Overblog
Suivre ce blog Administration + Créer mon blog
19 avril 2011 2 19 /04 /avril /2011 15:35

L-imzad-dans-les-mains-d-une-des---l--ves-de-l---cole-de-Ta.jpg

من التراث الجزائري: أسطورة الإيمزاد

عالم سرمدي ساحر لا متناه... غموض و ألغاز و قصص من الماضي السحيق... جمال متوحش و مخملي في آن واحد..., هذه بعض العبارات التي قد يستنجد بها السائح الأجنبي في محاولة يائسة يصف بها شعوره و انطباعه تجاه واحدة من أشهر و أجمل الصحاري في العالم, صحراء " الهوغار أو الآهاغار و التاسيلي ".

و لمن لم يسمع من قبل بوجود هذا المكان, أقول له أنه يقع في الجنوب الشرقي للجزائر, عبارة عن هضبة صخرية بركانية شاهقة, تقع على علو نحو ألف متر عن سطح البحر, تتشكل من سلاسل جبلية بركانية ذات أشكال بديعة, تفننت الطبيعة في نحتها على مدار ملايين السنين منذ أيام الزواحف العملاقة. لذلك صنفت منظمة اليونسكو عام 1982 هذه الصحراء الجزائرية كإرث إنساني عالمي, بل و أبعد من ذلك, تم تصنيف المنطقة كأكبر متحف طبيعي مفتوح على الهواء الطلق في العالم, لاحتوائه على نحو ثلاثين ألف نحت و رسم حجري لإنسان ما قبل التاريخ, و بقايا أشجار حجرية عملاقة كانت الديناصورات تتجول تحت ظلالها ذات مرة, و كل ذلك ممتد على مساحة تقدر بثمانين ألف كيلومتر مربع.

إن الحديث عن السحر و الشهرة و الإثارة التي يصنعها هذا المكان الفريد من نوعه قد يدفع البعض للاعتقاد أن الأمر يتوقف عند جماله الطبيعي فقط, إلا أنه يتعدى مجرد ديكور تاريخي قديم من دون حياة, لأن هذه المنطقة تفيض بنبض شعب عاش فيها لقرون طويلة بكل تناغم و انسجام. إنهم الطوارق (1), الشعب المتفرد في كل شيء, في لباسه و نمط عيشه و لغته و عاداته و تقاليده و قوانينه و ثقافته, و قد استطاع فعلا تصدير تلك الثقافة إلى كل أنحاء العالم بعباءتها الجزائرية و بشكل ضاعف من أعداد السياح, سواء كانوا أشخاص عاديين أو علماء آثار و أنثربولوجيا و اجتماع أو موسيقيين و فنانين... ممن شدهم غموض المنطقة, فتحولوا إلى حجاج يزورونها كل شتاء, بفضل تلك العلاقة العاطفية و الروحانية التي ربطوها مع هذا الجزء العميق الغابر مما يُسمى بالعالم العربي, بفضل تلك الجاذبية التي تستمر الثقافة الطارقية في ممارستها على عقل كل من يزور المنطقة. و لعل من أهم تلك العناصر الثقافية التي صنعت هذه الهالة حول منطقة الهوغار و التاسيلي طيلة هذه العشريات من الزمن, هي الموسيقى التي يشتهر بها شعب الطوارق و المعروفة باسم " إيمزاد " نسبة لاسم الآلة التي تعزف بها.

ليس هنالك تاريخ مضبوط حول ظهور هذا النمط الموسيقي الفريد من نوعه في شمال إفريقيا, إلا أن الدراسات الأنثرُبولوجية ركزت اهتمامها كثيرا على دراسته و تحليله, كونه يعتبر من التراث المعنوي الأخير تقريبا, الذي لم يتأثر بأي عوامل خارجية احتكت بها حضارة الطوارق العريقة, فهو و بحسب العارفين بأسراره لم يتغير, و بقي محافظا على طبيعته الأصلية منذ قرون, إضافة لكونه نوعا من الموسيقى الطقوسية و الرمزية التي لها ارتباط عميق و متجذر في تاريخ المنطقة الطويل. إلى درجة يؤكد فيها البعض أنه و عن طريق هذا الطريق الطويل الذي قطعه لحن الإيمزاد الذي حافظ على بنيته الأولى التي ظهر بها في غابر الأزمان, يمكن تشكيل صورة واضحة كما لم تكن من قبل حول حياة الإنسان الأول, بل و الشعور بما كان يشعر به في حالاته الوجدانية المختلفة بالنسبة للذين يمتلكون الحس الموسيقي الوجداني العالي.

يمكن تحديد أربعة عناصر أساسية يقوم عليها عالم موسيقى الإيمزاد الغامض, و هي:

-1 اللحن نفسه, و الذي ينقسم إلى لحن أساسي أو سيد يُطلق عليه في اللغة الأمازيغية " آمغار " و ألحان فرعية تسمى " إيزلان " و هي الفروع أو الأغصان. و عموما هناك 36 لحنا خالدا و معروفا في هذه الموسيقى.

-2 القصائد المرافقة للحن, و التي تتطرق لمواضيع تشكل صلب حياة الإنسان الطارقي و تعطي معنى لوجوده, و عموما هي مواضيع تدور حول المرأة و الجمال و الشجاعة و النبل و الوطن, إضافة إلى قصائد تغنى في المناسبات الاجتماعية و الدينية كالأعراس و أعياد المولد النبوي و عاشوراء...

-3 المرأة التي تعتبر العازفة الأولى و الأخيرة للإمزاد, إذ أن حمل آلة الإمزاد يكاد يكون أمرا محرما على الرجل في مجتمع الطوارق, الذي تُعتبر فيه المرأة هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي.

-4 الآلة اللغز كما يحلو للبعض تسميتها, إنها آلة الإيمزاد الوترية التي تشبه إلى حد ما الكمان, و التي يصدر منها ذلك اللحن الغامض الضارب في عمق التاريخ, و المعبر بصدق عن روحها و روحانيتها.

إن الحديث عن الإيمزاد ارتبط دوما بالقصص و الأساطير التي خطها الطوارق و توارثوها في ثقافتهم حول البدايات الأولى لهذا اللون الموسيقي و آلته المميزة, و لعل أشهر هذه الأساطير تلك التي تحكي أنه و في زمن غابر أين لم يكن هنالك قانون قوي يحكم و ينظم علاقات الناس, و لم تكن هناك أعراف تسير مصالح و علاقات القبائل و الشعوب, نشبت حرب ضروس بين قبائل الصحراء بسبب نبع للماء, و قد استمر القتال لوقت طويل, حيث نزلت لعنة ذلك النزاع على الناس, فحولت عيشهم إلى مرارة و ألم, و فرقت شمل الأقارب و الأحباب, فهجر البلاد قوم كثير و لم يبق فيها سوى من أجبرته ظروف الحرب على البقاء. لقد تيتم الشباب الذين سرعان ما تحولوا إلى مقاتلين يأخذ الواحد منهم مكان الأب أو الشقيق الأكبر الشاغر في ساحات المعارك, التي كانت قد ارتوت بدماء الجيران و الإخوة الأعداء إلى درجة أن الأجيال اللاحقة من المحاربين صارت تقاتل بعضها البعض دون أن تعلم جوهر الصراع و سببه الأصلي, بسبب تراكم الأحقاد و الضغائن التي حولت الجميع إلى كتل من الكره و نيران من التعصب القبلي الأعمى, فصار الرجل يعيش من أجل أن ينتقم.

لقد استمر الأمر على حاله حيث طالت حروب الكر و الفر بين العشائر المتقاتلة, و ضاقت الصحراء بما رحبت على نساء الطوارق, اللواتي فقدن نضارتهن بسبب ما فعلته الدموع و الدهر بوجوههن السمر, بعد أن فقدن أزواجهن و أبناءهن و قُطعت أرحامهن و وجدن أنفسهن ضحايا للوحدة و الخوف و الضياع, و هن يشاهدن كيف تحول الحرب و أحقادها ما بقي من رجال و شباب إلى مجرد جثث حية تصطف على لائحة الموت منتظرة ضربات أمصال السيوف و الرماح, لتجعل منها طعام ضباع الليل في آخر المساء بعد نهاية الاقتتال. أجل لقد غاب الأمن و الأمان, حيث اختلطت العزة بالإثم و صارت الدماء رخيصة و ضاعت قداسة الصحراء فلم يعد للحياة معنى.

 لهذا السبب قررت نساء العشائر المختلفة الاجتماع ذات يوم لبحث مخرج لهذه الكارثة الحضارية و الأخلاقية التي حلت على القوم, بسبب نبع ماء لم و لن تنقطع مياهه أبدا, فقررن يومها ابتكار شيء ما تكون له القدرة على إيقاظ الضمائر و المشاعر و العودة بالعقول و القلوب إلى التبصر في المعاني الحقيقية لنبل و شهامة رجل الصحراء. حينئذ اقترحت إحدى النسوة صناعة آلة موسيقية لذات الغرض, فأوكلن المهمة لأكبر الحاضرات سنا و أكثرهن حنكة و معرفة بأسرار الفيفاء.

و بالفعل و من دون انتظار عادت العجوز إلى بيتها, حيث تطهرت و تزينت و خرجت تبحث عما تصنع به هذه الآلة, مسلمة روحها إلى روح الصحراء, تاركة بذلك الأمر لغرائزها الأمومية كي تتصرف بكل تلقائية و سجية في صناعة هذا الشيء المقدس. حينئذ هبت نسمات خفيفة مدحرجة حبيبات الرمل الذهبية على الكثبان, محركة أوراق شجر الصحراء, ثم صارت تحدث نوعا من الصفير الخفيف على مداخل الكهوف التي عاش فيها الأسلاف قبل آلاف السنين, بشكل شد مسامع الفهود المستلقية على الصخور المتراصة فوق بعضها البعض, في ذات الوقت الذي كانت فيه المرأة قد فرغت من صناعة الكمان ذو الوتر الواحد, فمرت تلك النسمات و لامست الوليد الجديد فكانت روحه التي سكنته.

و في مكان غير بعيد, كان دولاب الحرب الضارية مستمرا في حصد المزيد من الأرواح و تحطيم المزيد من القلوب, حيث اشتد القتال بين المحاربين و كل يشد على مقبض سيفه بيده المتعرقة, و بصره شاخص بين الغبار الذي كانت تثيره حوافر الجمال و التحام المقاتلين بعضهم ببعض. إلى أن حدث شيء غريب, فقد بدأت أصوات تناطح السيوف تخف شيئا فشيئا, و راح صراخ حناجر الرجال ينزل إلى أدنى مستوى, فراح البعض يتساءل عما يحدث بعد أن توقفوا عن مبارزة بعضهم البعض. لكن عبارات و همسات الطاماشيق (2) انتشرت بين الجميع, مفادها أن اسمعوا هذا اللحن الشجي القادم من بعيد مع نسمات الهواء. وقف الجميع للحظات دون حراك و هم يُنصتون لتلك الألحان الطيبة الغريبة التي راحت تداعب مسامعهم و تتسلل بشكل معجز إلى أعماق قلوبهم, لتبدأ في تهدئة غضبها و خوفها, تماما كالماء الباردة التي تسكب على المعدن الوهاج من النار فيتصاعد حره في شكل بخار فيتبدد في الهواء.

من دون سابق إنذار, وجد الرجال أنفسهم و هم يضعون أسلحتهم على الأرض, و يسيرون من دون وعي قاطعين تلك المسافة يتتبعون صوت الآلة عن طريق النسمة التي كانت تحملها إليهم و تقودهم إليها, و هم في حالة روحانية غربية و نظرات شاردة صبت عليهم الطمأنينة التي افتقدوها لسنين عديدة, و التي برزت عبر نظرات عيونهم التي كانت تفضي عن ملامح وجوههم الملثمة. إلى أن وصلوا إلى تلك الشجرة وسط الصخور البركانية, أين كانت المرأة تجلس في وقار, تضع الوليد فوق حجرها و هي تعزف بكل تلقائية  مستلهمة تلك الألحان من روح الصحراء الشاسعة, و من همسات أرواح و أطياف الأسلاف الهائمة في ربوعها. فكانت الآلة تبدو كالولد الوديع حين يجلس فوق حجر أمه الحنون, يُدندن ألحانه الملائكية في سلام, في حين تداعب هي خصلات شعره بأناملها الرقيقة.

لقد جلس المحاربون جميعا جنبا لجنب مشكلين ما يشبه الحلقة, و أغمضوا أعينهم و راحوا ينصتون إلى اللحن الذي أخذهم بعيدا عن الواقع, أخذهم إلى أعماق أنفسهم, في مكان ما حيث يُمكن للروح و القلب أن يتطهرا من نجاسات الأحقاد و الكره, التي تطمس البصيرة و تحول العبد إلى ما يشبه البهيمة. هناك تخلص كل واحد منهم من حمله الأسود, و ما إن كادت العازفة تنتهي من عزفها المقدس حتى فتح الجميع أعينهم التي فاضت منها نظرات جديدة, فراحوا بعدها يتعانقون و يتبادلون الاعتذار و الصفح, و هكذا أنهت آلة الإيمزاد و موسيقاها أيام الحرب, و أتت بحقبة عاشت فيها جميع قبائل الصحراء في كنف السلم و الأخوة.

و هكذا يُمكن للقارئ الكريم استلهام عدد لا يحصى من العبر و القيم الأخلاقية من هذه الأسطورة الجميلة, لكن الأجمل هو حقيقة ذلك التأثير النفسي الغريب الذي لا تزال تحدثه هذه الموسيقى في نفوس أبنائها من الطوارق, أو عشاقها من السياح الأجانب, فأنت تراهم يجلسون من دون حراك في حضرة العازفة, إلى درجة قد يبدون فيها كأنهم جمادات, و الحقيقة هي أنهم و في تلك اللحظات يكونون في قمة التأمل و الاستبطان, إلى درجة قد تدفع الفضولي إلى افتراض أن تلك الأسطورة التي عمرها عشرات القرون حقيقية فعلا.

لكن ما يؤسف له حقا هو أن أعدادا لا يستهان بها من الجزائريين و خاصة من الشباب, تجهل وجود مثل هذه الثقافة أو مثل هذا التراث المعنوي الهام للبلد, رغم أنه قد وصل إلى اليابان و كندا و روسيا, حيث اكتشفه شباب هذه الدول كما لم يكتشفه شباب بلده الأصلي ؟.

1 الطوارق أو الرجال الزرق هم قبائل تنتشر عبر دول الساحل الإفريقي , كليبية, مالي, نيجر, موريطانيا, و الجزائر التي تعتبر من أهم مراكزهم لتواجد أطلال مملكتهم و ضريح ملكتهم التاريخية " تينهينان " في منطقة " آبلسة " بالجنوب الجزائري.

2 طاماشيق أو طاماشيك, هي لغة الطوارق التي تكتب بحرف " التيفيناغ " الذي يعتبر القاعدة الأبجدية الأساسية للخط الأمازيغي في الجزائر 

 

Partager cet article
Repost0
17 avril 2011 7 17 /04 /avril /2011 22:01

botte roses pales[1]

كهينة: تلك البتول... ( قصة قصيرة )

 

          ربما كان مقدرا لها أن تحمل اسم ملكة جبال الأوراس الجزائرية الأمازيغية " كهينة ", تلك المرأة التي مثلت صورة الشموخ و الكبرياء و القداسة التي أحاطها بها شعبها أوقات الحروب في تاريخ أمتنا القديم, ربما لم تكن مصادفة أن تجتمع فيها خصال المرأة التي يصعب الاقتراب منها أو افتكاك إعجابها, رغم أنها تسحب الأرواح و القلوب إليها سحبا في الوقت عينه, أو على الأقل فقد سحبت روحه و قلبه إليها, أو ربما لا تزال تسحبهما لولا أنه يُقاوم و يقمع مشاعره تجاهها يُحاول جاهدا الفرار في الاتجاه المعاكس, ليس كراهية في الحب, فلا عيب في الحب الموزون و الناضج, لكن,  و أمام فتيات رصينات و محترمات, يجدر به أن يخاف مما قد يُحدثه حب هذه البتول " كهينة ".

لذلك فهو كثيرا ما يُحاول احتلال الأماكن الأولى في قاعة الدرس, فمن جهة هو يريد أكبر قدر من التركيز بما أنه جاد فيما يدرس, لكنه أيضا يحاول أن لا تكون تلك الظبية في مرمى ناظريه, فهو لم يعد يطيق تلك المواجهات العُصابية الطاحنة و الصامتة التي يعيشها بينه و بين قلبه, ذلك التلميذ الغبي الذي لا يحفظ الدروس..., و رغم ذلك لا تسلم الجرة في كل مرة, و غالبا ما يجدها تجلس أمام ناظريه مباشرة أو على الزوايا التي تصل إليها مقلتيه بسهولة, لذلك يستسلم رغما عنه في بعض الأحيان, فعين على الدرس و الأستاذ, و أخرى على  من يُفترض بها أن تكون العروس الموعودة ذات يوم.... ربما ؟, لكنه يراها جميلة جدا, في قلبها و قالبها.

 إنها فتاة ليست ككل الفتيات رغم أنها مجرد فتاة لها محاسن و عليها عيوب, أو هكذا هو يُحاول إقناع نفسه معظم الوقت ليقمع المزيد من مشاعره النامية يوما بعد يوم...., سر جمالها يكمن في بساطة ملبسها و مظهرها و ابتعادها التام عن أشكال البهرجة, التي حولت معظم شابات اليوم إلى جيل من الدمى الموجهة للاستهلاك الآني, أما هي فسلوكها و طبعها فريد من نوعه يُميزها عن كل من يعرف و من لا يعرف من بنات, إنها من النوع الذي يُستثمر للعمر كله.

عيناها بنيتان تنطلق منهما نظرات دافئة و هادئة على مدار العام, عادة ما تجعله يحاول وصف ما يوجد فيهما لكنه يعجز عن ذلك, بسبب أنها لا تنظر أبدا في عينيه إلا عرضا, ربما لحيائها, لكنه يعتقد أن ثمة أمرا ما, فإن كان في عالمنا هذا أربعة فصول في السنة, فلا بد من وجود الفصل الخامس في عينيها بكل تأكيد... و هو يأمل أن يكون الرجل المحظوظ الذي سيعيش ذلك الفصل يوما ما ؟.

طريقتها في الحديث مميزة, خاصة عندما تمزج لكنتها القبائلية عن غير قصد في بعض الكلمات العربية مما يجعل حديثها حلوا و ممتعا, فقد سبق و أن سمعها تتحدث, كما أنها كلّمته ذات يوم, ليس بالشكل الذي كان ينتظر أو يأمل, لكنه سمع صوتها عن قرب لأول مرة....لم تكن كلمات في الحقيقة... بل لكمات.

عندما تتحدث إلى الناس عادة فهي لا تكتفي بمجرد الحديث إليهم, بقدر ما تحاول دوما التواصل معهم بحنو تطغى عليه رزانتها و لطفها في تزاوج لا يُلاحظه إلا الشخص المهتم بها و بصدق, ربما هي صفة اكتسبتها من تربيتها المنزلية فصارت جزءا من سلوكها الاعتيادي, لذلك يكون تعاملها مع الناس مبنيا دوما على الود و احترام الذات الذي يفرض على الآخرين الاحتراز و الاحترام المتبادل, و في أحيان أخرى تستعمل إيماءات يديها و بسمتها البريئة التي تشرق من وجهها الطفولي في الحديث مع صديقاتها, بشكل يجعل الملاحظ المحنك يتفطن إلى كنزها الدفين,  فتلك الحركات الخفيفة و الرقيقة تدل على دلال و أنوثة خالصة و نقية قد يحلم بها أي رجل سليم الفطرة, عجبا من شباب مختلف الأقسام الذين لم يلحظوا ذلك, لكنه أمر مُطمئن لصاحبنا و هو يتمنى أن تظل أبصارهم مغشوة  بفتيات الملابس الضيقة و العطور الخانقة و القهقهات المفزعة ماداموا هم يرغبون في ذلك, ليس بغضا فيهم, بل غيرة عليها, بما أن صنفها بات نادرا جدا في زمن صارت فيه مطربات الفضائيات الهستيريات قدوة لجميع الصبايا...

و كثيرا ما يعود إلى نفسه و هو يبحث و يسأل عن سر كلمة " غيرة ", فمن نغار عليه هو شخص نحبه بالضرورة, لكنه لا يحبها بل يُكن لها العزة...., لكن..., من نحمل له العزة في قلوبنا هو شخص نحبه بالضرورة كذلك ؟.... لا, هو يحترمها فقط, لشخصيتها و اتزانها مقارنتا مع من هن في مثل سنها الصغيرة, لكنه يحمل لها بعض الإعجاب الذي أباحه لنفسه, ربما حتى لا يختنق قلبه في سجنه الانفرادي, فلا بأس ببعض الهواء النقي و بعض الخيوط الشمسية الذهبية, التي تأتي من تلك الشمس التي تشرق عليه كل يوم, تلك الشمس التي يُقبل عليها يوما آملا, و يفر منها يوما آخر يائسا.

عندما تمشي في الأروقة و الردهات, لا أحد يلاحظ مرورها في الغالب إلا إذا تفطن إلى جمالها إن كان ممن يفهمون معاني الجمال الحقيقية, فخطواتها صامتة, و مشيتها تشبه مشية اليمام... على الأقل هو يراها كذلك, طبيعية, متزنة, تمتزج فيها الرقة غير المصطنعة مع الثقة و الاحتشام, فهي تبعث على نفس من يراها شعورا جميلا بالسكينة و الاطمئنان, و هذا هو جوهر الفتاة الخلوقة... هذا هو جوهر الجمال.

إن أكثر ما يعجبه فيها هو جدها و كدها الدراسيان, إنها تخرج لتكافح من أجل مستقبلها غير آبهة بكل الصور و الأهواء المتلاعبة بعقول جل شباب هذه الأيام, و لعل ذلك كان أول شيء لاحظه فيها أيام الدراسة الأولى منذ انطلاق الموسم, و أول شيء جذبه إليها قبل أن يتطور داخل قلبه, و أهم شيء حتم عليه كبح نفسه بقدر المستطاع, فهي تذكره بأنه هو الآخر مسؤول أمام مستقبله إن كان فعلا يريد الظفر بها يوما ما, كما أنه يجد نفسه دوما مجبرا على الابتعاد عنها احتراما لها مادامت لا تود أي شيء آخر عدى الدروس, رغم أنه رغب كثيرا في التودد إليها تحت غطاء الزمالة ليُطلعها على جوانب شخصيته تمهيدا لما يُخطط له بعد نهاية الدراسة و الخروج إلى محيط الحياة الواسع.

في تلك اللحظات التي يسترق فيها النظر إليها من بعيد, و هي منهمكة في تقليب صفحات دفاترها, ينتابه شعور بالهدوء, لأنه يتأكد في قرارة نفسه بأن أمر إعجابها أو اهتمامها بشخص ما يبقى غير وارد تماما, أو على الأقل في الوقت الراهن, أو على الأقل هذا ما يبدو ؟, رغم أنه كثيرا ما يشعر باليأس من وضعه مع كل ما يحمله في نفسه من مشاعر صادقة و نبيلة, فهو لا يدري كيف يجعلها تفهم أو تشعر على الأقل بأنه ينوي التقدم لخطبتها عندما تجهز أموره, و بأنه جاد كل الجد في ذلك, فهو لا يستطيع إخبارها عن ذلك وجها لوجه لأن هذه الأمور لا تسير بهذه الطريقة في مجتمع مُحافظ, ثم إنه لا ينسى أنه شاب شديد الخجل, متعثر في الكلام, متخشب في الأداء عندما يتعلق الأمر بنبض متغير في فؤاده, رغم أنه في العادة يتمتع بثقة عالية في نفسه و هو طبيعي و  متفتح على جميع من يعرف,... و هكذا يجد نفسه مجبرا على مراقبة أحاسيسه و التضييق عليها حتى لا تتسع و تخرج عن نطاق سيطرته, مادام كل شيء غير واضح, فيستمر فقط في الدراسة و التربص من بعيد, مراقبا إياها و هي تحمي نفسها بمخالطة الفتيات الرزينات مثلها, فهن يتحركن معا بين الصف و المكتبة, باقة من الورود, تشع وسطهن وردة شديدة البياض, تملأ صدره بعبير يكاد يُنسيه أنه يضيق على قلبه فيُسكره من عاطفة الحنان التي يحملها لتلك الناعمة, التي لم يرى منها إلا الخير و لا تستحق غير الخير منه لو تمنحه الفرصة, تلك الفرصة تبدو بعيدة جدا, على الأقل في الوقت الراهن, أو هكذا يظن...., أليس كل هذا مؤشرا على حب ينمو ؟, و يا ليته كان ينمو بينهما, لكنه ينمو فيه لوحده و هذه فكرة تثير خوفه جديا فهو يخشى الوقوع في حب من طرف واحد.

أما هي فتبدو في بعض الأحيان شاردة الذهن مع نفسها, لهذا يتأمّلها من بعيد في صمت عندما لا يكون برفقة أحد محاولا تخيلها و هي متزينة بالحلي البربري و الجبة القبائلية بدلا من الماكياج و ألبسة البهلوانات المنتشرة هذه الأيام..., يبدو أن حُسنها لن يُضاهيه حسن عندما ستظهر بملمحها الطبيعي الأصيل. و في أحيان أخرى يسأل نفسه عن سبب ذلك الشرود, لذلك تعتريه رغبة غريبة و من دون سبب واضح في الذهاب إليها و مبادلتها بعض الأحاديث التي تطغى عليها بعض الفكاهة و التنكيت, لعله يرفه عنها و يزيح عنها أي ضيق مُحتمل يكون سببا في ذلك الوجه الهائم و النظرات البعيدة, لكنها قد لا تقبل أن يقترب منها بما أن لها نظرة مسبقة عنه.

ما حدث, و ما أوصل الأمر إلى ما هو عليه من هذا التعقيد, هو أنه أخطأ في الزمان و المكان الذي قصدها فيه للحديث إليها ذات مرة حول أمر دراسي, رغم أن دوافعه كانت أقوى من تريثه ذاك اليوم, لكن الفتاة لم تكن متسامحة حينها و ظنت به سوءا, لأنها كانت تعلم من قبل أنه كان ينظر إليها بشكل غير طبيعي لأيام, و هو يتعجب كيف فاته أن يتذكر أمرا كهذا و بأنه فعلا يحصل, النساء دقيقات جدا في ملاحظة أكثر لحظات الضعف التي قد يعيشها الرجل تجاه من تنال إعجابه و تبهر ناظريه, و يا لبؤسه و غبائه عندما يحاول التظاهر بأنه لا يقصد شيئا, فضعفه يتأكد فقط في تلك اللحظة من الكبرياء المزيف, إنهن مُلاحظات بالفطرة, حتى و إن أظهرن عدم اهتمامهن المطلق, لكن أسوء ما حدث تلك الأمسية هو أن الشاب قصد أمرا, و هي صدّقت أمرا آخر, ذاك كان من أكبر مخاوفه.

 أراد الاعتذار إليها لاحقا لولا أنه لم يمتلك الشجاعة بسبب الخجل و العار الذي عاشه مع نفسه, بعد أن أدرك كم كان قاصرا و غبيا في حساباته تلك الأمسية, و استشعر حجم الضرر الذي كان يمكن أن يُسببه لها, لكنه لم يكن متأكدا حتى من أنها ستصدقه, فمحاولة الاعتذار كانت يمكن أن تبدو و كأنها مراوغة أخرى بالنسبة لفتاة مُرتابة..., يكفيه في ذلك أنه قد أفسد كل شيء بنفسه في لحظة تسرع و اندفاع قد يعيشها أي رجل في حالة كهذه, و هي لحظة قد لا تفهمها بعض النساء, لكن ما كان يجب الحديث إليها في مكان عمومي لا يبعد كثيرا عن مقر سكنها, و هو يعلم أنها فتاة شديدة الحرص على سمعتها, فهل كانت نيته الصافية و مشاعره الصادقة كافيان ليشفعا له من ذلك الحكم القاسي ؟, الأمر صعب في مجتمع منغلق, لكنه في النهاية لم يُعاتب نفسه كثيرا بما أنه كان متيقنا من حسن نواياه, فقط ما كان يشغل باله هو كيفية إصلاح الأمر؟, كيف يمكنه إظهار صورته الحقيقية التي يعرفه بها الجميع دون تملق أو نفاق ؟.. قبل التفكير في كسب ثقتها ثم إعجابها ثم عاطفتها التي قد تمهد لافتكاك صمتها يوم تصل لحظة الحقيقة في بيت أهلها..., يبدو المشوار طويلا بعض الشيء, و نجاحه فيه غير واضح أيضا.

لقد قرر الابتعاد و الاهتمام بأمور أخرى مؤقتا, بعد أن أيقن أنه الحل لإصلاح ما حدث, فالمشكلة لم تعد بينه و بينها بما أنها لم و لا ترغب في التعاطي مع موضوعه برؤيتها و حُكمها المسبقين, أو على الأقل في الوقت الراهن ؟, لكن المشكلة باتت بينه و بين نفسه, لأنه في النهاية يقف في مفترق للطرق, فلا هو قادر على الاندفاع نحوها مادام غير جاهز بعد لطلب يدها وفق ما هو متعارف عليه, و لا هو قادر على الاندفاع نحوها من دون سبب بسبب المكابح التي وضعها لنفسه احتراما لها و لِسمعة أسرتها, و لا هو قادر على التقرب منها كزميل لأن ذلك سيكون أشبه بمزحة ساذجة في نظرها, بما أنها تعلم انجذابه إليها و هي ترفض ذلك الانجذاب, و لا هو قادر على إنكار عاطفة الحب التي تتجلى في قلبه نحوها يوما بعد يوم, و هذه التي يراها حسناء و يرغب فيها بشدة ستظل أمام ناظريه مادام الموسم الدراسي لم ينتهي بعد..., و الأكثر سوءا هو أنه يلمس حقيقة أن تركيزه الدراسي يتراجع بسبب هذا الصراع الداخلي المرهق, مما يعني أن نتائجه ستبدأ في التقهقر..., لقد تمنى لو أنه كان يعرف أحد أشقائها مثلا, كان ذلك سيُسهل عليه الكثير, فليس هناك أفضل من إتيان البيوت من أبوابها لكن...

هذا أسوء ما قد يحدث لشاب خجول مع فتاة مُتمنّعة, سوى أنه في بعض الأحيان يُدرك المرء أن عليه فقط أن يكون حاسما مع نفسه كالسيف, بقدر ما هو نزيه مع الآخر مادام واثقا من سلامة موقفه, ثم إنه متيقن من أنه كان و لا يزال يستحقها على أية حال, أما هي, فلا خوف عليها, لأنها ستبقى دوما كهينة القوية, الوردة الجميلة التي ستصيب أشواكها كل يد متطفلة قد تطالها, ثم إنه لن يبتعد كثيرا, لكنه سيأخذ لنفسه مسافة تضمن له أن يبقى دافئا أمام تلك الشمس التي يريدها, فلا يبتعد كثيرا حتى لا يتجمد, و لا يقترب كثيرا حتى لا يحترق, و لا بأس بشيء من التفاؤل... فالأيام بينهما, ستغير العذراء نظرتها نحوه و ستعرفه على حقيقته مهما طال الزمن, و قد تفكر فيه بينها و بين نفسها, بل و قد تغريه بالذهاب إلى بيت أهلها يوم تشعر بأنها جاهزة.... يُقال بأن المرأة كالهرة, عندما ترغب في التودد إليها تتدلل و تبتعد متكبرة, حتى و إن لم تقصد التكبر بمعناه الحقيقي, فإن تجاهلتها و اهتممت بشؤونك, حتى و إن لم تقصد التجاهل بمعناه الحقيقي, جاءتك بمحض إرادتها متوددة.

و الحقيقة هي أن كهينة البتول فتاة تشبه تلك الأمطار الرعدية الدافئة التي تهطل على حين غرة في أمسيات أواخر الربيع و بدايات الصيف, لا تخلف بعدها سوى قوسا بديعة من الألوان التي تعلن عن قدوم الليالي الطويلة التي  تكتسح فيها روائح الياسمين الأجواء و تحضن الأرواح.., تلك البتول لن يظفر بها إلا رجل حر في النهاية.

        

  -----------------------------------------

علاوه أمير فنور – 12-01-2010.

Partager cet article
Repost0
16 avril 2011 6 16 /04 /avril /2011 14:58

 Snapshot_2-copie-1.png

 

تمر هذه الأيام 54 سنة على استشهاد واحد من أكبر قادة و مفجري الثورة الجزائرية, العربي ابن مهيدي, الرجل الذي لا يزال يسيل الكثير من حبر أقلام التأريخ و الصحافة و الأدب بين ضفتي المتوسط, في الأوساط الأكاديمية و الأدبية و حتى السياسية, لما يمثله هذا الرجل من رمزية استثنائية في تاريخ الحركات التحررية في العالم, و الذي أجمع كل من عرفوه سواء من الأصدقاء أو الأعداء, على تفرد شخصيته و توجهاته و الكيفية التي سخَّر بها حياته منذ مرحلة المراهقة و إلى غاية إعدامه في خدمة القضية الجزائرية, حيث التصق تاريخه الشخصي بتاريخ الثورة, إلى درجة صار فيها الفصل بينهما مستحيلا. و هذه لمحة عن حياة و نضال و استشهاد الرجل الزاخرة بالعمل و الأحداث و الأسرار و الجدل:                                                                                                                        

المولد و النشأة:

وُلد محمد العربي بن مهيدي عام 1923 بمنطقة الكواهي الريفية بناحية عين مليلة التابعة لولاية أم البواقي بالشرق الجزائري, وسط عائلة متمسكة بهويتها الثقافية و الدينية. دخل المدرسة الابتدائية بمسقط رأسه قبل أن ينتقل إلى ولاية باتنة لمواصلة تعليمه الابتدائي, قبل أن يعود إلى أسرته و ينتقل إلى مدينة بِسْكرة بالجنوب الشرقي الجزائري, التي أتم فيها تعليمه هناك حيث انضم إلى حزب الشعب الجزائري سنة 1942, و هي المرحلة التي التقى فيها برفيق دربه, المجاهد و المناضل الكبير عبد الكريم حساني سنة 1944 عندما كان بن مهيدي قائدا لفوج الكشافة الإسلامية لمدينة بسكرة. و إلى جانب شغفه بالفنون و المسرح و السينما و الموسيقى الأندلسية, كان بن مهيدي رياضيا محبوبا من طرف الجميع, و سبب حب الأهالي له هو الأهداف الكثيرة التي كان يسجلها في مرمى الفرق الفرنسية, عندما كان لاعبا في صفوف فريق الإتحاد الرياضي الإسلامي لبِسكرة, الذي أنشأته الحركة الوطنية.                                         

ملامح النضال الأولى و المشاركة في تفجير الثورة:

تم اعتقال العربي بن مهيدي خلال مسيرات مايو 1945 السلمية الشهيرة, التي اعتبرت حينها – كما هو الشأن مع معظم أبطال الثورة الجزائرية – أولى تجاربه النضالية المؤثرة, بعد الرد الجهنمي الفرنسي عليها. و سنه لا يتجاوز 23 عاما, تم الزج ببن مهيدي في أحد الأقبية رفقة جماعة من السكيرين و المجرمين حسب شهادة المرحوم حساني, الذي أكد أن بن مهيدي كان قد تقدم تلك المسيرات التي تحولت إلى مظاهرات في الصفوف الأمامية.                                                                                    

بعد أهوال مظاهرات مايو 45 التي خلفت أكثر من أربعين ألف قتيل جزائري, و مثلهم من السجناء, تقرر إنشاء المنظمة الخاصة ( أو- أس ) عام 1947 كأول تنظيم سري جزائري ذو طابع شبه عسكري, الهدف منه التحضير لاندلاع العمل المسلح من أجل تحرير الجزائر باستخدام نهج العنف الثوري, بعد الفشل الفاضح للنضال السلمي و السياسي في تحقيق مطالب الجزائريين. و قد كان العربي بن مهيدي من أوائل الشباب الذين التحقوا بهذا التنظيم. و طيلة سبع سنوات من التحضير السري للثورة, تدرج بن مهيدي في صفوف المنظمة الخاصة من مسؤول الجناح العسكري بمنطقة سْطيف عام 1949 و نائب رئيس أركان التنظيم بالشرق الجزائري " محمد بوضياف " آنذاك, إلى المسؤول الأول عن التنظيم عن نفس المنطقة عام 1950, قبل أن يختفي عن الأنظار بعد اكتشاف السلطات الاستعمارية لأعضاء المنظمة و تفكيكها, فيما عُرف بأزمة حركة انتصار الحريات الديمقراطية بين 1950 و1953 , حيث تم تعيين بن مهيدي في تلك الفترة الحساسة كمسؤول الدائرة الحزبية في ناحية وهران بالغرب الجزائري.                            

كل تلك المسؤوليات التي تقلدها الشهيد جعلت منه اسما بارزا يتداول بين ألسن المناضلين, و حين تكوين اللجنة الثورية للوحدة و العمل في مارس 1954, كان بن مهيدي ضمن الشخصيات البارزة التي حضَرت الاجتماع السري لمجموعة الـ 22 الكبار بالعاصمة الجزائرية صائفة 54, و الذي خرجت منه مجموعة الـستة التاريخية, بضمها خيرة الشباب الوطنيين الذين تحولوا إلى الآباء المفجرين للثورة الجزائرية ميدانيا و هم: مصطفى بن بولعيد, محمد بوضياف, رابح بِطاط, مراد ديدوش, كريم بلقاسم, و طبعا العربي بن مهيدي, الذي أسندت إليه قيادة الولاية التاريخية الخامسة ( الغرب الجزائري ). حيث اجتمع الستة الكبار شهر أكتوبر 54 بعد إتمام الاستعدادات العسكرية في كل مناطق الوطن, محددين تاريخ و ساعة انطلاق الثورة و محولين اسم اللجنة الثورية للوحدة و العمل إلى جبهة و جيش التحرير الوطنيين.                   

بعد الانطلاقة المفاجئة و المزلزلة للثورة الجزائرية, و في أشهرها الأولى, بذل بن مهيدي جهودا جبارة من أجل الحفاظ على استمرارية العمل المسلح, خاصة في مرحلته الأولى, ذلك أنه كان يدرك أن أخطر ما يهدد الثورة هو خمود حماسها في نفوس جنود جيش التحرير و حتى في الشارع الجزائري الذي كان لا يزال منقسما و مترددا بشأن هذه الحرب, التي أطلقت عليها السلطات الاستعمارية عن طريق إعلامها و دعايتها اسم " الأحداث المعزولة ". لذلك عُقد مؤتمر الصومام في 20-08-1956 بجبال ولاية بِجاية, و الذي كان يهدف إلى إعادة هيكلة جهاز الثورة بعد النجاح في تفجيرها, بشكل يضمن لها أن تكون أكثر فعالية و شمولية, و أن لا تقتصر فقط على الجوانب العسكرية, بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و تفعيل الكفاح السياسي على ضوء الكفاح المسلح, حيث كان بن مهيدي من الوجوه البارزة التي حضرت المؤتمر. و رغم الخلافات الكبيرة التي شابت الاجتماعات بين كبار القادة, و التي تحولت فيما بعد إلى أحد أسباب الصراعات الداخلية بينهم ( الصراع بين السياسي و العسكري ), أنتج المؤتمر أجهزة كلجنة التنسيق و المتابعة و المجلس الوطني للثورة, التي رأى فيها البعض أنها زادت من توسع لهيب الثورة و فعاليتها, بينما رأى فيها البعض الآخر خروجا بالثورة عن خطها الأساسي. بالرغم من ذلك, فإن بن مهيدي ظل مركزا على مسئولياته و واجباته كقائد عسكري.                                        

ظروف الاعتقال و الاستشهاد:

في 1956 وقعت عملية القرصنة الجوية الشهيرة, التي قام بها سلاح الجو الفرنسي للطائرة التي كانت تقل الزعماء السياسيين الكبار في لجنة التنسيق و المتابعة, الذين كانوا في طريقهم من المغرب إلى تونس, و هو ربما الحدث الأبرز في السيرة القيادية لبن مهيدي. فإعلان السلطات الاستعمارية إلقاءها القبض على رؤوس جبهة التحرير و على رأسهم المناضل الكبير " أحمد بن بِلّة ", و زجها بهم في السجن, كان يوحي بأن الثورة – في شقها السياسي و الدبلوماسي على الأقل – قد دخلت نفقا مسدودا. و هو ما كان يعني من ناحية أخرى, أن بن مهيدي و بفعل ترتيبه القيادي في جبهة التحرير و رتبته العسكرية في جيشها كعقيد, كان قد صار عمليا المسئول العسكري الأول للثورة مع أربعة من رفقائه في لجنة التنسيق و التنفيذ, و من ثم الرأس الأخطر الذي لا يزال طليقا بالنسبة لباريس.                                                          

آنذاك, كان الرجل قد تنقل إلى الجزائر العاصمة – حسب شهادة الفدائي الكبير " ياسف سعدي" ( لا يزال على قيد الحياة ) – للتحقيق في التفجيرات التي كانت تهز العاصمة, قبل أن يتأكد من أنها ليست من تنفيذ الحزب الشيوعي الجزائري, الذي كان يومها في صراع مع الحكومة الفرنسية من جهة, و جبهة التحرير الوطني من جهة أخرى.                                                                                                   

و بعد أن تيقن بن مهيدي من أن ياسف سعدي ( قائد المنطقة المستقلة ) و أعضاء شبكته هم من كانوا وراء عمليات التفجير, و بعد أن أعجب بقصبة الجزائر باعتبارها مدينة ملائمة للعمل الثوري, قرر البقاء و الإشراف على قيادة معركة الجزائر شخصيا, غير عالم بما يخبئ له القدر وسط حرب الوشاة و الجواسيس و القنابل تلك. ففي شهر فبراير 1957 و بسبب وشاية ابن أحد الأثرياء الجزائريين, اقتحم رجال وحدة المظليين الثالثة التابعة للكولونيل " مارسيل بيجار" أحد المساكن, و ألقوا القبض على العقيد بن مهيدي. فانتشر الخبر و تصدر عناوين الصحف الفرنسية و العالمية في الأيام الموالية, و تناقلت محطات التلفزيون و وكالات الأنباء صور اعتقاله, في لقطته الشهيرة حين وقف مُصفّد اليدين وسط المظليين يبتسم إلى المصورين بكل ثقة و هدوء, رغم عِلمه بما كان ينتظره بعيدا عن أضواء الكمرات. و قيل إنها رسالة إلى رفاقه و جنوده يدعوهم فيها إلى الثبات و عدم القلق على أنفسهم وعلى خلاياهم و مخابئهم, لأنه لن يتفوه بشيء. رغم أن بيجار و رجاله – إنصافا للحقيقة – عاملوا الشهيد بلباقة منذ لحظة اعتقاله.                                                 

و الحقيقة أن القبض على بن مهيدي العظيم الذي أرعب السلطات الفرنسية لسنوات, كان يعني بالضرورة العد التنازلي لإخماد الثورة الجزائرية و فشل مشروع التحرير. فقد كان بيجار و هو يُمسك برأس بن مهيدي الثمين بين يديه, على يقين تام بأنه كان يمسك في الحقيقة بالعلبة السوداء للجناح العسكري لمنظمة التحرير الجزائرية, بكل ما فيها من أسرار مفتاحية عن الهيكلة و التنظيم العسكري و المالي للثورة مع كل أرقامها اللازمة, باعتباره أحد الآباء المفجرين الذين تحولوا إلى ما يشبه الأسطورة بعد الذي أقدموا عليه. و ظن الجميع حينها أن الحصول على تلك المعلومات و الاعترافات و الوشاية بمكان تواجد بقية مناضلي لجنة التنسيق و المتابعة, إنما هو قضية ساعات لا غير... لكنهم و بعد أيام من الاستنطاق و المراوغات و المساومات, لم يحصلوا على أي سر قاتل من الرجل. فقرر حينها بيجار تسليم المناضل إلى ضابط الاستعلامات المظلي " بول أوساريس" المتخصص في تعذيب و إعدام الأسرى, بعد أن يئس من محاولة كسب وده و تأليبه ضد رفاقه و استغلال عامل الخلافات الداخلية التي كانت تعيشها جبهة التحرير.        

فقد تقرر حينها و بكل بساطة تصفية الرجل, قبل أن تأخذ قضية اعتقاله منحنيات أخرى لدى العدالة الفرنسية الواقعة تحت الضغوط و الرأي العام الدولي المترقب, كأن يُطالب بمحاكمة علنية للرجل و في إطار اتفاقية جونيف و القوانين الخاصة بأسرى الحرب. و هذا ما لم يقبل به ساسة فرنسا و ضباطها, خاصة و أن الظروف الدولية كانت كلها توحي بأن القضية الجزائرية في طريقها للتدويل في جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة, بعد الصدى الكبير الذي نجح بن مهيدي و رفاقه في إحداثه في الداخل, عبر عملياتهم العسكرية المُكثفة, التي هيَّجت الشارع الجزائري, و جعلته يتبنى مواقف الثورة عبر الإضرابات و المظاهرات التي نجحت جبهة التحرير في تنظيمها طيلة سنوات الكفاح..., و ما نتج عنه من رد فعل فرنسي عنيف و صدى على المستوى الدولي. فكان لا بد من نهاية هذا الكابوس بالنسبة للجنرال " جاك ماسو " قائد المظليين في العاصمة و " فرانسوا ميتيران " وزير العدل, و من ورائهما الحكومة الفرنسية.

و هكذا خرجت سلطات الاحتلال لتعلن أن العربي بن مهيدي قد أقدم على شنق نفسه باستخدام قميصه في زنزانته ليلة 4 إلى 5 مارس 1957, لتخلص نفسها من الورطة الأخلاقية و القانونية التي سببها لها الشهيد الذي أرّق باريس و هو طليق كما أرقها و هو سجين لديها. لكن التصريح أثار رفض و سخط أقارب و أصدقاء الرجل, لمعرفتهم بوازعه الديني الكبير. كما أثار شكوك الصحافة الفرنسية بسبب غرابة هذه الفرضية, التي ضلت سارية لنحو 26 عاما, حيث اعتبر خلالها موت بن مهيدي من ألغاز حرب الجزائر حسب التعبير الفرنسي. إلى غاية 1983 حين نشرت السيدة " ظريفة بن مهيدي", شقيقة الشهيد و زوجة المجاهد عبد الكريم حساني مقالا أكدت فيه أن شقيقها لم ينتحر, بل تمت تصفيته. المقال الذي أحدث بلبلة واسعة بين صحافة الضفتين, و أعاد إلى الواجهة ظروف موت قائد الثورة الجزائرية الشهير.               

تكشُّف الحقائق و استمرار الجدل حول موت القائد بعد عقود:

بشهادة المجاهد المرحوم عبد الكريم حساني للأستاذ الكاتب عمر بن عيسى, أنه في عام ألفين, جاءه اتصال هاتفي مفاجئ من الجنرال بيجار, الذي طلب لقاءه لأمر مهم للغاية. فاستشار المجاهد بعض رفاقه و منهم شقيقة بن مهيدي التي لم تكن متحمسة للفكرة. بل إن الأمر وصل ببيجار ليُعرب عن استعداده لزيارة الجزائر للإدلاء بشهادته حول بن مهيدي, لولا أن السلطات الجزائرية لم تمنحه تأشيرة الدخول إلى البلد. الأمر الذي دفع بالزوجين حساني لزيارة الجنرال في فرنسا. و كتب الأستاذ عمر بن عيسى نقلا عن شهادة عبد الكريم حساني ما يلي: لما رأى ( بيجار ) السيدة ظريفة قبَّل رأسها و بكى و قال له ( للمجاهد حساني ): " ثلاثة لن أنساهم أبدا: هوشي منه, جيسكار ديستان, و العربي بن مهيدي, لقد كان له وجه ملائكي. "                                                                                                                    

و تابع المجاهد حساني وصفه لما دار بينه و بين الجنرال, فقال أن بيجار أكد له و لزوجته أنه لم يُعذب بن مهيدي شخصيا, لكنه سلمه لأشخاص آخرين ( أوساريس و رجاله ), في اعتراف ضمني بصحة فرضية التعذيب و الإعدام, بل أعرب عن استعداده للذهاب إلى الجزائر لإقامة ندوة إعلامية حول الموضوع " بشرط أن ينحني أمام روح العربي بن مهيدي ".                                                                      

و في نفس الفترة تقريبا, كان الجنرال أوساريس قد قرر هو الآخر و في آخر أيامه الخروج عن صمته الذي دام أربعين عاما, فأدلى بتصريحات لجريدة " لو موند " الفرنسية هزت الرأي العام الفرنسي, حول عمليات التعذيب الوحشي السِّرية للمناضلين و المعتقلين الجزائريين, و إعدامهم دون محاكمة و دفنهم في مقابر جماعية أيام الثورة. و نشَر مذكراته التي تناول فيها الحرب الجزائرية و مواجهته لاثنين من عمالقتها: الشهيد " زيغود يوسف " و العربي بن مهيدي. في محاولة لتبرير ممارسات الجيش الفرنسي في تلك السنوات, و إعطائها طابع الحتمية بإلصاق صفة الإرهاب و الروح الإجرامية بمقاتلي جبهة التحرير. حيث جعل حديثه عن الضحايا المدنيين من الفرنسيين و بعض الجزائريين الذين سقطوا في العمليات التفجيرية, التي كانت جبهة التحرير تنفذها في قلب الأحياء الأوروبية بالعاصمة بأوامر بن مهيدي, أساس تبريره لأفعاله الشنيعة تجاه المعتقلين الذين كان يُشرف على استنطاقهم. ناسيا أو متناسيا أن أعداد الجزائريين الأبرياء من ضحايا همجية القوات الفرنسية كانت لا تحصى قياسا بعدد ضحايا الطرف الفرنسي من الأبرياء.                             

لكن أوساريس خرج باعتراف مهول حطم به أكاذيب فرنسا حول نظرية انتحار بن مهيدي, و هو أنه كان قد هرَّب الشهيد من مقر فرقة بيجار بِحي "الأبيار" وسط العاصمة مع عدد من الجنود في منتصف الليل, تفاديا لأي شهود عيان, و أخذوه تحت حراسة مشددة و بسرعة جنونية إلى مزرعة مهجورة خارج مدينة الجزائر, هناك أين قاموا بشنقه, بمعرفة و مباركة مسبقة من طرف كبار المسئولين الفرنسيين, بينهم وزير العدل فرونسوا ميتيران. ثم لفقوا تقارير عسكرية تؤكد أنه انتحار.                                                 

و شهد أوساريس أن بن مهيدي كان هادئا جدا, كما رفض أن توضع عصابة حول عينيه في لحظاته الأخيرة, ليُفهم أعداءه أنه  لا يخاف الموت و أنه يُريد ميتة جندي لا ميتة صعلوك, و حين قيل له بأنها الأوامر, رد مكابرا: " أعرف ماهية الأوامر, فأنا نفسي عقيد في جيش التحرير الوطني".                    

أما عن الفدائي ياسف سعدي, فقد طرح نظرية مخالفة تماما لما أورده أوساريس في كتابه, و هي أن ضباط الجنرال ماسو كانوا قد نكّلوا بالشهيد قبل أن يقتلوه, ثم سلّموا جثته إلى أوساريس الذي اختلق قصة الانتحار. و من بين الأدلة التي قدمها المناضل, هو أنه و بعد الاستقلال, تقدم بطلب لإعادة إخراج رفاة بن مهيدي, و أنه و بعد تفحصه لرفاته, اكتشف آثار الرصاص في مناطق مختلفة من عظام الشهيد. رغم وجود قصة أخرى تقول أن جثة الشهيد قد تم التنكيل بها بعد الإعدام شنقا من طرف جنود أوساريس نكاية في الثورة, بعدما قهرهم قائدها معنويا....                                                                              

و مهما كان حول لغز تعذيب بن مهيدي و قتله, فالنتيجة التي تلتقي حولها كل الروايات الخاصة بمقتله – عدى كذبة الانتحار – هي النهاية البطولية للرجل, الذي رفض كل الإغراءات المادية و المعنوية التي قُدمت له مقابل كسب تعاونه مع الاحتلال و الانقلاب على قضيته و رفاقه و شعبه. و المؤكد أيضا هو أن أوساريس ظل يحقد على الشهيد, و لم يهضم فكرة خروج فرنسا من الجزائر طيلة تلك السنين كما أظهر ذلك في مقابلة متلفزة على قناة الجزيرة القطرية عام 2003. كما ورد في الصفحة 132 من كتابه أن بن مهيدي استحق عشر إعدامات بدل واحد. و لحِكمة الصُّدف, ورد ذلك التصريح الحاقد ( في الطبعة العربية للكتاب ) في الصفحة التي تحمل رقم عمر احتلال فرنسا للجزائر ؟.                                              

شخصية تقية و قائد تاريخي محنك:

لقد كان بن مهيدي مجرد شاب بسيط متخلق شديد التواضع بشهادة معارفه, بل و حتى مجرد إنسان بمحاسنه و عيوبه. و مهما أصاب و أخطأ في حياته النضالية, شأنه شأن جميع قادة الثورة الجزائرية, فالثابت و المؤكد هو ثرائه و غناه بالقيم الوطنية و الدينية, و قناعته الكاملة بالقضية التي كان يعتقد أنها صحيحة, مما دفعه ليقاتل لها بكل ما يملك, و ذاك كان السبب الأول في تحوله إلى شخصية كاريزمية, يُشار لها في الأفلام السينمائية و الوثائقية و كتب التاريخ و الروايات. حتى أن المعجبين بشخصه استخلصوا السر اللغوي من اسمه ( ابن مهيدي ), و هو من الهداية و التمهيد للثورة و الاستقلال. و هذا بالضبط ما اهتدى إليه الشاب و فعله طيلة حياته دون أي شيء آخر.                                              

فعندما التقى بيجار بعدوه السابق المجاهد حساني, و في خضم حديثهما عن الشهيد, سأل الجنرال إن كان بن مهيدي من أتباع تيار الإخوان المسلمين, لما رآه فيه من تمسك شديد بتأدية صلواته الخمسة في أوقاتها, فرد عليه المجاهد بالنفي, و بأنه كان فقط متدينا, متمسكا بتعاليمه و فرائضه الدينية كما هي الحال مع معظم ألائك الشباب الذين فجروا ثورة نوفمبر. و حتى قبل الأسر – حسب المجاهد حساني –  كان بن مهيدي لا يفوت صلاة واحدة, حتى عندما كان يحضر اجتماعات عظماء الثورة, كان إذا حضرت الصلاة ينسحب على استحياء في صمت, ليصلي ركعاته, ثم يعود إلى الاجتماع. و هذا مثال بسيط يوضح أن الشاب كان مستقيما و تقيا, و كل ما كان يشغل باله هو تحرير وطنه.                                             

أما عن عبقريته الحربية التي قد يُشكك فيها البعض, فنقول أنه خلال أيامه الأخيرة, عندما كان أسيرا لدى بيجار في حي القصبة, و بعدما نجح الجنرال ماسو في تفكيك جل شبكات الفدائيين الجزائريين في العاصمة, ممهدا بذلك لحسم المعركة عسكريا لصالح فرنسا. أراد بيجار تحطيم معنويات أسيره على أمل أن يكسب تعاونه – حسب ما قصه في لقائه بالمجاهد حساني دائما – ففتح نافذة الغرفة التي كان يحتجزه فيها و قال له: " لم يبق لكم يا العربي شيء, نحن الأسياد, لقد صرنا نتحكم في مقر عملياتكم, أنتم صفر مُكعب. " حينها رد عليه بن مهيدي رد من يُخبِّئ مفاجأة, بعد أن يكون قد أدرك أن فرنسا ابتلعت الطعم تماما: " أنت مخطئ يا جنرال, نحن نتغلب على الجيش الفرنسي بالحق و ليس بالسلاح, أنتم ستخسرون التاريخ."                                                                                                                     

و هو القول الذي صدق بعد بضعة أشهر من ذلك, فالحقيقة أن فرنسا كانت قد فطنت حينها إلى أنها خسرت المعركة الدبلوماسية خارجيا, بتركيز كل جهودها على الورطة الأمنية و حلولها اللاأخلاقية التي جرها إليها بن مهيدي و بقية الثوار. فألَّبت المجتمع الدولي على نفسها, و أثارت اهتمام الأمم المتحدة بما كان يجري في الجزائر, مما مهد لتدويل القضية و طرح فكرة استفتاء تقرير المصير. و هكذا تفوق بن مهيدي – من خلال تسييره لمعركة الجزائر في شقيها العسكري و الشعبي – ببصيرته و استشرافه على قادة فرنسا مجتمعين.                                                                                                       

و تجدر الإشارة فقط إلى أن معركة الجزائر التي هندسها ياسف سعدي و قادها بن مهيدي, قد تم تدارسها العام 2003 في مقر وزارة الحربية الأمريكية ( البنتاغون ) من طرف كبار الجنرالات الأمريكان, بعدما تم احتلال العراق, من أجل استشراف أساليب المقاومة المُحتملة في المدن العراقية, و استلهام تكتيكات أنجع من الحلول التي لجأ إليها ماسو و بيجار و أوساريس في مواجهتهم لحرب العاصمة الجزائرية في وقتهم. كما أن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق "أرييل شارون", كان هو الآخر مهتما بدراسة الثورة الجزائرية خلال فترة حكمه التي عرفت الانتفاضة الفلسطينية الثانية, و ما زامنها من عودة للعمليات الفدائية داخل المدن ذات السيطرة الإسرائيلية.                                                                        

خلاصة القول:

لقد رحل محمد العربي بن مهيدي قبل 54 سنة من اليوم إذن, و لم يخلف ميراثا ماديا أو نسلا من البنات و البنين, فقد سخّر شبابه و ماله و حياته الخاصة من أجل القضية الوطنية. و لكنه ترك تاريخا ثوريا حافلا, و ميراثا ثوريا يستشهد به الغرب كمرجعية في العمل المسلح, و بصمة عريضة في إنجاز الاستقلال الباهر الذي حققه الجزائريون. إضافة إلى مجموعة من الأقوال المأثورة التي يجدر تدوينها في كل كتب التاريخ, كمقولة: ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب. و هي المقولة التي أثبتت أنها صالحة لكل مكان و زمان, بعدما قام به شباب تونس و مصر و ليبيا مؤخرا... أو مقولة: أعطونا دبَّاباتكم و طائراتكم و سنعطيكم حقائبنا المُفخخة. و التي يجب أن نتوجه بها إلى دعاة الكيل بمكيالين, من وزارات خارجية و حكومات غربية, ظلت تنتقد و من غير خجل, بعض أساليب المقاومة في الأراضي الفلسطينية و اللبنانية, و تخفف من لهجتها تجاه ألوان العدوان الفتَّاك من الجانب الإسرائيلي. أو مقولة: قادة الثورة هُم وقودها. و هي مقولة يجب أن تُوجه إلى بعض القادة الذين يديرون المقاومة – أيّا كان نوعها – من المكاتب الفاخرة, عن طريق الهواتف المحمولة و الفاكسات, دون أن يظهر لهم أثر في ساحات المواجهة وسط الجماهير.   

ختاما نقول أن تفرد العربي بن مهيدي و قيمته التاريخية و المعنوية لكل الشعوب المحبة للسلام و الحرية, تتجسد في كونه مثال حي عن تلك الحالة الإنسانية التي يجد فيها المرء نفسه – حتى لو كان مسالما بطبعه – و من أجل تحقيق طموح شعبه إلى السلام و الحرية و الكرامة الكاملة, و تخليص بلده من الاستعمار و الهيمنة الأجنبية, مضطرا ليتحول إلى محارب شرس غير مهادن و غير منخدع بدعوات سِلم الشجعان الاستغبائية, التي يروج لها ألائك الذين يُعتبرون هم سبب العنف و الظلم و الاستغلال الأول في العالم. أما عن بن مهيدي كشخص, فتكفي شهادة العدو الوحيد الذي أنصفه, الجنرال بيجار مرة أخرى, بعدما أذهلته مواهبه التخطيطية و القيادية, و قوة نفسه و حسه الكبير بالتضحية من أجل رفاقه و جنوده و شعبه, و إيمانه الكامل بالقضية التي قاتل لها و مات من أجلها, حيث قال فيه بيجار مذهولا و بملء الفم, مُمنِّيا نفسه بشيء لن يناله أبدا: لو أن لي عشرة منه لغزوت العالم.                                                             

----------------------

علاوة أمير فنور – مدينة البليدة, الجزائر في 29-02-2011

  ---------------------

المصادر:

الجزيرة نت.

الجنرال أوساريس, شاهدتي حول التعذيب, مصالح خاصة: الجزائر 1957-1959. ترجمة مصطفى فرحات, دار المعرفة, الجزائر 2008.

جريدة الشروق الجزائرية بتاريخ 20-11-2010.

ويكيبيديا الموسوعة الحرة.

http://www.benbadis.org

 ---------------------------------

Six chefs FLN - 1954[1] 

مجموعة الستة التاريخية ( الآباء الستة ), الوقوف من يمين الصورة إلى اليسار: محمد بوضياف, مراد ديدوش, مصطفى بن بولعيد, رابح بطاط. أما الجلوس: على اليمين العربي بن مهيدي و على اليسار كريم بلقاسم 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

   

bigeard-21-1-.jpg

العقيد مارسيل بيجار ( سفاح حي القصبة ), العدو اللدود لبن مهيدي 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 للمخرج باتريك روتمان L'ennemi intime- شهادات تاريخية حية لكل من الضابطين أوساريس و آلير عن البطل بن مهيدي من الفيلم الوثائقي

 


 
Partager cet article
Repost0
15 avril 2011 5 15 /04 /avril /2011 15:44

mountain-fog-kenneth-lepoidevin-1-.jpg

من التراث الجزائري: أسطورة الفتاة اغريبة

في أواسط سنوات السبعينات من القرن الماضي, ظهر شاب جزائري مغمور يُدعى " حميد شريت " مقدما أغنية بعنوان " أفافا إينوفا " ( يا أبي إينوبا ), حيث بدت من الوهلة الأولى أنها ستكون عملا رائعا, و قد كانت فعلا واحدة من الأغاني النادرة القادمة مما يُسمى "العالم العربي", التي أفلحت عبر ألحانها و كلماتها و معانيها في تحريك و مخاطبة وجدان المجتمعات الغربية الفاتر, و صنعت الملمح العام و الواجهة الرئيسية للثقافة الجزائرية العابرة للحدود و المؤثرة في الثقافات الأخرى منذ الاستقلال. فهي الأغنية التي أحدثت ثورة حقيقية في مفهوم الهوية الوطنية في بعدها البربري, و التي كانت و لا تزال تعاني من التناقضات, فقد قربت بين الجزائريين من الناطقين بالعربية و الناطقين بالأمازيغية, و أزالت الكثير من العقد التي خلفها الاستعمار و كرستها هفوات النظام الحاكم بين أبناء الشعب الواحد, فرغم بساطة الأغنية تلحينا و كلمات, إلا أن أجيال و أجيال من الجزائريين على اختلاف مشاربهم و انتماءاتهم أحبتها و حفظتها و لا تزال تتغنى بها إلى اليوم.

فبصوته الدافئ و بمشاركة صوت أنثوي ناعم, أدى المطرب حميد شريت المعروف فنيا باسم: إيدير(1) أغنيته باللغة الأمازيغية, بلحنها البربري الهادئ الذي يهيئ النفس للدخول المباشر في الجو القصصي الخرافي لهذه الحكاية الجميلة, التي تقص أسطورة جزائرية قديمة بطلتها الفتاة " غريبا ", أو كما يلقبها البعض بالقبعة الحمراء الجزائرية, التي تصارع قسوة الأيام و صعوبة الزمن و تقلباته, من أجل إعالة أسرتها الفقيرة, بعد أن يُقعد المرض والدها الكهل.

فينطلق الفنان و شريكته في الأغنية في سرد الأسطورة بأسلوب حِواري غنائي ساحر, لا يترك المجال للمستمع حتى لو لم يكن يتقن تلك اللغة الضاربة في أعماق جذور الشعب الجزائري لآلاف السنين, إلا أن يرحل إلى تلك الأزمنة الغابرة, التي عاش فيها الأمازيغ في قرى تحيط بها أصوار من أحجار مشيدة على سفوح الجبال فوق مستوى السحب, بعيدا عن متناول القبائل المحاربة و الممالك المتوسعة, و وحوش الجن الغريبة و السحرة و الشياطين التي كانت تعيش في كهوف الغابات الكثيفة المظلمة. حيث يضرب فصل الشتاء بعباءته الباردة الثقيلة ذات اللون الأزرق الداكن على البلد كل سنة, فيحجب نور الشمس و يُسكت زقزقة الطير و يعري الأشجار و النبات و يُضيق على الأرزاق, ليفرض جوا رماديا كئيبا و صامتا لا يعلوه سوى عواء الذئاب الجائعة, التي تبدأ في التجمع من أجل الانطلاق في البحث عن قطعان الأيل البربري السغب و المنهك من الزمهرير القادم من أرض الروم الشمالية الواقعة وراء البحر المتوسط.

 هناك أين تعود الفتاة غريبة تجر ذاتها المتثاقلة حاملة بعض القوت, تحاول الإسراع قبل أن يدركها الظلام بعد يوم من الكدح في الحقول, فتصل عتبة الكوخ المعزول عن بقية المساكن القروية وسط الطود المظلم و هي تلتفت خلفها بين الفينة و الأخرى خوفا من ذاك المسخ, الذي لا تعرف ملامح وجهه و شكل جسمه إلا في خيالها و كوابيسها الطفولية البريئة, فتفترض أنه في طريقه إليها يتتبع آثار قدميها على بساط الثلج, أو هو يتربص بها بين أشجار البلوط و الصنوبر في تلك اللحظات, فتهم الصغيرة بدق الباب بيدها المزرقة من البرد و بلهفة  ترجو والدها " إينوبا " أن يفتح لها حتى تلج البيت, أين يوجد دفء الكانون الممتلئ بالجمر و العيدان المحترقة تحت القِدر, و صراخ و ضحكات الإخوة الأربعة الذين يلعبون بدماهم المصنوعة من قماش محشو و هم يفترشون جلود الأنعام, و الحساء الساخن الذي تكابد يوميا كغيرها من أبناء المجتمع من أجل أن لا ينقطع عن عائلتها, و الأمان الذي تبعث به نظرات الجدة الطاعنة في السن ذات الجبين المليء بتجاعيد السنين.

لكن الأب يتأخر مترددا, فتصرخ الفتاة باكية في ذلك الجو المثلج و هي ترجو والدها أن يفتح الباب, لأنها تخشى أن تدركها دابة الغابة المخيفة, فتخطفها تحت جمح الظلام و تأخذها إلى عالمها الرهيب الذي لم يره أحد من قبل, تحت جذور الأشجار و الصخور في أعماق الأرض, فلا تستطيع الرجوع إلى عالم البشر مرة أخرى. فيخطو الأب الشيخ بحذر و بطء نحو الباب و هو غير مقتنع بأن تلك التي تلطم و تبكي هي ابنته الحبيبة, و يساوره الشك في أن المتحدث هو دابة الغابة البارعة في تقليد الأصوات و اللعب بالقلوب لافتراس ضحاياها في لحظات ضعفهم القاسية, فهل يغامر بفتح الباب لقادم مجهول قد يدخل إلى داره و يحدث مجزرة في أهله العزل ؟, أم يعدل عن ذلك ليترك ابنته البكر و سنده في الحياة لتكون هي ضحية البرد و الذئب و الغول ؟.

إنه لمشهد إنساني صعب للغاية بالنسبة لأب مسكين ضعيف الموقف قليل الحيلة, و قلبه يحترق حزنا أمام ذلك الاختبار القاسي. لكنه يتذكر في لحظة يأسه أن الابنة تضع بعض الأساور في أطرافها, و في اللحظات التي تستمر فيها بالتوسل خلف الباب, يطالبها هو بأن ترج تلك الأساور التي يعرف صوتها جيدا, ليتأكد أن تلك هي ابنته الحقيقية, لكن الفتاة ترتعب في تلك الأثناء و هي تخبره بأنها تخشى مسخ الغابة, الذي قد يسمع بدوره الأساور و يُسارع نحو صوتها فيتحول الكابوس إلى حقيقة, فيعود الأب مجيبا بكل ألم, بأنه هو الآخر يخشى ذاك الغول على أهله, فهو لا يستطيع أن يفك القفل قبل أن يتأكد من أن الصغيرة غريبة هي فعلا الواقفة هناك. فبعد أن يتأكد من كل شيء, يفتح الباب أخيرا لترتمي الصغيرة بين أحضانه و هي تبكي بحرقة تعبر له عن شدة خوفها من ذلك المجهول الذي يعيش في عمق الجبل و يخشاه السكان, و هما لا يعلمان أنه في يوم ما سيتحول الكابوس إلى حقيقة, عندما يكتشف المسخ سر خدعة الأساور. إنه اليوم الذي ستجد فيه الفتاة نفسها رهينة الوحش الذي سيحملها إلى عرينه, أين تندلع معركة بينه و بين الإخوة الذين يهبون رفقة القرويين لنجدة غريبا الفتاة المضحية.

هذا ما يفعله فصل الشتاء القارص في تلك البلاد البعيدة, أين يحتمي الشيخ في برنسه و هو يتدفأ, في حين ينهمك ابنه في تحصيل خبز العيش, يتأمل مفكرا في أيام المستقبل القريب و صباحه المنظور. و تلك المرأة الجالسة هناك تنسج على آلتها المصنوعة من حطب, و ألائك الصبيان الذين يجتمعون حول العجوز يُمعنون السمع للقصص و الأحاجي و الحِكم. و في الوقت الذي يستمر فيه الثلج بالتكدس على العتبة خلف الباب, ينضج الطعام على النار في القدر بهدوء, في حين يحلم الأعيان و سكان القرية بالربيع القريب و ما يحمله من الثمار و الأعياد و الأعراس, رغم أن الصمت و السكون لا يزالان يخيمان على آغورا(2) المفروش بطبقات الثلج , و القمر و النجوم قد احتجبوا عن أنظار الجميع, دلالة على أن الشتاء لن يرحل بعد. لكن العائلات المتضامنة تجتمع  و هي تسترجع الذكريات و حكايات الماضي, في محاولة لجمع صبرها و حشد همتها في مواجهة ما بقي من أيام هذا الفصل, التي تقف خلفها أيام الربيع المشمس, بعد مرحلة مريرة و صعبة مر بها السكان و البلد.

بهذه العبارات و المضامين عبر الفنان إيدير عن هذه الأسطورة التراثية الرائعة, التي تحمل كما هائلا من الرسائل و المعاني الإنسانية العميقة حول واقع الحياة و تناقضاتها بين لدغها و ترياقها, و التي تحولت بها أغنية إيدير نفسها إلى جزء من التراث الموسيقي الجزائري – العالمي, فقد سحرت كل من سمعها في جميع أقطار العالم, حيث تمت ترجمة كلماتها إلى أكثر من ست عشرة لغة, و قد كانت آخرها اللغة الصينية.

______________________

-1 إيدير اسم أمازيغي معناه: سوف يعيش.

-2 آغورا  أو ثاجماعث: هو مكان يوجد في القرى و المداشر الجزائرية, حيث تختلف تسميته من منطقة لأخرى, لكنه يخصص للمناسبات الاجتماعية و الدينية و الالتقاء بين القرويين في الأيام العادية أو الاستثنائية من أجل النقاش و تبادل الأفكار و توطيد العلاقات.., حيث يعد مقياسا لحالة العلاقات الاجتماعية.

 

_____________________

 

 

 

 

 

 

Partager cet article
Repost0

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens