذا السبب بالذات تعتبر اللغة بكل أشكالها من العلامات الدالة على الذات الإنسانية, و إحدى الخطوط الفاصلة و النقاط الفارقة بين ما هو إنساني و بين ما هو دون ذلك.                                   

                                                                                           البليدة - الجزائر في 18-04-2010

-------------------------

                                                                           

  -المراجع:

 

1/ جمعة سيد يوسف. سيكولوجية اللغة و المرض العقلي. 1990. عالم المعرفة. الكويت.

 

2/ أحمد محمد المعتوق. الحصيلة اللغوية. 1996. عالم المعرفة. الكويت.       

Partager cet article
Repost0
4 mai 2011 3 04 /05 /mai /2011 16:08

أكذوبة الحرب الإعلامية الجزائرية المصرية

 

تشهد الساحة الإعلامية و الجماهيرية في الجزائر و مصر حربا كلامية هوجاء هذه الأيام, بسبب مقابلة الحسم التي ستجرى يوم الرابع عشر نوفمبر بالأراضي المصرية, و التي ستحدد المنتخب الذي سيمثل الجماهير العربية في مونديال بلاد مناجم الذهب و الأحجار الكريمة جنوب إفريقيا. 

                     

إن النظر إلى هذا السجال الحامي بين أقلام الصحافة في البلدين ليترك عدة تساؤلات تدور في ذهن القارئ المتنبه و الحذر تجاه انفلات العواطف و إغفال الموضوعية في رؤية الأحداث بعين العقل أولا.   

الملاحظ فيما يقع بين البلدين حاليا هو من صنع الصحافة بمختلف أنواعها بدرجة أولى, و الملاحظة الثانية هي أن كل طرف يحاول تبرئة ذمته و يريد إقناع الجماهير بأنه ليس هو البادئ بهذه الحرب الكلامية الفارغة, التي انطلقت في بادئ الأمر في سياقها الرياضي المعروف و المقبول من أجل التأثير على الخصم, لكنها ما فتئت تتحول شيئا فشيئا إلى حرب ليس الغرض منها سوى استفزاز العواطف و إثارة الضغينة في قلوب الجماهير الواسعة, التي تقف باستماتة خلف منتخب بلدها المرشح لورقة المونديال.                                                                                                                     

دعونا أولا نلقي نظرة سريعة على سر هذا التنافس الشديد بين منتخبي الجزائر و مصر إذ أنه ليس وليد هذه الأسابيع, و لم يكن وليد آخر مباراة جمعت بين الأشقاء شهر جوان يونيو الفارط بالجزائر, بل تعود أساسا إلى تصفيات مونديال 1990 بإيطاليا عندما تأهل المنتخب المصري على حساب نظيره الجزائري بملعب القاهرة عام 1989 و ما تلا ذلك من أعمال عنف لا رياضية دارت بين أنصار الفريقين, إضافة إلى قضية اللاعب الجزائري لخضر بلومي الذي اتهم بالاعتداء على طبيب المنتخب المصري في أحداث 89 و التي انتهت قبل أشهر فقط.                                                                                 

السبب الثاني الذي زاد من حدة الحساسية الكروية بين البلدين يعود إلى تصفيات مونديال 2002 باليابان و كوريا الجنوبية إن لم تخني الذاكرة, عندما حُرمت مصر من الذهاب إلى الشرق الأقصى بعدما كانت تنتظر هدية الحسابات من الجزائر في لقاء الإياب على أرضها, لولا أن الثوار لعبوا مباراتهم ضد المصريين بدون تهاون و بكل ما تقتضيه الأخلاق و النزاهة الرياضية..... يضاف إلى كل هذا التاريخ التنافسي الكبير بين المنتخبين قاريا و عربيا و متوسطيا.                  

                                                                     

 كل هذه الأحداث التي تضاف لها هزيمة الفراعنة في دور الذهاب بالجزائر مؤخرا و احتدام السباق بين المنتخبين على صدارة المجموعة الثالثة و على ورقة المونديال, و إعادة التاريخ لنفسه بعد عشرين سنة, قد أعطت الضوء الأخضر لكل أنواع الانتهازيين الذين راحوا يبذلون كل الجهود من أجل افتعال أزمة حقيقية بين الأشقاء في أرض الكنانة و أرض الشهداء, و يبدو أن الصحافة في البلدين قد تأثرت بسموم هؤلاء, و تجدر الإشارة إلى ما يمكن اعتباره الديناميكية التي نشأت بها هذه الحرب المفتعلة التي تقودها أطراف تريد تفريق شمل الإخوة, و تتأثر بها أقلام الصحافة و تؤثر بها على عقول و عواطف الجماهير:                                                                                                                     

1- لا بد علينا جميعا أن نتذكر بأنه في كل مجتمع تظهر فيه مجموعة من المفاهيم التي تخدمها اللغة و اللهجة المستعملة, و ليس شرطا أن تتطابق تلك المصطلحات و المعاني التي تشير إليها مع مصطلحات و معاني اللغة و اللهجة المستخدمة في مجتمعات أخرى, حتى لو كانت تنبع من أصل لساني واحد و هو اللغة العربية التي تنحدر منها اللهجتين الجزائرية و المصرية.                

                                      

مثلا إذا كانت كلمة " عنيف " قد تشير في اللهجة و في الذهن المصريين إلى التحدي و الثقة في النفس, فإنها تعني وفق المفهوم الجزائري " الهمجية " لأنها كانت دوما مرادفة للإرهاب, و عندما يسمع الجزائريون صحفي مصري و هو يقول بأن تصريحات اللاعبين و الجماهير الجزائرية هي تصريحات " عنيفة " قد يفهمون من ذلك أنهم يُتهمون بأنهم قوم همجيون أو ما شابه, بينما الحقيقة هي أن المصريين كانوا يقصدون أنها تصريحات تفيض بالتحدي و الثقة و هو أمر مقبول رياضيا.         

                         

2- عندما تتلقى مجموعات الكتاب و الصحفيين الأولى هذه التصريحات بين البلدين فهم يقومون – و ربما بشكل لا شعوري – بتفسيرها وفقا لما تمثله تلك المصطلحات في أذهانهم و بلدهم و مجتمعهم هم, دون البحث عن مضامينها الحقيقية القادمة من البلد الآخر, و من هنا تنطلق ردات الفعل و تنتشر الأخبار و التحاليل القاصرة و المغلوطة من الأساس بين الطرفين.   

                                                             

3- تتلقى الموجة الثانية من الصحفيين و الكتاب تلك الأخبار الأولى و تبدأ تتفاعل معها آليا, و غالبا ما تكون هذه المجموعات من الصحف الصغيرة و الطفيلية التي لا تهدف عادة إلا إلى زيادة مبيعاتها من أجل عدم الاضمحلال وسط سوق الصحافة المكتوبة و المنافسة الطاحنة, و هكذا تجد نفسها و استنادا إلى المصادر السابقة تضاف لها عدم احترافية صحفييها و افتقادهم للموضوعية, تكتب و تعلق بما هب و دب, على أمل جذب القراء و أعتقد أن اللغط الإعلامي الزائد غالبا ما يظهر في هذا المستوى.    

               

4- يتلقى المجتمع و بشكل مباشر كل ذلك اللغط فيتفاعل معه و يتأثر به, لتأتي ردة فعله و المتمثلة في عواطف الاشمئزاز و الكره و الوعيد تجاه جمهور الخصم الذي يعيش نفس الحالة من جهته, و ما دمنا نتحدث في هذا المستوى عن الجماهير فهذا يعني أننا نتحدث عن الانجراف وراء العواطف و الأحكام المسبقة و الإشاعة و الكلام البذيء....       

                                                                           

5- تعود الدورة لتكمل نفسها من خلال وسائل الإعلام و الأقلام الصحفية التي تكتب و تعلق عن فكر الشارع و عن أفكار بعضها البعض التي كانت هي وراء صياغتها أول مرة, لتزيد الطينة بلة في كل مرة و تستمر الحرب الكلامية في الاتساع كشبكة العنكبوت, و التي تندس فيها أطراف تفهم جيدا أصول هذه اللعبة, و تتحرك في جميع الجهات من أجل زيادة الأوضاع بأكثر قدر من السوء على أمل أن تكون العواطف محتقنة عن آخرها يوم اللقاء, و ينفرج التنفيس عنها مباشرة بعد صافرة نهاية المقابلة من طرف الجمهور الخاسر لتتسبب في الأزمة الحقيقية.                                                                         

إن الصحفيين سواء في الجزائر أو في مصر مطالبون بالتفطن إلى هذا الأمر و تصحيح الأوضاع عن طريق فهم مضامين تصريحات الطرف الخصم وفق ما تعينه في لغة الخصم نفسه قبل نشرها, ليتبين للجميع أنه لا أحد كان يقصد الإساءة أول مرة لا في الجزائر و لا في مصر, لكن الجهل بلهجة و مصطلحات الآخر و عقليته ساهم في خلق سوء الفهم, و الذي غذته الأقلام المتسرعة و غير المحترفة و التي وصلت بهذا الوضع اليوم إلى حد الدخول في مجالات لا تمد للمجال الرياضي و لا للصحافة الرياضية بشيء, كمجالات السياسة و التاريخ ؟. 

                                                                    

مهما يكن من نتيجة للمباراة الفاصلة بعد أربع و عشرين يوما, و كما قال أحد المدربين الجزائريين في إحدى الفضائيات: "يجب على الجزائريين و المصريين أن يرتقوا قليلا بتفكيرهم و حسهم القومي, و بأن لا يعطوا مباراة في كرة القدم أكثر من حجمها, و أن يفهموا أنه ما من أحد يستطيع أن يلوم الآخر على تشجيعه لبلده, لكن في نفس الوقت يجب التفكير في أن الأهم هو ضمان مقعد للكرة العربية في مونديال 2010. " أو كما قال الرجل, و في النهاية فإن حكاية الحرب الجزائرية و            المصرية تبقى مجرد أكذوبة و حلم جميل يراود أعداء البلدين لن يتحقق أبدا.

------------

علاوه أمير فنور - الجزائر في 20/10/2009.                                                             

Partager cet article
Repost0
19 avril 2011 2 19 /04 /avril /2011 15:51

20108130204910-amr-adib-1-.jpg

قراءة تحليلية في الأزمة الإعلامية الجزائرية – المصرية

     لم أشأ الانطلاق في تأليف هذا المقال بعد نهاية اللقاء الفاصل بين المنتخبين الجزائري و المصري في السودان, في الثامن عشر نوفمبر الماضي, لأنني كنت في حالة انفعالية غير سوية بسبب الفرح الذي عشته بتأهل الجزائر إلى المونديال القادم, و قلت في نفسي بأنني قد أفتقر إلى الموضوعية إن حرَّرت هذا المقال تحت تلك الحالة العاطفية الاستثنائية.

     لقد انتهت المباراة برابح و خاسر, لكن الاحتقان لم ينته بل تحول إلى أزمة حقيقية بين البلدين وصلت إلى أعلى المستويات, رغم أن لهيبها ظل مشتعلا عن آخره على مستوى وسائل الإعلام و الشارعين, الجزائري و المصري, مما يدفع بي لأحاول رصد الكيفية التي وصلت بها الأمور إلى هذا الحد, رغم أنه و مع الأيام الأخيرة قبل مواجهة القاهرة في 14/11/2010  بدا أن انزلاقات خطيرة ستحدث, بالنظر إلى وصول الحرب الإعلامية بين البلدين حد الجنون, و الذي وصل بالاحتقان و حالة التربص بين مناصري المنتخبين إلى مستوى الانفجار, الذي وقع فعلا بحادثة الاعتداء على حافلة المنتخب الجزائري في 12/11/2010  بالقاهرة و جرح بعض لاعبيه, و ما تلا ذلك من إساءة  و اعتداءات مؤسفة على المناصرين و الصحفيين الجزائريين, و هي موثقة بالأدلة المادية.....

     دعوني أولا أضع أرضية من الأفكار, التي يجزم المتتبعون لما حدث بين البلدين الجارين حتى الآن, بأنها تمثل الجانب الأول و النهائي من الحقيقة الموضوعية حول كرة القدم في حد ذاتها:

1- يتفق الجميع على أن كرة القدم باتت من أنجع " الأسلحة الصامتة " التي تستعمل اليوم في التحكم بوعي الحشود على المستوى العالمي, لأنها تخدم جانبا عميقا من اللاوعي الجماهيري و هو غريزة الإنجاز و الغلبة الجماعية, و التي في حالة ما تم إشباعها فهي تدخل الجماهير في حالة من النشوة التي قد تنسيها ردات الفعل و الأساليب التي ألفت التعاطي بها مع مشاكل الحياة الواقعية, إلى حد أن هذا الميكانيزم السري قد يُغير أنماط السلوك التقليدية العنيفة التي قد ترفض بها الحشود الواقع الذي تعيشه, إلى أساليب أقل عنفا و تهديدا بالنسبة للأنظمة الحاكمة, خاصة في البلدان المتخلفة...., المواجهات اليومية بين الشباب الغاضب و شرطة مكافحة الشغب قد اختفت تماما و إلى حين, من شوارع مدن الجزائر العميقة مباشرة بعد تأهل البلد إلى كأس العالم ؟.

2- يتفق الجميع كذلك بأن كلا من الجزائر و مصر بلدان ينتميان إلى حلقة بلدان العالم الثالث, المثخنة بالمشاكل الداخلية العالقة, سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي, مما يخلق  واقعا صعبا على الشعبين, و بما أن نسبة الشباب مرتفعة في الجزائر و مصر, فهذا يعني بلا شك أن رياضة كرة القدم تحتل مكانة هامة و متنفسا أساسيا للطبقات الاجتماعية الشابة و البسيطة في البلدين.

3- و بما أننا نتحدث هنا عن العالم الثالث, فهذا يعني بالضرورة أننا نتحدث عن عدم النضج السياسي و الفكري و الإعلامي, حيث لا تزال النزعات الفردية و الاندفاع و الرغبة في إعادة إنتاج نفس الأنظمة الحاكمة و استمرارها, هي الوازع المسيطر على التوجهات الكبرى في الجزائر و مصر, و قد تفطن نظام الحكم في كل قطر إلى مناسبة تصفيات كأس العالم كونها فرصة ذهبية لإعطاء كل من الشعبين جرعته المخدرة المناسبة, للحفاظ على هدوئه المؤقت.....

    إن النظر للأمر من هذه الزاوية سيجعل كل العقول الغاضبة مما حدث تتفطن إلى حقيقة أنها راحت ضحية سِحر كرة القدم و سحر الإعلام الرياضي لبعضه البعض, و الذي أعمى البصائر و الأذهان في كلا البلدين, بل و وصل ذلك السحر إلى حد التأثير على الطبقات النخبوية و جرّها إلى تلك الفوضى الغوغائية, رغم أن الجانب الأعظم من المتتبعين لتلك الأحداث – و منهم كاتب هذه الأسطر – يرى أن المسؤولية الأخلاقية الكبرى تتحملها الفضائيات المصرية الخاصة, التي وفرت اليوم كما هائلا من الدلائل المادية و الموثقة على ما يمكن اعتباره " البنزين الإعلامي " للأزمة التي باتت واقعا حقيقيا بين الشعبين, و ليس لي إلا ملاحظة صغيرة حول حقيقة التأثير السلبي الهائل الذي مورس على الإدراك الجماعي للجزائريين و المصريين من طرف تلك القنوات, تثبت أن أصل المشكلة يكمن في  صحافة مصر المرئية أكثر – و ليس قطعا – من صحافة الجزائر المكتوبة, و تكمن هذه الملاحظة في كون معظم الأفكار الإيحائية التحريضية التي أوصلت الجماهير إلى حالة الاحتقان التي شهدناها قبل مباراة القاهرة, كانت تبث عبر الفضائيات المصرية, بما أن الجزائر لا تملك سوى قناة تلفزيونية وطنية واحدة و هي واقعة تماما تحت نفوذ السلطة, التي حافظت على سياسة التهدئة و لم تنزلق وراء تلك الحرب, إضافة إلى أن الفضائيات المصرية تحظى بتتبع واسع في بلدان شمال إفريقيا ككل, و كلنا يعلم أن تأثير وسائل الإعلام السمعية – البصرية أكبر و أعمق من تأثير وسائل الإعلام المقروءة.

     لن يجد الباحثون في هذا الموضوع أي صعوبة تذكر في الوصول إلى أهم الاستنتاجات – التي طرحتها مواد تلك القنوات بنفسها و ليس كاتب هذا المقال – التي تغذي الطرح القائل بأن الفضائيات الخاصة لمصر كانت وراء شحن 90 في المائة من مشجعي المنتخبين سلبيا, خاصة من الجانب المصري, إذ يكفي مراجعة تسجيلات الحصص الرياضية و الإخبارية على تلك القنوات منذ فوز مصر على زامبيا – حتى لا أقول قبل ذلك بكثير – و استعادتها لأمل التأهل إلى المونديال, لنكتشف أن بعض الوجوه الإعلامية الرياضية كانت قد بدأت حينها تخلط بين شحن همة الشارع المصري و رفع معنوياته, و بين تحريضه " إيحائيا " من خلال طرح أسئلة غريبة على شاكلة: لماذا يكرهنا الجزائريون ؟.... فهل حقا كان  ذلك الوقت الأنسب لتلك التصرفات (.....؟ )

     هناك جانب جوهري في هذا المستوى الخاص بالتوجه الفكري  و المهني العام لهؤلاء المنشطين, و يتعلق أساسا بمدى تناسق ما يقدمونه لملايين المشاهدين مع أخلقيات مهنة الصحافة من جهة ( كمفهوم مجرد ), و أبجديات العمل الصحفي من جهة ثانية ( كسلوك إجرائي ), خاصة عندما نعلم بأن الكثير من هؤلاء كانوا رياضيين و لاعبين سابقين في المنتخب المصري, و نتساءل إن كانوا قد خضعوا لأية دورة تكوينية في مجال الصحافة قبل بدئهم العمل التلفزيوني. فإن لم يحصل ذلك فالمسؤولية تقع على عاتق من يوظفونهم في تلك القنوات, و إن كان قد حصل فالمسؤولية تقع عليهم و على مسئوليهم, نتيجة تصريحاتهم النارية – خاصة بعد تأهل الجزائر – التي عجبت منها كل وسائل الإعلام الدولية, و أكد أكبر الأكاديميين و الإعلاميين العرب و الأجانب على أنها منافية تماما لأبسط أخلاقيات مهنة الإعلام.

     قد نفسر هذه الظاهرة الشاذة بالرغبة في امتصاص صدمة و غضب الشارع المصري, عبر كل تلك البرامج الرياضية التي حضرت فيها كل أنواع السب و الشتم و التجريح, و تم اللجوء فيها إلى كل الشخصيات التي لها تأثير عاطفي على الشباب المصري كالمطربين و الممثلين بل و حتى الراقصات, و الذين لا تربطهم أية علاقة مع الرياضة, و الاستماع إلى ردات فعلهم و أقوالهم المستفزة في حق الجزائريين و ثقافتهم و تاريخهم, فكانت أفضل وسيلة لتفادي خروج الغوغاء إلى الشوارع و إفراغ شحنة غضبهم, عبر التكسير و التحطيم و رفع المطالب التي يشتكي منها المواطن المصري..., إذ كانت الوسيلة الأنجع هي لجم تلك الحشود عن طرق التلفاز و امتصاص غضبها بربط رؤوسها أمامه لساعات طوال, حتى لو أدى ذلك إلى التعدي على كل الأخلاقيات المهنية و الصحفية....

     و قد يُقال بأن ردة الفعل تلك لم تكن بسبب إقصاء مصر من المنافسة بقدر ما كانت بسبب التجاوزات التي طالت المشجعين المصريين من طرف " الهوليغانز " الجزائريين في الخرطوم, و هنا أود أن أؤكد – من باب الواقعية – بأن من ادعوا بأن المباراة و ما بعدها سارت في روح رياضية و هدوء تامين.... ليسوا صادقين تماما و إن كنا نتفهم ظروفهم لأن السياسة و الدبلوماسية فرضت منطقها هي الأخرى. لكن, شخصيا, لا أتصور مقابلة مصيرية في كرة القدم دون أعمال شغب, أو استفزاز على الأقل بين المناصرين, فقد أصبح الأمر من البديهيات و هو حاضر في بعض الأحيان حتى في البلدان المتحضرة, لذلك أقول: ربما, قد تكون أحداث شغب و عنف حدثت بين المشجعين, لكن لا يجب أن ننسى أنه و في حالة  " ثبوت " أن العنف الجزائري ضد المصريين كان قد وصل إلى الحد الأخطر الذي حاولت الفضائيات تصويره للرأي العام, فلا يجب التعجب من ذلك, لأنني أفسره كردة فعل عنيفة على ما وقع لعشرات الجزائريين في القاهرة ليلة الرابع عشر من نوفمبر, و الذي غضت كل الفضائيات المصرية الطرف عنه, و فضحته كمرات الهواتف النقالة.... و التي جاءت على إثرها ردود أفعال الصحف الجزائرية في اليوم الموالي أكثر دراماتيكية و جنونا , مما أدى إلى زيادة الغضب العام في الجزائر... و هذه نتائج طبيعية لسياسة التعتيم و عدم الواقعية و الحذر في نقل الأخبار و تغطية الأحداث بين الطرفين, فهل كنا ننتظر بعد ذلك شيئا آخر غير الموجة التالية من العنف الغوغائي المضاد ؟... أو كما قال أحد المحللين على إحدى الفضائيات في تلك الأيام, بأن الجماهير عندما تتحرك فهي لا تخضع للمنطق و العقل, بل تخضع للعاطفة و الغريزة و ردة فعل النخاع الشوكي.

     في الحقيقة فإن الحديث عن السلوكيات الإعلامية للصحافة الجزائرية و المصرية تجاه بعضها طيلة هذا المشوار و طيلة هذه المهزلة المؤسفة يجعلنا نخرج ببعض المعطيات, التي تثبت بأن الموضوعية القصوى لم تجد طريقها النهائي بعد إلى ذهن الصحفي العربي, و الأدلة على ذلك في الحالة المصرية – الجزائرية هي كالآتي:

أ - لاحظت أن الصيرورة التي كانت تسير بها المعلومات المتداولة في صحافة البلدين, قد بدأت أول الأمر من نقل الأخبار المتداولة في صحافة الطرف الآخر, كأخبار في حد ذاتها, إلى تناقلها كردات فعل بسبب تراكم التعاليق الصحفية المبنية أساسا على الأفكار الخاصة و الأحكام المعمّمة " الإيحائية " في أحسن الأحوال, و مثال ذلك نقل تصريحات المنشطين المصريين على بعض الصحف الجزائرية من حالة " قال فلان كذا و كذا في حق الجزائر " إلى حالة " قال فلان كذا و كذا في حق الجزائر, لأنه هو كذا و كذا.. و بلده كذا و كذا...", حيث استهدف الجزائريون بتهكمهم أكثر موضوع يؤلم المواطن المصري و يستفز مشاعره, و هو قضية التطبيع مع إسرائيل.

 و هنا نلمس حقيقة نوعا من الالتباس في أذهان الصحفيين بين حقيقة نقل تصريحات الجانب الآخر كما هي دون التعقيب عليها, و بين نقلها و التعقيب عليها من باب واجب الرد و الدفاع عن النفس و تصحيح المغالطات داخل الأطر المهنية الأخلاقية, دون استفزاز مشاعر عامة الناس من الطرف الآخر , ناسين أمرا خطيرا و هو أن الشارع يُراقب ما يحدث و يتفاعل معه من وجهة نظره العامية أو حتى السوقية, و ليس من وجهة التفكير و المنطق النخبوي, و المشكلة – التي ربما تطرح نفسها في عالم الصحافة ككل – هي: متى ننقل الخبر كما هو, دون إدخال رد فعلنا العاطفي تجاهه, و متى نرد عليه في حدود اللياقة و الاحترافية دون السقوط في مستوى سلوك أو ألفاظ الجانب الآخر, و كيف نُفهم الجماهير هذا الأمر " وفق مستواها العامي "؟. فبعض الصحفيين الجزائريين جعلوا من سفاهة بعض الوجوه الفنية و عدم احترافية بعض منشطي الفضائيات المصرية مسوغا كافيا للنزول إلى مستواهم, بعد أن لم يتحملوا المساس برموز و مقومات الدولة الجزائرية ( سب شهداء الثورة و السخرية من الهوية الأمازيغية كمثال ), و هكذا وقعوا في فخ رد الفعل اللاعقلاني و إن كان مقنعا معظم الوقت, لكن كثرة التهكم و الاستصغار و الاستفزاز التي فاضت بها كتاباتهم الصحفية عكسته إلى العلن, دون الحديث عن المقالات المليئة بالغضب الصريح " غير المُحدَّد " ( مِمَّن نحن غاضبون بالضبط ؟ ), و التي جرَّت عقول الجماهير و العامة إلى الغضب " المُعمم " على كل ما هو مصري, و هو نفس الأمر مع الجانب المصري, و هذه كانت الغلطة القاتلة بالنسبة للجانبين.

بـ - لاحظت كذلك أنه و في خضم ازدياد التوتر بين الجانبين و جمهور كل منهما, صارت الكتابات الصحفية و التعاليق التلفزيونية تميل دائما إلى تبرئة ذمة جانبها, و تصوره على أنه البطل الحقيقي المتحضر و المسالم, و تصور الجانب الآخر على أنه الأعنف و الأحط شأنا و الأكثر تخلفا, ناسين أو متناسين بأننا بصدد انتظار مباراة بين بلدين ناميين و جمهورين متعصبين كثيرا للكرة و مجتمعين مثخنين بالمشاكل الداخلية, ينتظران أية شرارة لينطلقان في تفريغ ذلك الغضب العام...

و هكذا و بعد أحداث القاهرة و الخرطوم راح كل طرف يبالغ في لعب دور الضحية, و لا يريد الاعتراف بأعمال فئة عنيفة من مناصريه – و هي فئة موجودة و ستظل رغما عن أنوفنا جميعا – و التي ألحقت الأذى بمناصري الفريق الآخر سواء جسديا أو معنويا. و هنا أتوقف لأقول أنه لو حدث و اعترفت القنوات المصرية بحدوث أعمال عنف ضد بعض الجزائريين في القاهرة, و لو اعترفت الصحف الجزائرية بحدوث أعمال عنف ضد بعض المصريين في الخرطوم, لاستطعنا أن نقول بأنه يوجد الحد الأدنى من الموضوعية في صحافة البلدين, و هو ما لم يحدث بتاتا – حسب تتبع كاتب هذه الأسطر لتلك التطورات –  ليُثبت فعلا أن الصحافة في الدولتين كانت قد انتقلت من حالة خصومة إلى حالة حرب إعلامية مفتوحة و حقيقية.

جـ - من المعلوم أن الصحافة في أي بلد تؤثر على توجهات الرأي العام و تساهم بشكل فعال في صياغته, لكن ما حدث في الظاهرة الإعلامية الجزائرية – المصرية هو أن الإعلام بات يؤثر و يتأثر بعامة الناس, ففي خضم هذا العصر الإلكتروني الذي صارت فيه الإنترنت من بين أكبر الفضاءات التي يحضر فيها عامة الناس الذين يتواصلون فيما بينهم و يتبادلون الأفكار, أي يؤثرون في توجهات و سلوكيات بعضهم البعض, من الغريب أن يظهر نوع من التأثر في بعض الكتابات الصحفية و التعاليق التلفزيونية بالمواجهات اللفظية التي شهدتها مساحات الدردشة و المنتديات في الشبكة العنكبوتية بين مشجعي المنتخبين, بل و يتناقلون بعضا من مظاهر الاستفزاز الحاصل بشتى الطرق و الأفكار, مما شجع المزيد من العامة و الشباب للانضمام للتفنن في طرق الاستفزاز التي غذت أكثر فأكثر حساسية الموقف و زادت من حساسية و انفعال الصحافة ضد بعضها, رغم أنه كان يُمكن في أحسن الأحوال التنبيه إلى أن ما تشير إليه الصحافة يبقى سلوكيات عامية تخص الشارع, و لا تخص " النخبة " المؤثرة التي تمثل الصحافة أحد أطيافها, أو هكذا يُفترض, و برأيي هو يُعد انحرافا خطيرا لهذه المهنة, التي صارت جزء من حلقة مغلقة تتفاعل معها و بداخلها مع عناصر غوغائية تماما, لا علاقة لها بأصحاب الفكر و الرأي.

     الآن و بعد جملة هذه الملاحظات القليلة التي قد لا تمثل الجانب الكامل و النهائي من صورة ما حدث, نستطيع تشكيل نظرة عامة عما حدث بين الجزائر و مصر بسبب اللامسؤولية الإعلامية, و الافتقار إلى الموضوعية و الواقعية حتى في نصرة الجانب الذي تنتمي الصحافة المعنية إليه, و هو ما ساهم كثيرا في تشويه الأفكار و الوقائع في أذهان جماهير البلدين, بل و انتقلت هذه العدوى لتشمل بعض الطبقات التي كان يُفترض أن يكون لها الحد الأدنى من استقلالية الفكر, و القدرة على الحفاظ على الرؤية الحيادية و العقلانية وسط تلك الفوضى المُفتعلة لأهداف سياسية داخلية, أُريدَ لها أن تتحقق و لو على حساب العلاقات الثنائية بين الشعبين, و نحن نرى اليوم تضرر العلاقات الثقافية و التجارية و الأكاديمية بين البلدين " بسبب مباراة كرة قدم و  سذاجة و تهور وعدم واقعية بعض الإعلاميين ", و هذه خسارة أفدح بكثير من الخسارة الرياضية.

     لقد أضحى من الضروري إعادة النظر في العلاقات الإعلامية العربية – العربية بعد الذي حدث, و إعادة تنظيم أساليب عملها على الأسس الموضوعية المتعارف عليها دوليا, إضافة إلى خلق معايير خاصة بها مستمدة من التركيبة السيكولوجية و السوسيولوجية العربية, من أجل تفادي أي سوء فهم أو خلط في قراءة آراء و ردات فعل و سلوك الآخر مستقبلا, فضلا عن تجنيب الصحافة من العناصر التي قد تحيد بها عن طريقها الصحيح..., و قد يقول قائل بأنه حتى الصحافة الغربية و في أكبر الديمقراطيات تكذب و تنحاز و تلفق الحقائق, و أقول: صحيح, لأن ما أشرت إليه حول السلوكيات الإعلامية يبقى موضوعا مطروحا للنقاش عالميا, و أقول كذلك بأن تلك الصحافة الغربية تحيد عن طريقها الأخلاقية في بعض الأحيان من أجل أهداف كبرى, و في حالات حروب ذات أهداف إستراتيجية تُخاض ضد أمم و مِلل أخرى.....و ليس من أجل مباراة كرة قدم بين شعبين يشتركان في التاريخ و العِرق و اللغة و الدين و حتى المستقبل. و أدعو الجميع في النهاية, و بخاصة الساسة و أرباب و منشطي الفضائيات المصرية, للتأمل في المثال الفرنسي الايرلندي, و تعلم منه المعنى الحقيقي للرزانة و التحكم في الانفعالات و احترام الذات و الآخر عند الانكسار.

-----------------------

الجزائر في 28-11-2009

Partager cet article
Repost0

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens