Overblog Suivre ce blog
Administration Créer mon blog
20 mars 2012 2 20 /03 /mars /2012 22:09

 Snapshot_2-copie-2.png

يوم النصر

ينبلج الصبح ببطء وسط نسيم هادئ, يتنفس معه اليوم الجديد آخذا وقته في ذلك الزفير الصامت الذي يُحرك أوراق الأشجار, و كأن به يتنهد من طول ليل حاسد, مخيف و قاس. لكن بشرى خيوط الشمس الأولى تزف إلى الجبال و سكانها البسطاء شيئا ما, شيء يظهر من خلال ذلك الجمال الغريب, الذي ما فتئ يزداد وضوحا يوما بعد يوم, صبحا بعد صبح, طيلة الأسابيع الأخيرة. و ها هي البلاد تدخل اليوم الثامن عشر من شهر مارس/آذار, من عام 1962..., هذه الأيام توحي بأن شيئا ما سيحدث, شيء جميل   !  .

يسير الرجال في صف طويل على طول التل الذي يُطل على مروج شديدة الاخضرار, مترامية على مد البصر,تكاد لتوها تودع عتمة الليل الداكنة الرطبة. خطوات الرجال متثاقلة و لكنها مؤكدة, حيث يسير النقيب متقدما مجموعته و هو يلهث بعد أن أعياه صعود التلة, بل وسير ليلة كاملة للوصول إلى وجهتهم المحددة. يسير و هو يتفحص بين الفينة و الأخرى التلال و المروج المحيطة, و كأن به يمسح المكان ببصره على سبيل الفطنة, ثم يلتفت خلفه يتفقد حال رجاله, التي لم تختلف كثيرا عن حاله, كلهم يلهثون, كلهم يتثاقلون..

_ " ليتوقف الجميع   !  , سنستريح لربع ساعة, ثم نواصل ".

صاح النقيب على رجاله, و قد وضع حقيبة ظهره على الأرض, أو بالأحرى رمى بها على الأعشاب الكثيفة, و هو يجثم على ركبة واحدة واضعا بندقيته برفق فوق الأخرى, يتفحص المكان باستمرار, في الوقت الذي امتدت فيه يده إلى وراء حزامه العسكري الغليظ باحثة عن قنينة الماء المُعلقة به, فأخذ بها و ارتشف ما بقي فيها من ماء, في حين استمرت مقلتاه في الدوران, إلى التلال يمينا, إلى التلال شِمالا, كيف لا يكون محترسا باستمرار و قد صار هذا السلوك لا إراديا, بعدما صقلته حرب ضروس دامت سبع سنين و أربعة أشهر حتى الآن ؟   !  .

_ " خطوط و مراكز الفرنسيس بعيدة عن هذه المناطق الجبلية الحصينة أيها النقيب   !  ".

سمعها النقيب قادمة من وراء ظهره فالتفت, ليجد الملازم ينظر إليه باستفهام, و كأن به يسأله عن هذا الحذر الدائم و الزائد, لكن النقيب لم يرد عليه, و كأن به يخبره بأن يُغلق فمه, لأنه لم يعش و لم يخبر الكمائن و المواجهات التي خبرها طيلة هذه الحرب الرهيبة, التي لم يتوقع لها أن تدوم كل هذه السنوات, أو تكون بهذه الدموية يوم التحاقه بمعسكرات التدريب السرية, التي أقامتها المنظمة الخاصة مباشرة بعد مجازر الثامن مايو, التي لا يزال يحتفظ بصورها المرعبة في ذاكرته المنهكة بجميع أنواع الصور البشعة, التي رآها طيلة حياته التعيسة. كيف لا يكون احترازيا و جسده الهزيل يحتفظ بآثار الرصاص و الشظايا و خدوش الأسلاك الشائكة و آثار الاستنطاق و التعذيب, و التي كانت ستختصرها مئات الصفحات من دفتر يوميات أو مذكرات ؟   !  .

راح أحد الجنود الشباب يخلع جزمته العسكرية بصعوبة و هو يتألم و يتأفف مطلقا زفير من يتذمر من الوضع برمته, قبل أن تعلو محياه نظرات ذهول ممزوجة بخيبة واضحة, و كأنه تأكد مم كان يخشى حدوثه, فقد انتزع جوربه المبلل ليكتشف أنها دماء ناتجة عن عدم تحمل جلدة قدميه ساعات طويلة من السير المستمر عبر الجبال, فطفق الشاب يسب و يلعن, مستخدما في ذلك ما يزخر به قاموس الكلمات النابية الجزائري من كلام بذيء, قبل أن يصله صوت من خلفه تعلوه بحة يطلب منه أن يصمت و يحترم نفسه, فالتفت إليه المراهق و هو يستعد ليكون رده ممجوجا و ملونا بكلمات أكثر قبحا, لكنه سيطر على نفسه في آخر لحظة, و كأن به يبتلع تلك الفقاعة النتنة التي ملأ بها فمه بصعوبة, بعد أن أدرك أن صاحب الصوت هو كهل في نصف العقد الخامس من العمر, حمل السلاح قبله بسنوات, و ظل يصر على إنهاء المعركة رغم حالته البدنية المتدهورة, إذ أنه لم يعد يتحمل السير و الركض و القفز, دون الحديث عن شراسة فصول البرد و الحر و لعنة الجوع التي لاحقت الجميع على مدار سنوات, لكن عجبا, فالرجل لا يزال حاضرا و ثابتا رغم كل شيء   !  .

كان النقيب يراقبه عن بعد و هو يُفكر في حال هذا الرجل, الذي لم يكن في الأصل سوى مزارع أمي بسيط, يعيش حياة هنيئة رغم قساوتها, يوم جاءت حاملات جند فرنسية في ذلك اليوم الربيعي المشمس الجميل من عام 1945, فطوقت مجموعة البيوت الطوبية المتلاحمة التي كان يعيش فيها رفقة عائلته الكبيرة, و كما يحكي هو نفسه, فقد كان يومها قادما من بعيد تاركا أغنامه خلفه, بعدما رأى من بعيد الجند و هم يصرخون على أهل البيوت يأمرونهم بالخروج إليهم, فراح يسير نحوهم ليستفسر عما يحدث. حين كان يتقدم من بعيد فإذا به يرى ابنه البكر الذي جاز عتبة الباب و علامات الاستفهام و القلق تلف وجهه, و من دون سابق إنذار, يسقط فجأة على الأرض برصاصة في العنق, جاءته من بندقية أقرب جندي منه, حيث ضرب صدى إطلاقها التلال المحيطة و سمّر الأب في مكانه, و هو يرى ابنه المراهق يتخبط للحظات أمام الباب و قد فارت دمائه من فمه, قبل أن يتوقف نهائيا عن الحراك, لتتعالى صرخات النساء من الداخل و يتقدم الجنود نحو التجمع السكني راجلين من جميع الجهات, في حين ظل الأب متخشبا في مكانه يراقب ما يحصل من فوق التل, و قد تسارعت أنفاسه و راح بدنه يرتعش خوفا و وجلا وهو ينظر إلى ابنه القتيل.

_ " اسقطوا الموري(1) الحقير   !!  .... اقتلوه   !! ..."

صرخ الضابط الفرنسي على رجاله و هو يشير بسبابته نحو فتى لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر, كان قد فقز لتوه من فوق حاجز طيني منخفض, محاولا الفرار بعدما رأى ما حدث لابن خالته, لكن الرصاصات اخترقت ظهره و صدره, و طار فكه السفلي برصاصة جانبية في الوجه, ليسقط من فوره وسط طيور الدجاج و الديك الرومي التي كانت تركض في جميع الاتجاهات هاربة من صوت البنادق.

حينئذ, و من دون شعور, وجد المزارع المصدوم نفسه و هو يركض مبتعدا عن المكان عسى ان ينجو بنفسه من غضب ألائك العسكر, إذ ركض مسافة معتبرة بأقصى سرعة, قبل أن يتوقف هنيهة و هو يلهث بشدة, بعدما كاد بكاءه و نحيبه يخنقانه, فالتفت نحو جهة منزله الواقع خلف الربوة التي عبرها جريا و وثبا, ليرى أعمدة من الدخان الأسود و الرمادي الكثيف و هي تتصاعد من هناك, فأدرك أن العسكر قد أضرموا النار في البيوت و المحاصيل. لكنه تابع الهرب و قلبه يتقطع على أسرته, و هو لا يفهم لم و بأي سبب فعل الفرنسيون فعلتهم تلك, لكن الجواب جاءه بعد أيام, و هو أن الأوروبيين كانوا ينتقمون لبعض قتلاهم, بسبب مظاهرات سلمية أقامها الجزائريون احتفاء بانتصار الحلفاء في الحرب, و عودة أبنائهم من جبهات القتال الأوروبية, مطالبين فرنسا بالوفاء بتعهداتها تجاه منحهم حق تقرير مصيرهم, فكان رد الشرطة الفرنسية هو إطلاق النار عليهم, فانفجار الوضع.

ينظر النقيب إلى ذلك الرجل الغارق دوما في صمته الحزين, و نظراته الشاردة, يستذكر قصته الفظيعة مع الفرنسيس و هو يعلم أنه كالكثير من المجاهيدن, إنما حمل السلاح في السنوات الأولى لحرب الاستقلال, لدوافع شحصية, أساسها الغضب الشديد و الرغبة في الانتقام لما حدث لذويه خلال أحداث مايو 1945, قبل أن يعي و يدرك خلال سنوات القتال الطويلة و الرهيبة, أنه لا يجب حصر الأمر في هذا الجانب فحسب, بل هناك أمر أكبر منه بكثير, و هو الذي حرك مجموعة من 22 جزائريا ليخططوا لتفجير فقاعة الغضب هذه في وجه دولة الاحتلال و الكولون(2) أول مرة, كما أن احتكاكه بالشباب الجزائريين الذين شاركوا في الحرب العالمية, و الذين تمكنوا خلالها من التخلص من عقدة الخوف التي تكسرت فوق شراسة النازيين و الفاشيين, بعد كل تلك المواجهات وجها لوجه في المعارك الطاحنة, و اكتسبوا حس الوطنية و قيم الحرية و الاستقلال, بعدما اختلطوا بجنود الحلفاء, ساهم في تحسيسه رفقة أمثاله من المزارعين و القرويين البسطاء الذين تحولوا إلى جنود, بأن الأمر يتعلق فعلا بحرب استقلال و ثورة تحرر و ليس مجرد انتقام أو " حرب بلا اسم ".

راح النقيب ينظر إلى جنوده و هو يعلم أن كل واحد منهم قد مسته هذه الحرب بشكل عميق, فهاذا فقد أبويه, و ذاك لديه أشقاء ينتظرون حكم الإعدام في سجون الاحتلال, و الآخر يجهل تماما ما حل بأسرته التي هُجّرت قسرا إلى مراكز الاعتقال, التي يقبع بها أكثر من مليون جزائري, هناك من اغتصبت بناته من طرف مظليي الجيش الفرنسي, و هناك من قُطعت أعناق أبنائه بسكاكين ميليشيات الحركى(3), و هناك من فقد جميع أهله, بل و فقد جميع أفراد عشيرته الذين أبيدوا عن بكرة أبيهم, في غارات الطيران و القصف المدفعي على قرى و مداشر مُحيت نهائيا من على الخارطة, فبقي وحيدا, ليس له أحد أو مكان يعود إليه بعد انتهاء الحرب سوى الركام و المقابر الجماعية. فكيف لا يغرق المرء في جنون الغضب و الغل و تضيع روحه وسط عاصفة محيط الحزن و الانتقام الداكن ؟.

يتنهد النقيب, ثم يتذكر شيئا, فهل من أخبار جديدة قد تصلهم عند بلوغ المركز الذي هم في طريقهم إليه عن المفاوضات ؟, يُشاع أن السي بالقاسم(4) و رفاقه يتوجهون لإخضاع المفاوض الفرنسي و طرحه أرضا و بشكل نهائي, يبدو الأمر جنونيا لوهلة, و لعل السبب بسيط, و هو أن هذا الجيل الثوري المقاتل, قد يكون أول جيل سيعيش و يخبر معنى " الاستقلال " لأول مرة منذ 1830 ؟ !!, أجل, " الاستقلال ", فاكهة تبدو خرافية نوعا ما بالنسبة لشخص لم يتذوق طعمها منذ أن جاء إلى هذا العالم, بقدر ما سمع عنه فقط, طعم خرافي !.

لا وجود لاتصالات منذ أيام بعد أن تعطل جهاز المورس, فالفصيلة ظلت معزولة وسط الجبال و الغابات طيلة هذا الوقت, لذلك انطلق الرجال مرة أخرى يسيرون في خط طويل, مع الطول المتزايد لظلالهم التي كانت تعانق الأحراش و الشجيرات و الأزهار كلما زادت الشمس إشراقا في الأفق, مع هبوب نسيم ربيعي عليل منقح بروائح و عطور النباتات, و كأن بالأرض تبعث لهم بتحياتها و امتنانها, سنوات من القتال و الخوف و الحزن و الجوع و الصبر, من أجلها و فقط. ثم ماذا بعد ؟, سيصلون إلى مركزهم, ليجودوا تعليمات جديدة تنتظرهم, عمليات اختراق و عبور للحدود من أجل تأمين قوافل تهريب السلاح نحو الداخل, حمل لوثائق أو مستندات مهمة, تأمين تنقل شخصيات قيادية داخل الولاية التي يتبعونها إداريا, كمين لقافلة عسكرية للعدو, هجوم على مراكز عسكرية فرنسية متقدمة أو استهداف لمنشآت قاعدية....., فمفاوضات "إفيان" الثانية قد تفشل كما فشلت سابقتها على أية حال, ثم ماذا بعد ؟, لقد حاربوا لسنين إلى درجة أنهم و رغم تعبهم و انهيارهم, لم يعد الاستمرار في القتال و الحرب يمثل لهم مشكلة كبيرة, فليس هناك ما قد يخسرونه بعد كل الذي حدث, رغم أن الجميع قد سئم هذه الحرب, حتى الجلاد القوي نفسه لم يعد يحتمل هذا القدر من العنف و الفظاعة.

بعد بضع ساعات أخرى من المسير عبر الغابات و المرتفعات الجبلية, لمح النقيب أحد الحراس يقف من بعيد فوق إحدى الصخور الشاهقة, و هو يلوح له بيده, و كأن به يطلب منه الاستمرار بعدما عرفه و عرف الفصيلة, و الغريب في الأمر أنه كان يبتسم ؟. هذه أول مرة طيلة سبع سنين من الحرب يُرى فيها جندي في نوبة حراسة يبتسم من دون سبب ! . فقد وصلوا إلى مركز الكتيبة الذي كانت تغطيه أشجار البلوط و الصنوبر الكثيفة, لكن النقيب و رجاله لاحظوا حركة غير عادية في المحيط و هم يلجون إليه, كان هناك صياح متفرق هنا و هناك, ينادي بحياة الجزائر, انتشرت معه همهمة بين جنود الفصيلة و هم يسألون بعضهم عما يجري, فإذا بالنقيب يلمح جنديا شابا يجري ساعيا في طريقه إلى أحد المكاتب, و وجهه يفيض بعلامات الاستبشار و هو يحمل بعض الأوراق في يده, فأوقفه و هو يسأله عما يحدث بحق الجحيم ؟.

_" لقد وصلتم متأخرين بعض الشيء سيدي النقيب, قبل نحو نصف ساعة قُرئ علينا بيان مهم صادر عن المجلس الوطني للثورة, و لكن ألم تصلكم المستجدات عبر اللاسلكي ؟ ! ".

_ " ما الذي حدث ؟, تكلم أيها الجندي ! ".

_" لقد, توصلت الحكومة المؤقتة لاتفاق وقف القتال مع الطرف الفرنسي, سيدخل حيز التنفيذ منتصف يوم غد, لقد رضخت فرنسا أخيرا لمطلب حق تقرير المصير !!".

اغرورقت عينا الجندي و هو ينظر إلى وجه الضابط المذهول, ثم قال بصوت مرتعش متقطع غمرته الفرحة و التأثر, و كأن به لا يُصدق ما ينطق به لسانه...

_ " سيدي النقيب, لقد انتهت الحرب, لقد انتصرنا !!! ".

في تلك الأثناء تصاعد الصراخ وسط الجنود, و الكل لا يكاد يصدق ما يسمع, فأخذ الشباب الذين كانوا في مؤخرة التشكيل يحاولون استراق السمع و بعضهم يقفز إلى الأعلى, عسى أن يرى أو يفهم ما الذي يحصل, إلى أن وصلتهم صيحة تقول بأن الحرب قد انتهت, في حين راح ضباط الصف يصرخون و يأمرون بالتزام الهدوء و الانضباط و بعضهم يبتسم, في حين ظل القائد واقفا مكانه و هو شارد الذهن يحاول أن يضع الأمور في نصابها داخل رأسه, لكنه لم يستطع, و الحقيقة أن مظاهر الفرحة كانت لا تزال تسيطر على جميع أفراد الكتيبة, في حين انفجر بعض الجنود بالبكاء من شدة التأثر فهل يُعقل ؟, هل يعقل أن ينتهي الأمر بكل هذه البساطة ؟, من كان يصدق بأن فرنسا الجبارة قد رضخت أخيرا !.

في تلك الأثناء التي راح فيها الجنود يتبادلون العناق الحار, و تعالى هتاف رجال الكتيبة مرة أخرى, بكى البعض بحرقة و هم يتذكرون كم كان الوصول إلى هذه اللحظة عسيرا و مؤلما, كم كانت السنين العجاف قاسية مع الجميع, و كم كان الثمن باهظا. أما الكهل الذي أبيدت عائلته و صودرت كل أملاكه في مجازر مايو 1945, فقد ظل هو الآخر واقفا في مكانه يتفرج على الجميع بدهشة غريبة, لم تبد معها أي علامات تأثر عميقة, لكنه و بعد أن وقف دقائق معدودة في مكانه يتلقى العناق و القبلات من طرف رفاق السلاح, جثم بهدوء على ركبتيه, ثم وضع جبينه على الأرض, و راح يبكي بحرقة شديدة, إلى درجة أن دموعه بللت التراب من تحت وجهه.

انسحب النقيب في صمت بعدما قدم التحية لرجاله, و بعدما هنأ بقية الضباط في الكتيبة, فقد اختلى بنفسه في مكان معزول وسط الغابة, فأسند ظهره إلى جدع شجرة بلوط, و طفق يبكي هو الآخر كما يبكي الطفل الصغير, فقد كان يمر أمام عينيه في تلك اللحظات شريط صور هذه الحرب منذ بدايتها و وصولا إلى هذا اليوم العظيم, كان يرى صور أحلك الظروف التي عاشها رفقة الكثيرين, ذكريات فصول الشتاء القارص و أشهر الثلج و الصقيع و الحصار البري و الجوي و المطاردات, صور جثث آلاف الرفاق المدرجة بالدماء و المليئة بثقوب الرصاص, صور أشلاء الشهداء المعلقة فوق الأسلاك المكهربة, صور القرى المدمرة عن آخرها و وجوه الأطفال و العجائز التي فقدت ملامحها بسبب الركام و الأتربة و الرماد, أصوات عويل الأرامل و بكاء اليتامى.

لكنه لم ينس بعض اللحظات اللطيفة التي عاشها رفقة رجاله و إخوته في السلاح في بعض المناسبات, و هو ما زاد في تأثره أكثر, كصور تلك الأعراس البسيطة للجنود أو الضباط الذين حالف بعضهم الحظ ليعيش هذا اليوم, لكن البعض الآخر لم يعش حتى يرى وجه مولوده الأول, الذي سيكتب له اليوم بأن يعيش تحت راية وطن مستقل, تلك اللحظات الحميمة التي كانت تجمع الجميع و هم يستعدون لأخذ الصور التذكارية التي كان يلتقطها الصحفيون الأجانب من أصدقاء الثورة, أو رجال الدعاية الحربية في جيش التحرير, و الجميع يجزم بأنها صور ستبقى و ستحفظ في متاحف الجزائر المستقلة, لتطلع عليها أجيال الاستقلال و تشعر بالفخر لتاريخ هذه الأمة المحاربة. كان النقيب يرى وجوه ألائك الشباب الباسمة في لحظات النكت أو المزاح, ألائك الشباب الذين لم يحالفهم الحظ ليشهدوا على هذه النهاية الكبيرة, و لم يحالفهم الحظ يوما بأن يعيشوا حياتهم أو يستمتعوا بها كما ينبغي, فقد كانت أرواحهم ضريبة الاعتراف بالوجود, و كانت دمائهم الحبر الذي خُط به كتاب المجد, فنظر الضابط نحو السماء و هو يمسح دموعه محاولا استرجاع أنفاسه, متمنيا أن تكون الأخبار قد وصلتهم.... أينما كانوا.

----------------------------------

1-    الموري هي كلمة من أصل إغريقي, كانت تُطلق في عهد اليونان القيدمة على الشعوب غير الإغريقية عموما, و على شعوب شمال افريقيا بالخصوص, و قد ظلت هذه الكلمة تستعمل إبان الاحتلال الفرنسي للجزائر (Maure), للدلالة على الأهالي الجزائريين.

2-    الكولون أو " الأقدام السوداء " و هم جميع المستوطنين الذين جاءوا من أوروبا بعد سقوط الجزائر في قبضة الاحتلال الفرنسي, من فرنسيين, إيطاليين, مالطيين, ألمان و إسبان, حيث أعطيت لهم امتيازات كبيرة, على رأسها الأراضي و العقارات التي انتزعت من ملاكها الأصليين في القرن التاسع عشر. و رغم أن اتفاقية إيفيان, التي أنهت الحرب بين جبهة التحرير الوطني و الحكومة الفرنسية, و مهدت لاستقلال لجزائر, قد ضمنت حقوق من أراد من هؤلاء الأوروبيين البقاء في الجزائر لكن بصفتهم رعايا أجانب أو كجزائريين إن اختاروا الجنسية الجزائرية, إلا أن غالبيتهم رحلت بسبب مجازر منظمة الجيش السري الإرهابية الفرنسية ( OAS ) التي رفضت استقلال الجزائر, و حتى ممارسات بعض الجزائريين الذين لم يفهموا – لسبب أو لآخر – مضامين الاتفاقية.

3-    الحركى كلمة جزائرية دارجة, معناها " الخونة ", و هي تطلق على الجزائريين الذين اختاروا طواعية القتال تحت راية الجيش الفرنسي ضد الثورة الجزائرية, بصفة مخبرين سريين أو جنود فرنسيين, كما كانوا يشكلون ميليشيات مسلحة, و قد ارتكبوا أعمال وحشية في حق عائلات مقاتلي جيش التحرير الوطني, من ذبح و نهب و اغتصاب.... و قد بلغ عددهم وفق بعض الإحصائيات نحو 120 ألف, تم طرد غالبيتهم الساحقة إلى فرنسا عند نهاية حرب الاستقلال, بينما لقي الكثير منهم نهاية مأساوية على يد الجزائريين, قبل و بعد التوقيع على اتفاقية إيفيان.

4-    كريم بالقاسم (1922-1970), أحد المفجرين الأوائل للثورة الجزائرية, و أحد آبائها الأقوياء,عضو مجموعة الستة و قائد الولاية التاريخية الثالثة. عضو لجنة التنسيق و التنفيذ و عضو الحكومة الجزائرية المؤقتة و أحد الموقعين على اتفاقية إفيان. أغتيل عام 1970 بفارنكفورت الألمانية, و لا يزال الاعتقاد قويا بأن نظام الرئيس هواري بومدين هو من يقف وراء هذه التصفية.

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
20 octobre 2011 4 20 /10 /octobre /2011 23:03

ici-on-noie-les-algeriens-17-oc-copie-1.jpg

دماء على أرصفة باريس

الجو بارد و كئيب تلفه سحب رمادية كانت قد غطت على مغيب شمس هذا الثلاثاء المشحون و المضطرب, لعلي كنت أضخم الأحداث في رأسي و المبالغة في القلق و التشاؤم. لا أدري   !  . لكنني كنت أعي جيدا أن الأمر جلل و ستكون له تبعاته بشكل أو بآخر, بعد أن علمنا أن جميع سكان الضواحي سيشاركون في الحدث, و هو ما يعني أن الأمر يتعلق بعشرات الآلاف.

ماذا يمكن أن أقول عن نفسي ؟. لم أكن ذلك الشخص الذي يرى الأحداث من زاوية مستنيرة ملفوفة بلحاف المثالية التي كنا لوقت قريب نظن أنها لفت عقول ألائك الذين قلبوا الطاولة على فرنسا ذات الفاتح من نوفمبر 54, إلى درجة أعمت فيها بصائرهم, فقد ساد الظن لأشهر أو حتى لسنوات بأنهم كانوا مجموعة من المراهقين المجانين الذين أثرت فيهم ثورة الفن السابع التي اجتاحت حضارة هذا القرن, و ما حملته لنا من أفلام الغرب الأمريكي الرجولية و قصص المتمرد المكسيكي زاباطا. لكنهم و بعد سبع سنوات... يبدو أنهم كانوا على دراية تامة بما كانوا يفعلون منذ اليوم الأول و إلى غاية الآن. أما بالنسبة لي فلم أكن طيلة حياتي سوى شاب بلا هدف, بلا هوية, بلا طريق, و كغيري من ممن ينادونهم بالعرب, فقد وجدت نفسي بطريقة ما هنا في هذه البلاد التي قيل بأنها أرض الحرية و القانون, وجدت نفسي ضالا في عمق غيتوهات الأفارقة الشماليين تنهشني كل أنواع الآفات و العنف و العنصرية, تارة من طرف أبناء هذه البلاد و تارة من طرف أبناء جلدتي, من بني فروة الرأس المجعدة و البشرة السمراء الداكنة و الوجوه المكفهرة طيلة الوقت.

ما ظنناه أول مرة أعمال عنف في ما اكتشفت لاحقا أنه " بلدي الأصلي ", سمعنا أنه قد جاء إلى ما اكتشفت لاحقا كذلك أنه "أرض العدو الاستعماري". لم أكن قد سمعت في حياتي بهذه المصطلحات من قبل, لكن أشخاصا من بني جلدتي كانوا قد بدءوا في زيارة الضواحي و قرى القزدير الصغيرة التي كنا نعيش فيها كالجرذان بشكل منتظم و سري, ببدلاتهم الأوروبية الأنيقة, و محافظهم الجلدية المليئة بالأوراق و المستندات, لكن فجأة بات يُعرف ألائك الأشخاص بفيدرالية الثورة في باريس, أو كما قيل لي ممن هم أذكى مني أنها يد الثورة داخل الأراضي الفرنسية.... مع مرور الأيام أدركنا أن هنالك فرقا حقيقيا و موجودا بين ما هو فرنسا و ما هو جزائر, و أن هنالك حربا ضروسا و حقيقية بين الطرفين   !!  , كان اكتشافا شبه متأخر حرك نوعا من القشعريرة في جسدي و تركني مشوش الفكر لأيام عديدة, لم أعرف خلالها أي شعور كان يجدر بي أن لا أنكره, أهو الشعور بالأسف الشديد على تضييعي لكل هذه الأعوام من الكفاح الذي شارك فيه عشرات الآلاف من الجزائريين, أم الشعور بذلك الفخر الغريب الذي لم أعشه يوما بعدما اكتشفته على أيدي مناضلي الفدرالية ؟.

في ذلك الجو البارد و بعد مغيب الشمس بلحظات, كان الحي القزديري يعرف حركة غير عادية. أشخاص من مختلف الأعمار, شباب, رجال, نساء, فتيات و حتى أطفال, كانوا قد احتشدوا استعدادا لانطلاق تلك المسيرة السلمية التي كانت جبهة التحرير قد دعت إليها, لرد سلمي و متحضر على قانون حضر التجوال العنصري الذي فرضته الإدارة الفرنسية على الجزائريين دون سواهم.

لقد وقفت بالقرب من بعض الشباب الذين ألتقي بهم يوميا في مصانع الكدح و الاستعباد. كان كل واحد منهم قد ارتدى أرقى ما عنده من لباس, استجابة لنداء مناضلي الجبهة, الذين حثوا جميع المشاركين بالحرص على أن يكون هندامهم محترما ليلة المظاهرة, ليعطوا صورة مشرفة للمهاجر الجزائري وسط باريس التي تعج بالأوروبيين من مختلف الجنسيات, و ليقينهم أن الصحافة ستكون حاضرة و ستنقل صور المهاجرين الجزائريين, الذين خرجوا للمطالبة بالمساواة على أرض الحرية و الأخوة و المساواة.

لقد انطلقنا و نحن نتجه سيرا إلى شوارع باريس الرئيسية حسب مسارات كانت قد حُددت سلفا من طرف المنظمين. لقد كنا بضع مئات من الأشخاص, لكن الأخبار كانت ترد بأن سكان جميع الغيطوهات الجزائرية و الضواحي الفقيرة في العاصمة, كانوا يسيرون في تلك الأثناء كل حسب مساره المحدد للوصول إلى نقاط الالتقاء ثم الزحف نحو قلب العاصمة. لقد كنت أسير وسط الحشد الذي تعالت من تحته أصوات الأحذية التي كانت تخط طريقا جماعيا كما لم يحدث مع جزائريي فرنسا من قبل. كنت أنظر من حولي فأرى البعض و هم يتبادلون أطراف الحديث حول هذا الحدث, و ما سيتركه في الإعلام الفرنسي و الرأي العام الدولي, الذي كان في تلك الفترة قد بدأ يكتشف هذه الحرب العنيفة بيننا و بين هؤلاء, و ما شد انتباهي هو وشوشة النسوة و أحاديثهن حول أمور السياسة, ربما كانت أول مرة أسمع فيها امرأة جزائرية تتحدث عن الحكومة الفرنسية أو عن الفظاعة التي يرتكبها الجيش الفرنسي في الجزائر, كانت أول مرة كذلك أسمع فيها القصص عن ذلك الشاب الذي كان أحد مفجري الثورة, و الذي قاد معركة الجزائر العاصمة الدموية, و الذي كانت نهايته تحت التعذيب الوحشي, دون أن يُعلن استلامه أو أسفه أو يطلب العفو من هؤلاء الذين خدعونا طيلة هذه السنوات بكذبة أن بلدنا جزء من فرنسا و أننا فرنسيون   !  .

كانت أجواء لم أعش مثلها من قبل. ثم خطر ببالي و أنا أرى حشدنا و هو يلتقي بحشود أخرى على الطريق, بأن هنالك هدفا آخر قد حققه منظمو الحدث, سواء عن قصد أو عن غير قصد, و هو أن نعيش هذا الجو من الشعور بالتلاحم و الإتحاد الذي لم نعشه منذ أن وطئت أقدامنا هذه الأرض الباردة, عندما جاءت البواخر محملة بآبائنا قبل أن نلحق بهم و نحن صبية صغار سنوات الثلاثينيات و الأربعينات كقطعان الغنم, لتصنع منا حكومة هذا البلد جيش عبيدها, الذي يحوِّل مسروقات بلده الأم إلى مواد مصنعة في مصانع فرنسا التي تحظى بأضعاف القيمة, و نحظى نحن فقط بفتات الموائد الأوروبية, رغم أن الخير خير تلالنا و صحارينا, و العرق عرق جباهنا و ظهورنا...

أفكار كثيرة كانت تتزاحم في رأسي, كانت في مجملها استنتاجات متأخرة كنت استلهمها من أحاديث الناس من حولي و أنا أسير وسط الحشد الذي تحول إلى حشود جرارة, أفكار كانت تزيد في درجة غليان شيء بداخلي, كان مزيجا من الحنق و الإحساس بالشفقة على الذات لأني أكتشف كل هذا لأول مرة, و أكتشف إلى أي درجة استغلت فرنسا حياتي و سذاجتي كما استغلت حياة و سذاجة الآلاف مثلي, إلى أي درجة استغلت جهلي و جهل أبي. انتابني إحساس عميق بالتقزز. لقد كان ألائك الشباب الذين فجروا هذه الثورة على حق, فعلا كانوا على حق   !  .

كنا نلمح أضواء باريس الأنيقة و الصاخبة و هي تزداد وهجا من خلف الأشجار و الجسور التي كانت تقطع نهر السين, و بمجرد أن بدأنا في التوغل إلى أحياء باريس الراقية, كان عددنا قد صار هائلا حتى أن معظمنا لم يصدق ذلك. لقد كانوا بالآلاف و من مختلف الأعمار, بل و قد انضم إلينا بعض المتعاطفين مع الثورة من فرنسيين يمثلون اليسار إلى جانب بعض التونسيين و المغاربة. بدأت الصيحات الجماعية ترتفع و هي تنادي بالحق في المساواة تارة و تندد بقانون الحضر العنصري تارة أخرى, و بين هذا و ذاك تعالت صيحات تمجد الجزائر و تنادي باستقلالها. رأيت في تلك الأثناء الأطفال الصغار و هم يصيحون مشاركين الجميع و هم يبتسمون و قد اكتست علامات الإثارة وجوههم, و هم يخبرون هذه التجربة لأول مرة بكل براءتهم و عنفوانهم كمن يعيش فرحة العيد, ليس لمعانيه الحقيقية بل لكونه يوم ليس كباقي الأيام, تماما كانت حالة هؤلاء الأطفال, فقد كانوا يشعرون بالإثارة, فقط لأن الحدث استثنائي دون أن يفهموا بالضرورة مضامينه الفلسفية العميقة, لكن كان من المهم إشراكهم في هذا الأمر حتى يوضع حد للجهل و الأمية السياسية التي عشناها نحن قبل أن يكتشف أكثرنا حقيقتها في أرذل العمر.

لقد رفعت اليافطات و الأعلام الجزائرية التي خيطت بأيادي نساء الغيطوهات. لم تكن تلك الأعلام متطابقة بشكل دقيق مع بعضها البعض لكنها كانت تحمل نفس الرسالة و ذلك كان كافيا. أما اليافطات فقد حملت عبارات تندد بالعنصرية و تمجد الوطن, و هكذا سرنا بها إلى قلب العاصمة و قد تعالت هتافاتنا و دوّت في أنحاء الشوارع, في حين تجمع الأوروبيون على شرفات منازلهم و عماراتهم و هم يتفرجون على تلك الحشود و هي تزحف على جادة "الكونكورد" الراقية. هناك أين بدأتُ ألاحظ أن الحركة تتبطاء شيئا فشيئا, إلى أن توقفت المسيرة لسبب ما, و معها تضاءل عدد الصيحات و الهتاف و حل مكانه وشوشات بين الأشخاص. سألتُ بعض الشباب عن سبب توقف المسيرة فقال أحدهم أن هنالك عدد هائل من رجال الشرطة قد أغلقوا الطريق أمام الحشد, فمررت بصعوبة بين الحشد نحو إحدى الأشجار المصطفة على حافة الطريق و تسلقتها بخفة, حينها رأيت مقدمة الحشد و هي تقف صفا واحدا مقابلة ما يمكن أن أصفه جيشا من رجال الشرطة المسلحين بالعصي و الهراوات و البنادق الرشاشة. ملامح وجوههم لم تكن تدل على أنهم جاؤوا ليقفوا على الحياد, فقد سمعنا أن قائدهم " موريس بابون " كان أحد الموقعين على قرار حضر التجول ؟. ثم سمعت صيحات متفرقة هنا و هناك وسط الحشد... " تحيا الجزائر  !" لتليها صيحات أخرى و أخرى, إذ راح الصياح يعلو و يتضاعف إلى أن ضج الحشد بالصراخ مطلِقا عبارات المجد للوطن, آلاف الحناجر كانت تصيح بصوت رجل واحد و كان صداها يتضارب بين عمارات باريس. و بينما أنا أراقب ما يحدث متشبثا بأغصان الشجرة فإذا بي أسمع شيئا وسط تلك الضوضاء يشبه الصافرة, و إذا بتلك الصفوف المتلاحمة من رجال بابون تهجم كموجة سوداء على مقدمة الحشد الجزائري.

كانت بضع ثوان كافية ليجد العشرات الذين كانوا في المقدمة أنفسهم تحت هراوات و أحذية البوليس الذي انهال بالضرب العنيف على الرؤوس و الوجوه و الأكتاف و الظهور و الأطراف... لا يهم !. لكنني وجدت نفسي و من دون وعي أصيح في الناس الذين كانوا من تحتي:" الأطفال...الأطفال !! ". ففهمتني النسوة سريعا عكس الرجال, و راحت كل واحدة تحمل صغيرها بين ذراعيها أو تمسك بيده و الكل يتدافع إلى الخلف, بينما لم يتحرك البعض و راحوا يحاولون اقتناص النظر وسط الجمع الهارب عسى أن يروا ما يحدث في المقدمة, لكن الأمر لم يطل, فقد جاءت أصوات إطلاق النار لتجعل الجميع ينبطح أرضا لوهلة عندما ارتفعت صرخات بعض النساء.

قفزتُ من على الشجرة و أنا أسمع رجلا يحدث ابنه الذي كان يبكي و يصرخ, إذ راح الأب يقول:" إنهم يطلقون الرصاص في السماء حتى يخيفوننا لا أكثر...لا عليك بني ". فشددته بقوة من ذراعه و أنا أخبره بأن يفر بابنه فورا, لأني رأيت للتو أشخاصا يسقطون في المقدمة برصاص حي و مصوب بعناية, فنظر الرجل إليّ للحظة, ثم حمل الصبي بين ذراعيه و انضم مهروِلا إلى الكوكبة الهاربة و المتدافعة في أي اتجاه ليس فيه رجال بالزي الشتوي الأسود و الخوذات التي تلمع تحت ضوء أعمدة الإنارة, لكن الأمر كان صعبا, فقد امتلأت الشوارع و الممرات بهم إذ كانوا يخرجون من جميع الاتجاهات كالنمل, ليزيدوا من حالة الرعب الهستيري و التدافع الذي سحق البعض تحت الأقدام و تركهم يتمرغون على الأرض من الألم و الإصابات, فقد راح رجال بابون يطاردون الجميع ليس بنية التوقيف فحسب, بل بنية الضرب المبرح و كأن بهم يريدون أن ينقلوا إلينا رسالة المسئولين الفرنسيس... كانت رسالة واضحة جدا.

كنت أركض مع الجميع محاولا تفادي ضربات العصي و أنا أسمع بين الفينة و الأخرى طلقات رصاص متقطعة, و في أحيان أخرى أسمع أصوات ضباط الشرطة المنطلقة من مكبرات الصوت لكنني لم أكن أعي جيدا ما كانوا يقولون, بسبب تصاعد الصياح من الفارين و صراخ الألم من المصابين الذين سقطوا هنا و هناك. لكنني استطعت الدخول إلى أحد الزقاق الفرعية التي لفها نوع من الهدوء و الصمت, و كنت لا أزال أسمع الصراخ و العويل و أصوات صافرات سيارات الشرطة من خلف المباني المطلة على نهر السين. لم أفكر كثيرا في هذا الكلَب الفرنسي الذي لم يتوقعه حتى أكثر المتشائمين برد فعل الفرنسيين تجاهنا, لأنني رحت أبحث عن أي ممر آمن للخروج من هذه المدينة ذات الوجه الرومانسي و الحقيقة المتوحشة, و العودة إلى قريتي القزديرية و كوخي القذر.

 التقطت أنفاسي و خرجت من ذلك الزقاق أسير بمحاذاة الجدران ألتفت في جميع الاتجاهات, لكنني كنت كأنما أسمع شخصا ما يبكي بصوت مخنوق و خافت بالقرب من أحد مكبات النفاية و أنا أقترب منه. لقد كان رجلا يناهز الخمسين من العمر ممدا بين أكياس الزبالة و هو يحاول كبت صرخات ألم ساقه التي بدت مكسورة حتى لا يسمعه رجال الخوذات, فتقدمت إليه بحذر و لم يدر بيننا أي حديث, بل رحت فقط أساعده على الوقوف. و بينما أنا كذلك فإذا بي أسمع أصوات أحذية و هي تضرب الأرض بقوة تقترب مني مسرعة ففهمت كل شيء, و أنا ألتفت خلفي سمعت عبارة واحدة... " fils de pute ! " و إذا بالعصي و الهراوات تنزل عليّ متتالية, حدث ذلك بسرعة غريبة و الأكثر غرابة هو أن الهلع الذي أصابني قبل أن تصل تلك الضربات إليّ كان قد اختفى تماما و أنا أتلقاها, فكل ما كنت أفكر فيه في تلك الأثناء هو حماية رأسي و وجهي. كنت منكبا على الأرض مقابلا إياهم بظهري, تماما كما اعتدت على ذلك منذ نعومة أظافري أمام ركلات أبي و ضربه المبرح عندما كنت أقترف أي شيء يثير غضبه. لكن أحدهم حاول قلبي على جنبي بركلة قوية حتى يتمكنوا من الوصول إلى وجهي, لكنني كنت ألف رأسي بذراعيّ, كنت أنظر إلى أرضية الرصيف المبتل بزخات المطر, و إذا بي ألمح زخات أخرى ذات لون أحمر قان و هي تختلط بقطرات المطر, تلاها ألم مبرح ممتزج ببرد شديد أصاب أصابع يدي, فأدركت أن عظامها إنما كانت تُسحق و تتفتت تحت ضربات العصي الخشبية فوجدت نفسي أصرخ بأعلى صوتي من الألم الذي لا يوصف.

تم جري رفقة ذلك الكهل المسكين الذي نال موجة أخرى من الضرب المبرح رغم حاله المزرية, و لم ألمح سوى دمائنا التي لونت ذلك الرصيف و هي تتسرب ببطء تحت نفايات الأوروبيين. و نحن نُقتاد إلى الشارع الرئيسي واضعين أيدينا فوق رأسينا لمحت مئات الجزائريين و قد تم حصارهم في الزاوية, بعدما طوقهم رجال البوليس و هم يشيرون إلى الجميع بأن يبقوا أيديهم فوق رؤوسهم. و بعد الوقوف تحت ذلك البرد القارص لنحو ساعة, جاءت الحافلات التي حملتنا و سارت عابرة تلك الشوارع التي لم تستعد هدوءها بشكل كامل. كنت أجلس بالقرب من النافذة و قد فقدت الإحساس بأصابع يدي تماما, كنت أتفرج على تلك البقع من الدماء التي كانت تغطي الأرصفة و الطرقات مع بعض الأشياء المتناثرة, قبعات, أحذية, يافطات... هكذا كان رد دولة الديمقراطية على مسيرة سلمية مليئة بالنساء و الأطفال !. لم أكن أعلم إلى أين يتم أخذنا في تلك اللحظات أو ماذا سيحل بنا, بعدما سمعت شابا و هو يتحدث بصوت منخفض عن عمليات إعدام يتم تنفيذها في تلك الأثناء من على جسور السين, كان جسده يرتعش بشدة و هو ينظر إلى الجميع و يضحك بشكل هستيري و يقول:" إنها نهايتنا....إنها نهايتنا جميعا أيها الأوغاد... تبا لجبهة التحرير التي ورطتني في هذا !!".

بالنسبة لي فقد أدركت حينها أنني نزفت من أجل نيل حقوقي لا أكثر, و أظنه كان شعور متقاسما بين الأغلبية. و بقدر ما كان الألم يلف أطراف جسدي و أضلعي, عشت إحساسا غريبا من السعادة و الفخر ينمو من تحته, تماما كما تنمو البراعم الخضراء الصغيرة من تحت رماد الغابات المحترقة, فقد كنت أعي أنني كنت أولد من جديد, و سواء كانت نهايتي الليلة غريقا في نهر السين أو سجينا منسيا في سجون فرنسا حقوق الإنسان إلى حين, فإنني لن أحزن و لن أندم على ما فعلت هذه الليلة, فقد كنت طيلة حياتي سجينا و ميتا, لكن ليس بعد اليوم, فهذا كان أقل شيء قدمته من أجل ذلك الشيء الذي يترك لذة مُسكرة في النفوس كلما فكر فيه المرء بتأن..." الحرية ".

----------------------------------------------

في ليلة 17 أكتوبر 1961 خرج أكثر من عشرين ألف جزائري في شوارع باريس في مسيرة سلمية, دعت إليها جبهة التحرير الوطني, احتجاجا على قانون منع التجول العنصري الذي فرضته الإدارة الفرنسية عليهم. لكن شرطة باريس و بأوامر محافظها موريس بابون ردت بشكل غاية في العنف و الهمجية.

 

أدت المواجهات و المطاردات إلى سقوط بضع مئات من الشهداء و آلاف الجرحى و المعتقلين الجزائرييين, و تطابقت شهادات تاريخية على وقوع عمليات تعذيب في مراكز الشرطة و إعدام بالجملة من على جسور نهر السين الذي ألقي فيه العشرات من الجزائريين.

 

يُعتبر هذا التاريخ يوما وطنيا للهجرة في الجزائر المستقلة. 

 

 


 
Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
26 juin 2011 7 26 /06 /juin /2011 23:08

m-mountains-of-beni-habibi-jijel---algeria-visoterra-29100-.jpg

لحظات مأسورة

كان والدي يقود السيارة و هو يقطع تلك المنعرجات الجبلية الملتوية التي تحفها المنحدرات الصخرية و الأشجار الكثيفة و تتخللها الأنفاق القصيرة, كان يتحدث إلى أمي الجالسة على يمينه تارة, و يصمت تارة أخرى وهو يُنصت إلى تلك الأغنية الشعبية الطويلة, التي تقص حياة النبي يوسف في شكل قصيدة ملحونة, أما أنا و شقيقتاي فقد كنا نمضي الوقت في الثرثرة الصبيانية للحظات, و نتفرج على تلك المناظر الطبيعية الخلابة لبرهة. ما كان يشد انتباهي هو تلك الشاحنات و الجرافات الكثيرة التي كنا نصادفها في الطريق, و هي تحمل كل أنواع مواد البناء و الأتربة, إذ أن المنطقة كانت لا تزال تشهد بناء سد " بني هارون" الهائل.

لا أذكر كم كانت تلك الرحلة تستغرق من مدينة " قسنطينة " التي وُلدت فيها وصولا إلى أعالي ريف منطقة " جيجل " أين تنحدر أصول العائلة, ربما كانت بضع ساعات بسبب الزحام و أشغال الطريق, و وعورة المسالك الجبلية, لكنني أذكر جيدا ذلك الإحساس الغامر من الإثارة الذي كان ينتابني عندما تبدأ بيوت القرميد العربي تتراءى لي مع إسطبلات الأنعام المبنية بأجدع الأشجار و صفائح القزدير المتفرقة فوق التلال , بين أشجار الفلين و الدردار و على حواف الطريق و  هي مُسيجة بنباتات الصبار و الأشجار الشوكية, و يصل ذلك الإحساس ذروته لحظة وصولنا, لا لشيء إلا للحفاوة الكبيرة التي كان أهل العرش*  يستقبلوننا بها, لسيما أفراد الأسرة الكثر, أما ما كان يثير ضحكي في لحظات الاستقبال هو طريقتهم الخاصة في التقبيل التي تكون على شكل سلسلة من القبلات السريعة جدا... عشرات القبلات في بضع ثوان, ربما هي تعبير في الثقافة المحلية عن شدة الشوق أو ما شابه ؟.

كنت أحمل سلتي الصغيرة المليئة بحبات البرتقال أو التفاح إلى جدتي, و هي عادة عكفت أمي على تدريبنا عليها لترسخ فينا قيم صلة الرحم و بر الأقارب.

 بعد وجبة الغداء التي غالبا ما كانت طبق الكسكسي**  كنت أخرج إلى الهواء الطلق رفقة أقراني و أبدأ في استكشاف المكان, ما الذي تغير, ما الذي بقي مكانه.., فيأخذونني لأرى الكلاب الجديدة التي تعيش معهم و تحرص قطعانهم, ثم ننزل إلى البساتين القريبة من العين, و في طريقنا إليها نمر على قبري والدي جدتي المدفونين إلى جانب بعضهما أعلى التل, فنقرأ عليهما فاتحة الكتاب. لم نكن نعلم لمَ نفعل ذلك, لكنه كان فقط تقليدا للكبار, ثم نضع قبلاتنا على شاهدي القبرين و نكمل طريقنا مرورا بإسطبلات الأبقار التي تفوح في محيطها روائح الروث المميزة, وصولا إلى نبع الماء و أشجار الفاكهة و الخضروات التي يعيش منها ألائك القوم البسطاء , فنمضي الوقت في اللهو و اللعب و تسلق الأشجار خلسة.

ما أذكره كثيرا هو الدار القديمة, أو كما يلقبونها هم بالدار الكبيرة التي بناها والد جدتي رفقة من عاشوا في عصره, إنها الدار التي تحتضن بين جدرانها ذكريات القدماء, ذكريات الأفراح و المآتم و اقتحامات عساكر الاستعمار بحثا عن المجاهدين في أشهر الثلج و الصقيع في عز سنوات الثورة, فقد قام مظليو الجيش الفرنسي بإحراقها ذات مرة, قبل أن يقوم جدي و أبناءه بترميمها و رفع سقفها مرة أخرى... كانت الرغبة في إثبات الوجود و البقاء و الانتماء إلى الأرض.

كنت أحب الجلوس فيها كثير لدفأها في الشتاء و برودتها في الصيف, فهي مبنية بالأحجار و الطين و أجدع الأشجار, تفوح من جدرانها روائح تراب البلد, و تحوي في زواياها مخازن الحبوب و جرار زيت الزيتون الضخمة المزينة بالأشكال و الرسوم البربرية الجميلة, يتوسطها الكانون الذي كنا نجتمع حول ناره أيام البرد و المطر, أين كان يأخذني النوم كثيرا و أنا أجلس في حجر جدتي و هي تتجاذب أطراف الحديث مع النسوة و العجائز, بلهجتهن الهجينة التي هي مزيج مُعقد من العربية و البربرية, لكنني كنت أعود و أستفيق على وقع هزيم الرعد ثم سماعي لأصوات العيدان المحترقة في الموقد الذي تنبعث منه روائح الدخان المميزة, و مع استمرار جلسة السمر الحميمة تلك و اشتداد الأمطار و حبات البرد في الخارج التي كنا نسمع طقطقاتها فوق القرميد في ليالي الخريف أو الشتاء, كنت أخشى انهيار السقف على رؤوسنا, لكنهم كانوا يطمئنوني و يحثونني على النوم, لكنني لا أستطيع حتى لو توقف المطر, بسبب عواء الذئاب و أصوات البوم في أعماق الغابات الكثيفة المظلمة, إلا بعد مرور أيام حيث تصبح تلك الأصوات مألوفة و مطمئنة.

كنت أفتح عيناي في الصباح الباكر على صياح الديكة و أحاديث الفتيات و النسوة المتجهات لجلب الماء من العيون و الينابيع, و في بعض الأحيان كنت أسمعهن و هن يتحدثن عن مقتل ديك أو دجاجة بفعل " آموش" أي القط البري, و ما يخلفه ذلك من استياء و أسف.

 بعد تناول كأس حامية من حليب البقر الذي لم يكن يروق لي كثيرا بسبب اعتيادي على حليب المدينة المجفف, كنت أخرج لاستكشاف الطبيعة في ذلك الجو الذي يلفه شيء من الضباب, و كم كنت أحب تواجدنا في الريف أواخر الربيع, فقد كنت أبدأ اليوم بتفقد أعشاش الدبابير التي تهم بتجفيف خلاياها المليئة بالماء, و أوكار النمل الذي ينطلق في إعادة فتح ما أغلقته الأتربة و الأوحال, و أعداد الحلزون الكبيرة التي تتسلق أجدع النباتات, و أزواج الفراشات التي تبدأ بتأدية رقصات التزاوج, و بيوت العناكب المتزينة بقطرات المطر المتلألئة تحت أشعة الشمس, التي كانت تشرق من وراء جبال " بني خطاب " المجاورة, وسط الهواء المنعش المنقح بروائح الحشائش المبللة... كان الأمر كله و كأنه سيمفونية متكاملة في فصولها.

كنت أحب الحشرات كثيرا, و غالبا ما كنت أحمل قارورة بلاستيكية شفافة بها ثقوب عند القاعدة, أضع فيها أي حشرة تنال إعجابي, لأحتفظ بها لبضعة أيام, و غالبا ما كانت عنكبوتا أو صرعوفة أقوم بإطعامها مما أصطاده لها من ذباب و نمل فأمعن النظر إليها, كيف تتحرك و كيف تصطاد و كيف تتغذى... كان شيئا بديعا و مثيرا جدا بالنسبة لطفل فضولي بين السادسة و الثامنة من العمر.

أذكر أننا كنا نتجه إلى تل " بويامن " الفسيح و المخضر أين كنا نأخذ الأغنام للرعي و بصحبتنا الكلاب الوفية, هناك كنا نتسابق في صيد الجراد و الجنادب, هو نفس الجراد الذي طاردته أمي في صباها و على نفس التل, فقد ظل يعيش بين شجيرات الريحان و النباتات الشوكية و  زهور الأقحوان طوال تلك العقود, يتميز بأجنحته ذات الألوان الحمراء النارية, و صعوبة الإمساك به لصغر حجمه و سرعته الفائقة.

لذلك كنا نمل من مطاردته و نتحول إلى صيد اليعاسيب التي كانت تعيش في الواد الواقع تحت التل, فنقوم بربط ذيولها الطويلة بخيوط رفيعة نمسكها بأصابعنا, و نتركها لتطير فنتسابق بها, كما كنا نحاول البحث عن السلاحف و القنافذ, و كنا نبحث عن أعشاش الطيور, و نراقب الغربان و النسور الفاركة لأجنحتها في السماء فنقلد حركتها في الطيران, و كنا نستمر في الصياح و نحن نقابل قمم " آزيّار " و " تافرطاس " البعيدة المكللة بالثلوج, نسمع صدى أصواتنا المرتد إلينا منها محملا بالشتم المضاد,  فنركض نحوها محاولين جعلها تبدو قريبة منا رغم بعدها الكبير, فكلما كنا نركض باتجاهها كلما كانت تبدو و كأنها تبتعد في الأفق رغم أن رؤيتها تزداد وضوحا, فكان ذلك يشعرني بنوع من الدوار و أنا أحاول لملمة حواسي المكانية و فهم السبب, فنتقدم نحوها أكثر فأكثر إلى أن نسمع صياح الكبار يحثنا على العودة و عدم الابتعاد عن القطيع خوفا علينا من الذئاب و الخنازير البرية.

الذعر الأكبر كان يتجلى و نحن في رحلة البحث عن الكائنات الحية, عندما نعثر على أفعى أو ثعبان نائم في حفرة أو تحت حجر ما, فأكثرنا جرأة و جموحا كان يعود إلى القطيع أولا, لنقابل بوابل من التوبيخ و الصراخ, بسبب فضولنا الموجه نحو استكشاف كل شيء.

 كما كنا نطارد الفراشات كذلك, لاسيما تلك الكبيرة منها, و التي يماثل حجمها حجم العصافير, كنا نلقبها بفراشات فرنسا, من فرط مشاهدتها في الأفلام الغربية فنظن أنها قادمة من أوروبا لسذاجتنا, و عندما كان يتحتم علي البقاء بالقرب ممن هم أكبر سنا و يُسيطر علي الملل أثناء فترة الرعي الصباحية, كنت أجمع بعض الأزهار لأمي و جدتي, لكن الأفكار الشيطانية سرعان ما كانت تعود و تأخذني فأنطلق رفقة أقراني في جمع بعض ديدان الأرض, التي كانت تظهر في الوحل بعد هطول المطر لنفزع بها الفتيات عند العودة.

أما عند الظهيرة فكنا كثيرا ما نجلس بالقرب من مقهى المشتى, الذي يلتقي فيه رجال العرش لتجاذب أطراف الحديث التي غالبا ما كانت تطغى عليها أخبار السياسة و نقاشها,...حزب جبهة التحرير قال كذا, و الحزب المحظور فعل كذا...و غالبا ما كان صراخهم يرتفع عند احتدام الجدال بينهم. كانت تلك التغيرات الكبيرة التي عاشها البلد و التي ضربت وحدة المجتمع نهاية الثمانينات و بداية التسعينات. أما نحن فكنا نجلس بعنفواننا غير مبالين بالعالم و مشاكله تحت أشجار الصفصاف التي تحيط بالمكان, نستمتع باحتساء المشروبات الغازية نتحادث و نتجادل حول أحداث مسلسلات الرسوم المتحركة, أو نأكل ثمار التوت الذي نجمعه من البرية, و الذي كنا  نحاول منع أنفسنا من تناول الكثير منه لأنه يُسبب الإسهال... لكن غالبا ما كانت الواقعة تقع من فرط شرهنا و من لذة التوت...

ما كان يجلب انتباهي هو أصوات حفيف أوراق الصفصاف عند هبوب نسيم منتصف النهار الدافئ, فيبدو صوتها كصوت عشرات الأيادي المصفقة, فكنت أكتف بالاستلقاء على ظهري و أستمر في التحديق بها و هي تتلألأ تحت أشعة الشمس بسبب سطحها الأملس العاكس, كان جوا يشجع على الكسل و الخمول... الفراغ و الهدوء و السكينة و أصوات الطبيعة و لا شيء آخر.

أما في المساء فكنا ننظم مباريات في كرة القدم في الفناء الذي يتوسط البيوت التي بنيت بجوار الدار القديمة, و الذي كانت تغطيه شجرة عنب كبيرة تلف كل المكان و تظلله, إلا أن المباريات لم تكن تسير بشكل جيد, بسبب التدخل المستمر لشباب العائلة الأكبر سنا من أجل بعض التمريرات و بعض القذفات و الأهداف, التي تسمح لهم بالاستحواذ على الكرة و تهميشنا بشكل متدرج و ماكر, إلى أن يستحوذوا على كل شيء, الملعب و الكرة, و تتحول إلى مباراة بين المراهقين و الشباب بينما نتحول نحن الصبية الصغار إلى متفرجين..., فكنا ننتفض و نشكوهم إلى من هم أكبر سنا, فيعيدون الكرة إلينا احتراما لهم, فنفر بها إلى مكان آخر بين الأشجار و نكمل اللعب إلى غاية المغيب, حيث تصبح الرؤية صعبة بسبب الظلال و الظلام, و يسمع كل واحد فينا نداء أمه أو جدته أو جده المهدد و المتوعد بسبب التأخر.

عند انسحابنا كنت كثيرا ما ألتفت نحو جهة المغيب الحمراء و أدرك أن الظلام قد أدركنا سريعا بسبب ارتفاع الطود الذي يلف المناطق الواقعة تحته و الجبال المجاورة له بظله بعد أن يحجب الشمس خلفه, فأستمر في النظر نحو تلك المساكن البعيدة و المرتفعة التي لا يظهر منها سوى مصابيحها الصغيرة المشتعلة, هناك أين يقع الريف الذي ينحدر منه أبي, فكنت أتفرج على التكاثر التدريجي لتلك النقاط اللامعة المتفرقة في جسم الجبل الأسود المظلم و أنا أحاول عدها واحدة بواحدة ريثما نصل إلى البيت... كانت أشبه بنجوم تبرز في الأرض قبل نجوم السماء.

ما أذكره أيضا و لا يزال حيا في فكري هو موسم جني الزيتون الذي كان و لا يزال إلى اليوم يمثل فرصة اجتماعية و تقليدا ثقافيا هاما للتعاون و توطيد العلاقات بين الجميع. لقد صادف وجودنا ذات مرة, و لا أعلم إن كان ذهابنا هناك مقصودا في تلك الأيام أم لا, لكن أتذكر أمي وهي تقدم لي دلوا صغيرة و تحثني على أن أتسابق مع شقيقتي و باقي الأقران في جمع حبات الزيتون. كانت الأجواء رائعة تخللها الكثير من المرح و اللهو و العبث بالنسبة لنا نحن الصغار, فكبار السن كانوا يتسلقون الأشجار التي يقدسونها و كأنها شخوص حقيقية, فيقومون بهز أغصانها, بينما نقف نحن تحتها مباشرة و نهم بجمع حبات الزيتون المتهاطلة علينا. أذكر جيدا تلك الأحاديث و النكت و الضحك, خاصة عندما يتأثر بنا الكبار و يهمون بالتسابق فيما بينهم, كانت القهقهات ترتفع مع ارتفاع الصياح و التهكم و عبارات التحدي و السخرية المتبادلة بين الجميع, أظنهم كانوا يهدفون إلى إدخال السعادة على قلوبنا, فليس هناك أنجح من الألعاب التي تمتزج فيها المنافسة مع المرح, فنتائجها تكون خالدة.

 لا أدري كم هو عمر تلك الأشجار اليوم, لكني أعلم أنها غُرست منذ عهد جد والدتي, و التي قام على رعايتها أفراد العائلة جيلا بعد جيل, فهي إرث كبير و مقدس للجميع.

كل تلك المتعة و التجارب التي عشتها لم تكن من دون ثمن, فقد كلفتني الكثير من السقطات و الجراح و الخدش و  القرص و الوخز و اللسعات المتنوعة التي كنت أتعرض لها كلما زرنا الريف لفضولي. لكن تنوع الطبيعة و أشكال حياتها و تجاربي معها عمق في تلك السن المبكرة من مداركي نحو العالم و وسع من خيالي.

أفهم الآن سر حرص أبوي على أخذنا إلى هناك كلما سنحت الفرصة في أيام الصبا و الهدوء, و أفهم سر حرص أمي على لعبة الدلو تلك, إنها ربط العلاقة الحميمة مع كنز المنطقة الثقافي, شجرة الزيتون, و أظنها قد نجحت.

عندما أتذكر كل تلك المناظر الطبيعية الخلابة و تلك الوجوه الطيبة البشوشة, أدرك أن ما عِشته هناك قد أسر اللحظة في العقل حيث بقي نورها متأججا في بؤبؤ العين, و بقي صداها متضاربا في أعماق النفس إلى ما لا نهاية, تلك اللحظة كانت لحظة جزء من طفولة سعيدة في بلاد الفلين و الزيتون.

--------------------------

* العرش: جماعة تضم عددا من الأسر الكبيرة و لها حدود جغرافية, و عن كل عائلة ينوب الحكماء و كبار السن الذين كانوا فيما مضى يشرفون على الحياة الاجتماعية و الثقافية للناس, و يفكون النزاعات حول الميراث و الأرض...الخ.

 

** الكسكسي: الطبق التقليدي لشعوب المغرب الكبير و خاصة الجزائر, غالبا ما يقدم للاحتفاء بالضيف أو في المناسبات الدينية و الثقافية. 

--------------------------

علاوه أمير فنور - البليدة في 07/03/2010.

 

يسألني بعض أصدقائي من أين أنا, فأجيبهم أحيانا: من الجنة. و من لم يصدق أقترح عليه المقاطع التالية لولايتي الأصلية و ...... أهلا بالجميع في رحاب بلاد القبائل عموما و جيجل بالخصوص.

 

 

 

 

 

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:54

1.jpg

ذاكرة الوطن, الاغتراب.... و الصديق الغائب

 

        يُداعب خصلات الشعر القليلة التي تغطي أجزاء متفرّقة من ذقنه و صدغه, ثم يتنهّد و هو يُصوب بصره نحو النافذة يرى انعكاس ظلال الأغصان على ستارها بفعل الإنارة في الخارج, يبدو أن هناك ريحا خفيفة قد بدأت تهبّ مُعلنة عن قدوم موسم العواصف الرّعدية. يسترسل في التفكير للحظات و هو يبحلق في تلك الأوراق البيضاء و ذلك القلم الجميل الذي حصل عليه من أحدهم, ثم ينهض و يتجه صوب النافذة و يُدرك أن الكلمات التي بحث عنها على وشك أن تأتي بعد أن لمح أضواء البرق القادمة مع السحب, " إنه هو, أخيرا, الخريف " يقول مُحدّثا نفسه. يفتح النافذة و يُطل و هو يُغلق أزرار قميصه ليحمي صدره من تلك النسمات الباردة المصحوبة ببعض قطرات المطر.

 

لطالما حمل هذا الجو كل أنواع الإلهام و كذلك الذكريات إلى وجدان " إلياس ", الشاب الجزائري القادم من وطن لم يصحُ بعد من سكرات أزمة أمنية و اقتصادية و اجتماعية مُدمّرة, لا تزال تبعاتها المعقدة و نتائجها الكارثية تصنع تحديا حقيقيا لبلد و مجتمع لطالما عرف حياة الضغط. ربما كان الرجل الشاب يحمل الكثير من المكبوتات المزعجة في صدره, لكنه فقط يحاول تذكّر كل الأشياء الجميلة التي حملها الخريف إلى حياته السابقة رغم صعوبة الأمر. لكن حنينه قوي هذه الأيام... يُغمض عينيه و هو يستنشق ذلك الهواء الليلي بعمق لعلّه يستطيع تنشيط روابطه الوجدانية المؤسسة على ذلك الجو, فيستحضر تلك الأحاسيس التي كان يعيشها في وطنه الأم, أجل, فصل الخريف, شهر سبتمبر و أكتوبر, الدخول المدرسي, روائح الدفاتر و الأدوات المدرسية الجديدة في أغلفتها, تلك الحماسة المختلطة بشعور غريب من الإثارة للقاء فتاة القلب بعد ثلاثة أشهر من الغياب. أجل, إنه يتذكر وطنه الذي تركه خلف الأطلنطي عندما جاء إلى هذه الأرض الواسعة لتحقيق أحلامه قبل عدة أعوام, لكن الحنين يجذبه جذبا نحو أمسيات رمضان عندما يقترب مغيب الشمس, و يهم الجميع بالعودة إلى البيوت . تلك الطرقات الضيقة التي تكتسحها روائح الطبخ الشهي المنبعثة من نوافذ و شرفات الأبنية المتقاربة " متى سأصومه في الجزائر مرة أخرى ؟, مضت سنوات طويلة " يهمس لنفسه بنظرات شاردة, فقد احتفل بعيد الفطر منذ أيام فقط.    

 

 لقد عُرفت أسرة إلياس بكثرة أبنائها الذين حاربوا الجماعات الإرهابية الجزائرية طيلة سنوات التسعينات. أعمام, أخوال, و إخوة أيضا, حتى إلياس نفسه خبر تلك التجربة, لذلك فقد عاد الشاب إلى داخل غرفته التي تعانق جدرانها أنوار خافتة و هو يتجه نحو تلك الخزانة الصغيرة, التي وضع فيها ما أمكن إحضاره في رحلة الاغتراب و البحث عن مشروع الوطن الجديد و الحياة الجديدة. علم جزائري, خامسة جدارية, صورة كبيرة لجبال الطاسيلي البركانية بالصحراء الجزائرية, صور للعائلة و الأصدقاء و الحي العزيز " آه, حي باب السبت, مدينة البُليدة الغالية... ثانوية ماحي.....ينابيع الشّفة....حقول المَتيّجة.....مرتفعات جبال الشْرِيعة ".. طبعا هو لم يزر تلك المرتفعات الغابية الخلابة لسنوات عديدة بسبب أنها كانت مرتع الوحوش الذين خربوا البلاد إلى درجة التصق اسمهم باسمها, لكنه و رغم كل محاولات النسيان و التفاؤل إلا أنه لم يستطع إبعاد تلك اللحظة التي لا يزال غير قادر حتى على الحديث عنها رغم مضي عدة سنوات, إنها اليوم الذي فقد فيه صديقه في السلاح " إسماعيل ", ذاك الجندي المغوار الذي اقتحم خطوط النار و الدم رفقة إلياس و من كانوا معهما دِفاعا عن النظام الجمهوري في البد, أو بالأحرى ما تبقى من النظام الجمهوري آنذاك... النظام الجمهوري الذي لا يزال الجميع ينتظره منذ 1962.

 

لقد سقط الرفيق في اشتباك عنيف في قلب أدغال "تاكسانة" التي كانت و لسنوات عديدة الجحيم الأول للجندي الجزائري, فتمشيطها نهارا كان أشبه بالحلم, أما الحديث عن اقتحامها ليلا فقد كان بالنسبة للعسكر مزحة ثقيلة قد تسبب مشاكل في الهضم بعد وجبة العشاء. لكن إلياس, إسماعيل و من كانوا معهما قد صبروا في تلك الأرض الملعونة, التي كانت بالأمس أثناء حرب التحرير مباركة... " فليرحمك الله يا إسماعيل  ". إنه يحاول نسيان كوابيس تاكسانة التي كان مهوسا بها, و لا يحدّث شقيقه الأصغر " سفيان " إلا عنها في كل ليلة راعدة ماطرة لا يستطيع فيها الاستسلام للنوم, عندما تراوده كوابيس الحرب, صراخ الجنود الجرحى, صوت الرصاص و الانفجارات, الأعشاب و قطع التراب و الأغصان المتطايرة, صياح الضباط بين إعطاء الأوامر و بين السب و اللعن,الفوضى..., و طبعا اللحظة التي رأى فيها صديق طفولته يسقط.... " كفى الآن, كفى من الماضي الحزين, أنا هنا اليوم, أنا في أمريكا ".  و ربما يكون أكثر الناس امتنانا لخروجه حيا من تجربة الخدمة العسكرية في تلك السنوات الرهيبة, كما أنه من بين جميع من يعرف, هو أكثر الناس حظا لأنه وصل إلى الآفاق التي لم يصلها أحد من كل ألائك الذين تركهم خلفه, لقد وصل إلى أمريكا, لقد وصل إلى الجنة فيا للحظ....

                                       

في تلك اللحظات تنتقل الذاكرة من أجواء الوطن الأم إلى أجواء أولى الأيام التي وطئت فيها قدمه هذه الأرض التي طالما حلم بالسفر إليها و العيش فيها. ربما كان ذلك بفعل تأثير أفلام هوليوود التي صدّرت صورة أمريكا الذهبية و أغفلت الكثير من واقعها. صدق من قالوا إذن " أمريكا ذهبية الوجه, رمادية الجوهر ", فالأمر لم يكن كما يعتقد الجميع, لكن الوافد الجزائري حل على هذا البلد و هو يعيش أسوء لحظات تاريخه, لقد كان ذلك بعد شهر واحد من الثلاثاء الأسود يوم انهارت أسطورة البلد العظيم الذي لا يقهر, يوم صدقت نبوءة الجزائر عن أن الإرهاب سيغزو العالم يوما ما....من كان يسمع نداء النبي ؟.                                                                                                                  

يجلس الشاب مرة أخرى و هو يُمدد ساقيه قليلا تحت مكتبه يُشابك بين أصابع يديه يتذكر كل تلك الإجراءات الشاقة في مطار نيويورك, تفتيش الأمتعة, تفتيش الأحذية, لحظات التوتر التي عاشها بسبب تلك النظرات الحذرة التي كان يرمقه بها كل من يطلع على اسمه و اسمه البلد القادم منه....كل خوفه كان من إمكانية اعتقاله تعسفيا من طرف عملاء إدارة الأمن القومي أو المباحث الفدرالية و أخذه للتحقيق معه حول أشياء أو أحداث مؤسسة في جزءها الأكبر على الريبة. أمريكا كانت مذعورة تلك السنوات و لعلها لا تزال كذلك إلى اليوم.... لعلها ستظل كذلك إلى الأبد ؟.                                                            

 

يبتسم الرجل الشاب للحظة و هو يتذكر كم كان توقيته سيئا لتحقيق حلم حياته و كل النصائح التي وجهها إليه أقرباءه بتأجيل السفر, لكن و كما يقال " عندما تأتي اللحظة الحاسمة، نُدرك أن الإقدام يكون الآن أو لن يكون أبدا ". لقد كان القرار صائبا بالسفر فتلك الفرصة لم تكن لتتكرر مرة أخرى رغم الخوف و القلق, و لحسن الحظ أنه و بعد أن حصل على الإذن بالبقاء المؤقت وجد في تلك الأيام بعض من ساندوه و ساعدوه على اعتياد أجواء الأرض الجديدة.

 

كانت أياما من أكتوبر امتزج فيها الإحساس بقلق الابتعاد عن الأهل لأول مرّة مع شيء من الخوف مما يخبئه المستقبل, إلى درجة أن إلياس و في تلك الأيام الباردة الماطرة كان قد بدأ يُعيد التفكير في قرار خوض هذه المغامرة... " هل حقا كنتُ مجبرا على ترك بلدي الذي بدأت أوضاعه الأمنية تتحسن آنذاك و القدوم إلى هذا البلد الذي كان يعيش أعنف فوبيا في تاريخه ؟ ". هذا ما كان يدور في رأسه تلك الأيام, لكنه سرعان ما أدرك أن ذلك الشك كان نابعا من الإحساس بالغربة و الوحدة, لولا أنه خف بعد أن التقى بعرب أمريكيين أغلبهم من أصول شامية, و أمريكان غير عرب ساعدوه على إكمال إجراءات تواجده القانونية و ساعدوه على الانخراط في مزاولة دراساته للغة الإنكليزية التي جاء من أجلها, بل ساعدوه على العثور على وظيفة موازية تمكنه من تأمين استقلاله المادي و دفع أقساط دراسته و إيجاره و حوائجه المختلفة....

 

تتوالى الابتسامات في تتابع منطقي من البسمة الخفيفة إلى البسمة العريضة و نظرات إلياس شاردة, كأن عقله و إدراكه قد سُلبا تماما و تاها بين الذكريات المختلطة لتك الأسابيع الأولى في بلاد جورج واشنطون, و الأهم هو أنه لم يتعرض إلى الكثير من المعاملات العنصرية بسبب الحظ الغريب الذي طالما صحبه في حياته إلا من بعض المتشدّدين. فالأمريكيين يبنون ردات فعلهم تجاه الغرباء استنادا إلى أشكالهم الخارجية قبل أي شيء آخر, فالرجل جميل الوجه, أبيض البشرة, أصهب الشعر, رشيق البدن, لا يبدو في مظهره و ملبسه أنه عربي, كما أن اسمه " إلياس فرندي " يبدو لطيفا, سلسا على الألسن و سهل التهجئة و الحفظ إضافة إلى لغته الإنكليزية المتمكنة.

                                                

 يُطلق إلياس ضحكة خفيفة و هو يتذكر احتكاكه الأول مع الأمريكيين غير العرب عندما كانوا يسألونه من أي بلد هو, فيجيبهم بأنه من الجزائر, ليلمح على وجوههم نظرات استغراب لم يكن يفهمها في حينها, و كان يعتقد أنها بسبب سمعة البلد الذي يشتهر بالجماعات المتطرّفة, لكن الأمر لم يكن كذلك لأنه اكتشف أن معظم الأمريكيين ليسوا بارعين في مادة الجغرافيا, و فهم أن أغلبهم لا يعرف حتى موقع الجزائر و إنما كانوا يخلطون بين كلمتي آلجيريا و نايجيريا, و منبع تلك النظرات هي استغرابهم كيف لشخص آت من آلجيريا الإفريقية هذه أن يحمل ملامح أقرب إلى ملامح الأوروبيين ؟.... يضحك مرة أخرى و هو يتذكر عندما كان يجيب بعض سائليه عن اسمه و يطلب منهم أن يحزروا من أي بلد هو, فيجيبه السائل بأنه يعتقد أنه من اليونان أو قبرص بسبب انتهاء الاسم بالسين..... يا للطرافة.

 

فجأة يتوقف كل شيء, تختفي البسمة و النظرات الشاردة, فيعود الشاب إلى الواقع بعد أن وصلت به ذاكرته إلى شخص أسّس معه صداقة متينة بسبب مساندته له و إيوائه في الأسابيع الأولى من تواجده هنا, و كان الفضل إلى شخص من أصل عربي يدعى "جون" قدّم إلياس لهذا الشخص على أنه قادم من بلد يعرف شعبه معنى الكفاح من أجل الحرية, كما أنه بلد عانى كثيرا من الإرهاب و هو يستعد ليصير حليفا لأمريكا الخيّرة في حربها العالمية على الشر....هكذا كان الأمر ليفهم إلياس آنذاك أن ذلك الشاب الأمريكي الأشقر ضخم الجثة, كان متأثرا كثيرا بالمثاليات الأمريكية, و أن جون كان يفهم العقلية الأمريكية بدقة,  فاختصر الطريق على المغترب للحصول على المساعدة و الصداقة و التعاطف, في بلد تكثر المثاليات في أفكار شعبه دون أن تجد لها طريقا حقيقية في واقع هذا العصر المُقرف.... لكنه في كل الأحوال لن ينسى فضل ذلك الشاب الأمريكي الذي فتح له أبواب منزل أسرته و قدّم له كل ما يحتاج من أجل الاستقرار قبل أن تُفرّق بينهما الرؤى و الأفكار....لكن الفضل يبقى فضلا, لذلك قرّر إلياس أخيرا أن يُبادر بمراسلة صديقه الغائب بعد سنوات من التردد, فقد أخذ نفسا عميقا ثم حمل القلم أخيرا.

 

... يُتبع

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:50

2.jpg

رسالة إلى الجندي جيفري

 

         " صديقي جيفري, لقد تردّدت كثير في الكتابة إليك, لكنني أعتقد أن كثيرا من الوقت قد مضى و هو لا يزال يمضي. لقد مرت سنوات طويلة و بصراحة فقد فاجأني أن ما حدث أشبه بما يكون البارحة فقط رغم أن الحقيقة غير ذلك. أتمنى أن تكون بخير هناك و أتمنى أن لا تنزعج من هذه الرسالة, فقد كنت أعلم طوال الوقت أنك قد أوصيت أفراد أسرتك بأن يتكتموا عن مكان تواجدك في العراق و أن لا يمنحوني عنوانك هناك, لكنني و بعد إصرار و عناد طويلين حصلت عليه من شقيقتك "جين". يبدو الأمر غريبا بعض الشيء, لكنني ظللت ألوم نفسي لأنني عجزت عن إقناعك بعدم التطوع في الجيش و الذهاب إلى ذلك البلد البعيد من أجل خوض حرب خاسرة, لكنك اعتقدت سوءا أنني أهين وطنيتك و حبك لبلدك و أنني أنحاز إلى عرقي العربي.

 

 في الأيام الأخيرة أعكف على الاستيقاظ باكرا لأشبع حاجتي في التجوال و السير صباحا زهاء السابعة. منظر طرقات المدينة المبللة بأمطار الليل و أوراق الأشجار الصفراء و الحمراء المُتناثرة في كل مكان مُلهم حقا, إنه أكتوبر, إنه الشهر الذي خلقنا فيه مبادرتنا الصغيرة التي صارت اليوم تستقطب العشرات إن لم أقل المئات من المتحمّسين لها. تلك المبادرة التي تقضي بتحويل الأيام ألأولى من هذا الشهر إلى أيام للرسائل التي تحكي عن الذكريات التي ترتبط مباشرة بأحلام المستقبل المرتقبة, لجعل بداية كل خريف تنطلق بما يلزمها من التفاؤل المنقح بجرعات الحنين و كذا العلاقات المتجدّدة بين الناس الذين يتقاسمون تلك الأحاسيس, إنه الشهر الذي تعرفنا فيه على بعضنا البعض عن طريق اللبناني المشاكس جون أول مرّة قبل ستة أعوام, كنتُ الشخص الأجنبي الغريب الذي جاء سعيا لتحقيق حُلمه الأمريكي آنذاك, و كنت أنت و بعض الأصدقاء أول من وقف معي.... ".

 

يتوقف إلياس عن الكتابة للحظة و هو يُسند ظهره إلى الكرسي رافعا بصره إلى الأعلى قليلا يتذكر تلك الأيام, و يحاول استحضار أهم ما ميز أجواءها في هذا البلد, فلم يتذكر سوى  أحاسيس قلق الاغتراب و الشوق المبكر لأحضان العائلة التي افتقدها كثيرا, كما تذكر أجواء الحرب على أفغانستان آنذاك, لكنه سرعان ما نظر إلى الورق و هم بالكتابة مرة أخرى: " ...لعلك الآن تفهم سبب إصراري على الحصول على عنوانك و سبب مُراسلتي لك, لقد فكّرت في الأمر طويلا لكنني لم أعد أحتمل رؤية الكم الهائل من الرسائل التي يتبادلها المنضمون إلينا في مبادرتنا السّنوية هذه الأيام دون التفكير فيك, و قد كنت من بين المؤسسين لها, فكيف لا تجني بركاتها على حياتك و قد بلغتْ ما بلغتْ من الانتشار و الاستحسان وسط المجتمع المحلي هنا في "نيوجرسي" و في المدن و الضواحي القريبة أيضا, و هي لا تزال في التوسّع ؟.

 

بعد خمسة أعوام لم نلتق فيها لدي الكثير لأخبرك به, على كل حال فأنا لا أزال أواجه مُشكلة السن, لأني وسط هذا المجتمع الذي ينضج أفراده بسرعة لا أزال أبدو بطول قامتي و ملامح وجهي أصغر من عُمري الحقيقي, و كثيرا ما يتسبب ذلك لي في بعض المواقف الطريفة لا سيما مع المراهقات اللائي يستلطفنني. لم أُعجب بعد بلعبة البيسبول لأنني لا أزال أرى كرة القدم أفضل رياضة في العالم. لم أقرر بعد الدخول في علاقة مع إحداهن, فأنا لا أعلم لمَ أشعر بأنني قد أكمل ما تبقى لي من حياة وحيدا أعزب, لكن الأمر لا يثير قلقي لأنني لا أفكر فيه كثيرا, ثم من يعلم فقد ينقلب فجأة إن التقيت بالفتاة المناسبة في الوقت و المكان المناسبين ؟.

 

لقد أكملت دراساتي في الأدب الإنكليزي لكنني أود التدرج فيها أكثر فأكثر مع الاستمرار في توفير المال اللازم لأبتاع منزلا جميل بعد أن ضمنت استقراري التام في البلد, كما أنني لم أتخلّص بعد من عادتي الغذائية الجزائرية المتمثلة في استهلاك الخبز مع كل شيء..., " إيمي" أكملت دراساتها الجامعية لكنها لا تزال تبحث عن وظيفة و قد تجد نفسها مجبرة على السفر خارج الولاية للعثور على عمل, أعتقد أنك تعلم ذلك من خلال رسائلها إليك, لقد صارت امرأة يا صاح, لقد أحسنت الاختيار. جون لم يتغير كثيرا, إنه لا يهدأ من الحركة و لا يشبع التنكيت و اختراع المقالب, لكنه أنشط عضو في المنظمات العربية الأمريكية, فمقالاته لها تأثير غريب يشبه السحر في عقول المهاجرين الراغبين في الاندماج, لكنني معه تعلّمت ما لم أتعلمه في بلدي الأصلي, إنه النشاط الاجتماعي التطوعي. على العموم أنا بخير رغم الشوق الشديد لزيارة وطني الأم و رؤية أهلي.

                                                                        

 كما أني اشتقت إليك يا صديقي, و ككل سنة في مثل هذا الوقت أتذكر كثيرا فضلك و فضل أسرتك علي, و في الحقيقة هذا ما يحطّم قلبي, أشعر بأنني مدين لك بالكثير, أذكر أنك كنت دوما الواقف إلى جانبي عندما كنت أنعت من طرف المتعصبين بالعربي البغيض و المسلم الفاشي, أنت الذي ساهم في تبديد أحاسيس الحذر التي كان يحملها لي معظم من هم أصدقائي اليوم, و هذا هو السبب الوحيد الذي كان يدفع بي لأحاول إقناعك بكل الوسائل بأن تلك الحرب مجرد عمل متهور و جائر على طريقة رعاة البقر لا أكثر, فقد كنت أرى إلى أين ستصل تلك الحرب بأمريكا و العراق على حد سواء, و الغريب في الأمر أن كل الأمم كانت ترى إلى أين ستكون النهاية إلا أنتم ؟. كنت أرى أنك لا تستحق أن تذهب للموت هناك أو أن تتحول إلى شخص يتصرف كالأوغاد و كالمجرمين بسبب الأمراض النفسية التي تسببها فظاعة الحرب, كنت أرى مدى تشوش رؤيتك كغيرك من الأمريكيين, و خلطكم بين حب الوطن و الدفاع عن حريته و بين غزو الشعوب الأخرى لبناء مجدكم على حِساب أمنها و حريتها, أم أنه مفهوم الخير بالنسبة لأمريكا ؟. لا يا صديقي, هذا هو الظلم الذي جلب كل هذا الكره و الحقد على هذا البلد.

 

يتوقف إلياس لحظة ثانية و هو يضع قلمه و يتنهد بعمق يتذكر آخر سجال عنيف وقع بينه و بين جيفري, في تلك الليلة الشتوية الباردة عندما كان الفتى الأشقر يجمع أمتعته للالتحاق بصفوف المارينز. أجل, أيام قرع طبول الحرب و التكالب الإعلامي على نظام صدام حسين, و التقارير الاستخباراتية الملفقة و التحاليل الأكاديمية القاصرة أو المقصرة.., كاد ذلك السجال يتحول إلى شجار عنيف بعد أن شعر إلياس بعجز في إيصال ما يود إيصاله إلى عقل جيفري, لكن بلا فائدة, أتراها كانت مشكلة في مهارات الإقناع اللغوي ؟, أم كان اختلافا في طريقة تفسير الأحداث و رؤية الأمور مادام الصديقان من مجتمعين و ثقافتين مختلفتين ؟, أم أنه كان شرخا كاملا في المفاهيم الفلسفية لمعاني الخير و الشر من الأساس ؟.

 

يستحضر إلياس آخر الجمل التي تراشق بها مع صديقه: ".... أنت لا تفهم شيئا, أتسمي ما سيحدث عملية تحرير ؟, ألا تستطيع أن ترى ببصيرتك الفرق بين التحرير و الاحتلال ؟. اسمعني جيدا, أنا أنتمي إلى بلد اشتهر شعبه بمقاومة الغزاة, عرقيا أو دينيا أو ثقافيا هو يشبه كثيرا الشعب الذي ستذهب لغزوه مع بقية العميان الذين يتبعون العميان الكبار الذين يقودونكم, و صدقني, أقسم لك بأنه لن يكون مرحبا بكم و لن تستقبلوا بالزهور أبدا, أنتم ذاهبون إلى الجحيم...".

 

_ " كل حرب هي جحيم, و إذا تحتم الأمر أنا مستعد للتضحية بنفسي من أجل حماية حرية أمريكا, حديثك هذا يشعرني بالغثيان فأنت تصنع مني جبانا و خائنا. لم تتم تربيتي على التنكر لوطني أوقات الحروب, أنت دافعت عن وطنك عندما كان في حاجرة إليك, الآن هو دوري لأفعل نفس الشيء تجاه وطني. "

 

قالها جيفري و وجهه محمر من الغضب يكاد يلتصق بوجه صديقه العربي عندما كان يمعن النظر في عينيه بكل تحد ليثبت إلى أي مدى هو مُحق و مؤمن بما سيفعل, لكن إلياس يتذكر آخر عبارة قالها و هو يهم بالخروج من غرفة صديقه المجنّد: " لقد فقدت أخا في الحرب كنت أدين له بالكثير و لم أستطع رد دينه, ذكراه لا تزال مشتعلة في قلبي, و أنا لا أريد أن يتضاعف سلطانها علي ".

 

بعد أن عاد إلى الحاضر, حمل إلياس قلمه مرة أخرى و قد أدرك أنه ابتعد عن رسالته المكتوبة لبعض الدقائق, فهم بإعادة قراءة ما كتب و أين توقف ليكمل الكتابة... " لقد كُنتَ واثقا كل الثقة يا جيف بأن تلك الحرب لن تدوم أكثر من سنة, و بأنكم ستطيحون بالدكتاتورية و تتخلصون من أسلحة الدمار الشامل التي تهدّد أمن و راحة العالم, تحررون الشعب المُستعبَد و تسلمونه وطنه المحرر على أيديكم, و بأنكم ستغادرون كما دخلتم, فقط في صورة الأبطال. كنت تقول بأنك ستعود لتتزوج إيمي و بأنك ستعلّق الأوسمة التي ستكسبك إياها بطولاتك على صدر أول رضيع ترزقان به. لكم يؤلمني أن أراك و بعد مرور خمس سنوات لا تزال عالقا هناك, لست أعلم ما وضعك الشخصي بالضبط لكنني أتابع أخبار الحرب باهتمام منذ اندلاعها, و أرى كما يرى العالم أجمع ما تواجهونه, هذا هو ما أردتُ تحذيرك منه بالضبط يا صاحبي, و بقدر ما أتمنى سلامتك هناك بقدر ما أتمنى أن تساهم هذه الحرب في تغيير نظرتك للأشياء, و تجعلك تعيد النظر في مفاهيمك و مدى تناغمها مع المفاهيم المتفق عليها في العرف الإنساني, فأنا أعلم أنك رجل صالح.

 

و كما للمآسي بداية, فإن للأمل بداية أيضا كفيلة بإنهاء تلك المآسي, فالانتخابات الرئاسية على الأبواب و لعلها تكون فرصة لعهد جديد من التغيير. لقد اقتنعت أمّتنا بمدى الأضرار التي جلبتها سياسة الجمهوريين الرعناء في العراق على أمريكا, و كيف هزت من صورتها الأخلاقية أمام الأمم التي باتت تكرهها أكثر من أي وقت مضى, حتى حلفاؤها فقدوا ثقتهم بها, أعتقد أن ما حدث لا يمكن إصلاحه بسهولة, لكن يمكن على الأقل البدء في محاولات إصلاحه.

 

المهم, لقد أخذت بالمبادرة و راسلتك, أردت تذكيرك بشيء من الماضي و أردت تذكيرك بالمستقبل القريب بعد الانتخابات الرئاسية, لعل الأمور ستتحسن و لعلك ستكون هنا بيننا عما قريب, كما أود إخبارك بهذا و أنا متأكد من أنه سيفرحك: لقد حصلت على جميع حقوق المواطنة الأمريكية قبل بضع أسابيع, لقد صرت أمريكيا يا صاح. سأنتظر رسالتك يا صديقي, اصمد و لا تتورط في الأعمال أللأخلاقية, كن رجلا نزيها و صالحا, صديقك إلياس. ".

 

... يُتبع

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:47

3.jpg

في بلاد الفوانيس السِّحرية هناك أمنية واحدة: " الديار "

 

        هناك جلبة في الخارج. أصوات العديد من الأشخاص و المركبات..., يفتح عينيه الزرقاوين للحظة بعد أن أيقضه ذلك الضجيج الخارجي و هو يطلقهما لتتفحصا كل الزوايا التي يمكنهما الوصول إليها في ذلك المهجع الضخم, الذي تصطف على طوله الأسِرّة ذات الأغطية الخضراء الداكنة. يُمعن السمع قليلا فيلتقط نغمات موسيقية خافتة ذات ريتم منتظم على يساره, يلتفت برأسه قليلا فيلمح أحد الجنود السود و هو مستلق في فراشه يضع سماعتين في أذنيه يُحرك رأسه متفاعلا مع ما يسمع في الوقت الذي يُقلب فيه صفحات إحدى المجلات. فجأة ينزل على المكان صوت دبدبة قوي يتضاعف مع تردد صداه بين الجدران لكنه ما يلبث أن يخِفّ مُبتعدا تاركا المجال للهدوء ليكتسح المكان مرة أخرى, كانت تلك مروحية "بلاك هوك " بحسب صوت المحرك و المراوح, مرّت من فوق المبنى.                                                

 

ينهض الجندي الأشقر ضخم الجثة و هو يعتدل في جلوسه, ثم يمسح وجهه بيمناه متنهدا و كأنه يُدلكه, يسترسل في التفكير قليلا مُمَرّرا أنامله من منطقة الشاربين وصولا إلى الذقن: " يبدو أنني أفرطت في الشرب ليلة البارحة ". يقولها في نفسه وهو ممتن لأن ضباط المناوبة الليلية لم ينتبهوا لأمره, فقد شهدت ليلة البارحة تهريب الحد غير المسموح به لقوارير الكحول المركّزة لبعض جنود الفرقة... يتنهد مرة أخرى مُمررا سبابته و إبهامه على حاجبيه الغليظين ثم ينتصب واقفا على ساقيه في الوقت الذي تمر فيه مروحية أخرى فوق المبنى, و ما إن يكاد صوت مراوحها التي تصفع الهواء يخف و هي تبتعد حتى يُسمع من تحته صراخ أحد الجنود في الرواق: "....أين هو بوب ؟, سأنال منه ذلك اللعين... ماذا ؟ خرج في مهمة ؟....أتمنى أن يُعيدوه أشلاء مُختلطة ذلك الوغد الحقير...".

 

لقد صارت الكلمات البذيئة و العبارات النابية و السب و الشتم من أكثر الأمور العادية التي تحكم علاقة الجميع هنا, فلا أحد يمكن أن يتفاعل مع من ينعته أو يلعنه, لا وجود لأي رد فعل عنيف لأن الجميع يعلم بأن ما يتم التفوّه به لا يعني نية صاحبه الحقيقية, و أن مثل هذه الانفجارات الفظة ما هي إلا جزء من الوسائل الطبيعية لتفريغ شحنات التوتر و الغيظ و الملل.... صار كل ذلك جزء لا يتجزأ من الحياة في هذه القاعدة التي أنشئت بعد أيام قليلة من سقوط بغداد في يد قوات التحالف.

 

إنه يوم الأحد. بالنسبة لبعض الفرق لا توجد مُناوبة إلا في الحالات الطارئة جدا. البعض يذهب إلى الكنيسة التي أقامتها القيادة لمن يريد أن يُنسي نفسه الفظاعة التي يراها و الرعب الذي يعيشه طيلة أيام الأسبوع بالصلاة و الاستماع إلى العظات, لعل ذلك سيحمل نفسه على الصبر و الصمود طيلة الأسبوع الداخل,  لكن بالنسبة للكثيرين حتى التذرع إلى الرب لم يعد يجد معناه الحقيقي...: " هِه أيها الرقيب كراوفيلد, ألن تذهب إلى الكنيسة اليوم ؟, إنه يوم الرب ؟ ". قالها أحد الجنود مُستفزا و هو يضحك مُطلاّ برأسه من برج للمراقبة.

 

_ هذا ليس من شأنك, عُد إلى عملك. رد عليه جيفري مُبتسما و هو يهم بإشعال سيجارة يفحص أرجاء القاعدة الواسعة ببصره لعله يلمح من ألف مُصاحبتهم أثناء و بعد العمل, و الحقيقة هي أنه و طيلة الأشهر الأولى كغيره كان يعكف على الذهاب للصلاة كل أحد, فهو لن ينسى, فقد نشأ في أسرة مُحافظة ربته على الفضيلة و حب الرب و مبادئ الخير و الحرية و المساواة, التي حملتها الأمة العظيمة التي ينتمي إليها على مدار قرنين و اثنتين و ثلاثين سنة. لكن و بعد كل الذي عاشه على مدار خمس سنوات و رآه بأم عينيه, لم يعد ينفعه الذهاب إلى الكنيسة و حضور القداس مع المنافقين و سماع العضات الكاذبة, فقد تم تغيير القس تسع مرات أو يزيد لكن القيادة لم تفهم أين يكمن الخلل. ببساطة فإن معظم العظات كانت تركز على الكذبة الكبيرة التي جيء بكل هؤلاء الشباب ليموتوا من أجلها في هذا البلد الأجنبي.

 

القس أو بالأحرى من يلعب دور القس في الغالب ليس إلا أحد الشباب أو الضباط المتدينين العاملين في الوحدات المقاتلة, يتحدث عن ضرورة التمسك بتعاليم المسيح التي هي من ثوابت الأمة, و الصمود في وجه الهمجيين و الإرهابيين الذين يُحاولون و بكل السبل النيل من حرية و سعادة الشعب الأمريكي. لكن مع مرور السنوات و اشتداد وطأة الحرب على الأنفس و القلوب, بدأت العظات تتحول شيئا فشيئا إلى مهازل يوقنها القساوسة الزملاء أنفسهم, فهم يشهدون ما يقع على أرض الواقع, إنه فضيع و من دون مغزى, إنه لا يُقنع العقول إلى درجة أنه ينسف كل المثاليات و يهزهز الإيمان بكل عنف و تحد, إلى درجة صار فيها وقوف الواعظ أمام الجميع يُشبه وقوف سياسي ثمل ليخطب في أتباعه, و في الوقت الذي يُحاول فيه إقناعهم ببرنامجه, يبذل جهدا موازيا حتى لا يسقط من على المنصة أو يتقيأ على الأوراق التي تحمل أفكاره.

 

أما عن الحضور, فجيفري يعرف الكثيرين منهم, هم شباب في مُقتبل العمر يُحاولون التوبة من أفعال مُخجلة اقترفوها أثناء العمليات و المعارك المختلفة التي خاضوها ضد المسلّحين و ضد المدنيين على حد سواء. إنهم من ذلك النوع الذي يفقد السيطرة على انفعالاته أثناء الأوقات العصيبة, فتجده يصرخ فزعا و غضبا يُطلق النار و يعتدي على كل شيء ليس أمريكيا, أو بالأحرى أي شيء أو شخص ليس من المارينز, أين تفقد العملية أهدافها الحقيقية المسطرة على الورق خلف الجدران المنيعة, و تتحول إلى فوضى و عبث في الميدان لا يوجد فيه مجال للانضباط و العقل, و إنما كل ما يحدث هناك هو موجات من العواطف و ردود الأفعال على سقوط القتلى و الجرحى من الأصدقاء و إخوة السلاح, و هكذا يتحول الأمر من عملية تمشيط أو مُداهمة أو حماية ممتلكات أو أنفس إلى عملية انتقام و تصفية حسابات..... إنها اللحظات التي يكتسب فيها الجنود النظاميون سلوك رجال العصابات. و مع الوقت و تراكم عواطف الكره و الحقد, يُمكن تصور ما يفعله هؤلاء عند النزول إلى الشوارع العراقية المنكوبة و المثخنة بكل أنواع الجرائم و المواجهات..., لكن عند نهاية نوبة العمل و نوبة الجنون يفترس هؤلاء ندم خفي على ما اقترفوه هناك, في حق ذلك الشيخ أو في حق ذلك الجريح أو في حق تلك الفتاة, إنه الندم الذي لا يمكن الإفصاح عنه في أوانه لكنه يؤجّل ربما إلى يوم العودة إلى الوطن, المشكلة هي أنهم لا يعلمون متى سيعودون, و ذلك الألم الدفين لا يمكن الاحتفاظ به طويلا لأنه قد يتضاعف إلى أن يقضي على الضمير كحل للخلاص, فيُحول صاحبه إلى مجرم حرب لا يتورع و لا يندم من و على أي شيء, لكن إلى ذلك الحين قد تنفع بعض صلوات الآحاد و سماع العظات الفارغة أو قراءة بعض الأسفار من الكتاب المقدّس.

 

في المساء الموالي و في حدود السادسة وصلت بعض الشاحنات الحاملة للثياب و البزات النظيفة, التي يتم غسلها و تنظيفها في قاعدة غير بعيدة, و قد وصل بعدها بقليل البريد بعد أن تأخر قليلا بسبب بعض المناوشات التي حدثت على طريقه الذي شهد إطلاق نار متقطع. الملاحظ هو أنه لا يزال هناك من الأمريكيين من يحبذون البريد الكلاسيكي رغم وجود خدمة الإنترنت, ربما لأنه يحمل في طياته رومانسية تهدئ من مشاعر الجندي الذي يمكنه الاختلاء بنفسه و قراءة ما كُتب له بكل سكينة آخذا كل وقته في يده.

 

كان جيفري منهمكا مع زميله الزنجي في إنزال أكياس الظهر البحرية التي تحوي الملابس النظيفة و هما يقرءان أسماء أصحابها المسجلة عليها فيرمون بها مباشرة بين أحضانهم. كان الشاب الأسود و اسمه "جُوِي" يقف مقابلا جيف و هو يساعده في رمي الأكياس إلى أصحابها, أخذ يتحدّث متشائما بلكنته الانكليزية الخاصة التي يتميز بها سود أمريكا: " أتشم هذا العطر الذي يفوح من الثياب النظيفة ؟, لم أعد أطيقه يا رجل ". نظر إليه جيف هنيهة ثم عاد إلى عمله و هو يسأل :" و لمَ هذا ؟ ". و كأن بالسؤال قد استفز جوي الذي رمى بالكيس التالي بقوة و نرفزة إلى صاحبه, الذي رمقه بنظرة متعجبة قبل أن ينصرف: " لم هذا يا رجل ؟, لمَ ؟, لأن ذلك العطر صار مرادفا للمشاكل في ذهني يا رجل. " قالها و هو يومئ بيديه تماما كما يفعل مطربو الراب عادة, قبل أن يُكمل حديثه و قد عاد إلى حمل الأكياس بعد أن طالبه بعض الجنود بالإسراع: " في الأسابيع الأولى للحرب, كنت أشعر بالراحة في كل مرة أرتدي فيها بزة نظيفة و أتخلص من الثانية المليئة بروائح العرق و كل أنواع الأتربة و الطين يا رجل, كان ذلك العطر يُشعرني بالاسترخاء. لكن مع توالي الأسابيع و الأشهر و السنوات, صِرت كلما لبست بزة نظيفة  يفوح منها هذا العطر أتذكر أن هذا يعني أننا على مشارف أسبوع جديد مليء بالمشاكل و القذارة يا رجل, بشكل منطقي صاروا كأنما يقولون لنا: استعدوا, أسبوع جديد من البعر و البراز ينتظركم في الخارج ".

 

أطلق جِف ضِحكة خفيفة و هو يرمي بآخر كيس إلى صاحبه, قبل أن يشد بصره شيء ما, فقد وقف للحظة على ظهر الشاحنة وهو يُراقب تلك الأشعة الحمراء الخفيفة, التي كانت تعبر من خلال أشجار النخيل المصطفة بالقرب من ورشات تصليح المركبات, لقد كانت أشعة شمس حمراء لطيفة داعبت وجه الرجل الشاب و كأنها يد تمسح بشرته من دون أن يشعر بتلك اللمسة الخفية. لقد تذكر صديقا عربي لطالما حدّثه عن غروب شمس أكتوبر الفريد من نوعه, الذي يجعله يحن للكثير من الأشياء و الكثير من الأشخاص. في تلك اللحظة شرد الذهن بعد أن تذكر شمس أمريكا الخريفية أثناء مغيبها على طول الساحل الغربي, حين تودع صخور الشواطئ المرتفعة المترامية على الأميال اللامتناهية, في اللحظات التي تُشغل فيها مصابيح المنارات البعيدة...... لكن صوت أحدهم يُعيد جيف إلى العراق في تلك اللحظة: " هِه جيف, لقد كان خوسيه يبحث عنك قبل قليل, أظنك تلقيت بريدا, أتمنى أن تكون أخبارا جيدة يا صاح ".                 

 

في الأوقات التي يُدرك فيها المرء بأنه يعيش وضعا في غاية الصعوبة, أين تمتزج آلام الواقع التي تصير أمرا مُحتما مع أمنيات الخلاص, يُحاول الناس التخفيف من وطأة ما يعيشونه عن طريق حالات من المزاح و الطرائف, التي يفرجون عبرها عن أمنياتهم الأكثر عمقا في شكل خيال لا عقلاني, ذلك هو واقع الجنود و الضباط الشباب الذين يحمل كل واحد فيهم سؤالا كبيرا و واحدا " متى نعود إلى الديار ؟ ". الإجابة حتى الآن لا توجد عند أحد, بل إنهم يراهنون على أنه حتى رئيس الولايات المتحدّة نفسه لا يملك إجابة عن هذا السؤال, لذلك هم لا يملكون سوى أن يتمنوا أن ينتهي هذا في أسرع وقت.

 

و هكذا أخذ جوي يُمازح رفاقه في نهاية سهرتهم لذلك اليوم: " أليس من الغريب أننا حتى الآن لم نعثر على فانوس فيه جني ؟, رغم أننا في بلاد علاء الدين يا رجال ". فيجيبه شاب يملأ الوشم ذراعيه يُدعى "كول" و هو يضع الكحل في عينيه يجلس بمعزل عن البقية, بصوته الذي اعتلته بحة حادة و لكنته الاستفزازية و نظراته الغريبة و بسمته المتهكمة, قال : " كان يفترض أن نجد واحدا تحت الرمال, لكن و كما ترى, حتى الآن نحن لا نعثر إلا على الألغام و العبوات الناسفة , إن كانت أمنيتك هي رؤية الجحيم اللعين فأظنها ستتحقق عما قريب, سيكون مرحَّبا بك في عالمي ". يضحك البعض بينما يتمتم جوي بين شفتيه: ".. سيكوباتي لعين ". في الوقت الذي ينطق فيه "خوسيه" ذو الملامح اللاتينية السمراء و هو يغمز رفاقه: " لو التقيت بجني فماذا ستطلب منه يا جوي ؟ ", فينظر إليه جوي مستغربا للحظة ثم ينطلق في حديثه ذو اللكنة الغريبة التي تثير ضحك البعض: " بحق الجحيم, ما هذا السؤال الغبي يا رجل ؟, طبعا سأطلب منه أن يعيدني إلى الوطن ".                            

 

لم تختلف إجابات الجميع عن إجابة جوي, سوى إجابة كول الذي تمنى الحصول على عشرة باوندات من الماريهوانا في تلك اللحظات. أما جيفري فقد ظل ملتزما الصمت شارد الفكر, بعد أن قرأ رسالة إلياس التي حرّكت فيه الكثير من المشاعر و الذكريات, التي اعتقد أنها انفصلت عن ذاته بسبب ما عاشه و يعيشه, لكنه نهض و خرج دون أن يقول شيئا عندما كان الجميع قد أمعنوا السمع لأغنية فريق موسيقى الروك " داوتري " من ألبومه الأخير و التي حملت عنوان "هوم" ( الديار ). و الحقيقة أن جيفري انسحب لما سمع ألحانها و كلماتها التي فجّرت حنينه و شوقه عن آخره, لقد هرع الشاب إلى الحمام بعد أن لم يعد قادرا على الاحتمال أكثر, هناك انهار تماما و لأول مرة, و هو يبكي كغلام صغير في الوقت الذي استمرّت فيه الأغنية تقول في مقاطعها: " أنا ذاهب إلى الوطن, إلى المكان الذي أنتمي إليه, أين كان حبكِ دوما كافيا بالنسبة لي, لست أركض خلفه, لا, أعتقد أنك قد أسأتِ فهمي تماما, لست نادما على هذه الحياة التي اخترتها لي, لكن تلك الأماكن و تلك الوجوه ماضية في الكِبر, لذلك أنا ذاهب إلى الوطن ".

 

... يُتبع

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:42

555.jpg

غريزة البقاء: النسخة الأمريكية

                                                                         

        خرج إلياس صباحا متجها إلى عمله بعد أن حصل على وظيفة تدريس للغة الإنكليزية في أحد الأقسام الخاصة, التي يقصدها عدد لا بأس به من المهاجرين القادمين من أمريكا اللاتينية, الراغبين في تعلم اللغة الانكليزية... كان الرجل يسير في الطريق متجها إلى مقهى الإخوة "ميلفينغ" غير البعيد أين اعتاد تناول قوة الصباح. أحاديث الناس هذه الأيام لا تدور إلا عن الانتخابات و الرئيس الجديد و التغيير الذي سيحدثه....

 

أثناء طريقه إلى المقهى شاهد إلياس سيارات شرطة متوقفة أمام أحد البيوت في الضاحية, فوقف للحظات مع بعض المارة و هو يُحاول أن يفهم ما الذي يحدث هناك, فسمع أحد الجيران يقول بأن السكان كانوا قد أبلغوا عن صاحب البيت الذي تحاصره الشرطة, و الذي كان قد أقسم بأغلظ الإيمان ليلة فوز باراك أوباما بأنه سيبذل ما يستطيع مع عصبة من رفاقه, من أجل اغتيال الرئيس الجديد بعد أن لم يتقبل نتائج التصويت, و حسب زعم الجيران فقد كان في حالة سكر شديد إضافة إلى أن الرجل يملك بندقية قنص احترافية في بيته. كان ذلك كافيا لإقناع الجميع بأنه شخص قد يشكل خطرا ما في المستقبل, فقد اقتحم ضباط فرقة التدخل الخاصة المسكن بعد أن لم يرد الرجل المتشدد فتح الباب, و بعد أن لم تفلح قنابل الغاز في إخراجه, و ما هي إلا لحظات من الصراخ داخل البيت الذي تخللته أصوات تحطم لبعض الأثاث الزجاجية, حتى خرج الرجال و هم يطوقون ذلك الثور الهائج حليق الرأس, ذو الأقراط و الرسوم الوشمية التي تملأ جسده, و اللحية الحمراء الطويلة التي تغطي صدره. لقد استمر في المقاومة و أخذ يحاول رفس الشرطي الذي كان يحاصره من الخلف عندما كان البقية يحاولون دفعه إلى داخل السيارة.

 

انصرف إلياس و هو يفكر بأن الأيام القادمة ستعرف بعض الأحداث المشابهة, التي سيتسبب فيها أشخاص على هذه الشاكلة ممن يشدهم الحنين إلى سنوات الستينات, إنهم يرغبون في اكتشافها و رؤية اللافتات التي تقول " غير مسموح للملونين... " و قد عادت لتغزو البلد, و يبدو أن عهد جماعات و ميليشيات السلطة البيضاء المتطرفة قد عاد فعلا.

 

جلس إلياس في مكانه المعتاد في المقهى الذي يطل على المتنزه العام, الذي اكتست أشجاره العتيقة حلة الخريف الحمراء الرائعة. و بعد أن حصل على فنجان قهوة و مع أول رشفة, أخذ الرجل يقلب بعض الرسائل التي كان قد حملها من صندوق بريده و هو يغادر شقته الصغيرة, و بينما هو كذلك فإذا بنفسه ينقطع لثانية أو ثانيتين, يتسع بؤبؤ عينيه اللتين تنفتحان و هو يرفع حاجبيه قليلا, إنها علامات الدهشة الممتزجة بالهدوء فقد ظل فمه مُقفلا: " لا أصدق, أخيرا ". يهمس بين شفتيه و هو يهم بفتح الظرف دون أن ينسى الرشفة الموالية من فنجان القهوة بعد أن أخرج الرسالة من ظرفها. و الحقيقة هي أن دقات قلبه كانت قد انطلقت في تسارعها المعبر عن السعادة و الامتنان, فقد وصله الخطاب الذي انتظره طويلا, لكنه أطلق ضحكة خفيفة و هو يفتح تلك الأوراق: " هذه ليست رسالة, إنها جريدة ". تسقط فجأة صورة من بين الأوراق على حجر الرجل, كان قد سُجل على ظهرها اسم صاحبها و التاريخ الذي التقطت فيه, إنها مؤرخة في التاسع و العشرين من أغسطس ألفين و سبعة و صاحبها هو الرقيب جيفري كراوفيلد.

 

يحملها بين إصبعين و هو يقلبها و يسكن للحظات. لم يبدُ منه أي رد فعل يدل على إحساس معين, فقد أخذ يحملق في ذلك الجندي الواقف أمام مركبة هامر مركونة أمام صور طوبي قصير, و قد بدت خلفه بساتين زراعية خضراء و أشجار نخيل تحفها في الأفق, تشبه إلى حد ما بساتين "أدرار" بالصحراء الجزائرية, بد الأمر و كأنه في مكان ما من صحراء الوطن الأم: " ما الذي ذهب بك إلى هناك بقح السماء يا صاحبي ؟ ". همس بها إلياس و قد عاودته نفس المشاعر القاهرة التي عاشها أيام المجادلات الحامية بينه و بين جيف, عندما كان يحاول منعه من الذهاب. لكنه وجّه بصره إلى الرسالة و قد اكتسحه الفضول لمعرفة ما حدث فانطلق يقرأ بصمت:

 

" صديقي إلياس, السلام عليكم, أتمنى أن تكون بصحة جيدة. يجدر بي بادئا ببدء أن أعتذر منك بشدة عن تصرفي الغريب, المتمثل في عدم رغبتي بأن يعرف أحد موقع عملي في العراق, و بخاصة أنت, و صدقني لم أكن أعني بذلك قطع الصلة العميقة التي تربط بيننا, و لكنني كنت متوترا و خائفا من تأثير كل تلك الأحاديث الطويلة التي جمعتنا حول هذه الحرب. كنت أخشى أن تستمر في نهجك ذاك عبر البريد فأفقد تركيزي على الحرب التي كنت أستعد لخوضها من أجل بلدي.

 

لكنني يوم تلقيت رسالتك صدقني, لقد فرحت كثيرا لأنني و طوال سنوات أعاني الأمرين جراء كل الكبت الانفعالي الذي أعيشه هنا, و هو في غالبه أمور لا يمكنني أن أفصح عنها لأسرتي أو أصدقائي في الوطن حتى لا أثير قلقهم من جهة, و من جهة ثانية لأنهم لن يفهموا ما أود التعبير عنه بأية حال من الأحوال, إنها أمور لا يفهمها إلا من كان عسكريا أو عاش حياة العسكر من قبل, كما هي الحال معك.

 

في الأشهر الأخيرة بدأت حقا أوقن أنك كنت على حق بعد كل الذي شهدته بنفسي هنا, بدا الأمر غريبا و مخيفا في البدء, فالكثير من الأمور التي حذرتني من وقوعها قد وقعت فعلا, و في غالب الأحيان أرجح أن تجربتك في صفوف الجيش و خوضك حربا دموية ضد الإرهاب جعلتك ترى الأمور بمنظار لا يستطيع النظر من خلاله سوى المجرب لتلك الحياة, و ربما الاختلاف الوحيد هنا هو أن حربك كانت واضحة جدا, كان هنالك عدو واحد و واضح كنت تواجهه. هنا الأمر مختلف و معقد جدا, في الحقيقة لدي الكثير لأقصه عليك لكنني مشوش و لا أعلم من أين أبدأ ؟.

 

في الأسابيع الأولى من الحرب, كان كل شيء يبدو سهلا رغم التوتر الذي كنا نعيشه كجنود لأن معظمنا لم يشترك من قبل في القتال. لقد كنا نسمع عن القصف الكبير و الهائل الذي كانت تنفذه البحرية و سلاح جوها على المدن العراقية, كانت الأنباء متضاربة بيننا و بينهم و كل طرف يؤكدّ أنه يُحرز الانتصار تلوى الآخر, و كان قادة الأركان يركزون على دراسة ما يُعرف بالحرس الجمهوري باعتباره نخبة الجيش العراقي, أنت ترى, كان كل شيء يبدو جيدا فهي حرب كلاسيكية بين جيشين عريقين.

 

كنا قد غادرنا الكويت توا عندما أعلن عن سقوط بغداد شهر أبريل ألفين و ثلاثة و بدء قواتنا بملاحقة رؤوس النظام العراقي. حينها ظننت أن الأمر سيكون أسهل مع إعلان الرئيس بوش عن انتهاء العمليات الكبرى و الأساسية, إلى درجة أننا اعتقدنا عبثا أن الحرب الحقيقية قد انتهت, و أننا سندخل إلى الميادين من أجل بسط النظام و مطاردة ما تبقى من جيش العدو و هكذا وجدت نفسي حيث أنا اليوم. و لكن الكثير منا كانوا قد بدءوا يوقنون أن الحرب الحقيقية لم تنته كما يفتري الساسة الأغبياء, و إنما كانت قد بدأت لتوها فقط, مع فوضى جماعات الجهاد و الميليشيات و العصابات و المرتزقة التي بدأت تكتسح كل مناطق البلاد كالفطريات, و انطلقت معها التفجيرات و حرب الشوارع و تصفية الحسابات القديمة التي لم تكن متاحة أثناء حكم النظام السابق العسكري, و قد كان لنا نصيب كبير من هذه الحرب التي كانت و لا تزال أشرس من الحرب التي خضناها ضد الجيش النظامي, إنها نفس الحرب التي كنت تحدثني عنها يا صاح, إنها حرب العصابات, تماما كما توقعت أنت نشوبها في حال دخولنا إلى العراق.

 

لطالما قلتَ لي بأن المرء عندما يخوض أولى عملياته الميدانية يعيش حالة عقلية فريدة من نوعها. عندما كنت تقول ذلك كان من الصعب علي تشكيل فكرة عنه, أما اليوم فأفهم تماما ما كنت ترمي إليه, إنها اللحظات التي تشعر فيها بأنك وسط حدث لطالما التصق في ذهنك بمواقف خيالية مماثلة, عشت متفاعلا معها بعواطفك و تصورت نفسك بداخلها, عن طريق أفلام الكارتون أو السينما أو ألعاب الفيديو ,عبر كل الأعمال التي حملت موضوع الحرب, حتى التدريبات العسكرية و رغم محاولاتها وضع الجندي في ذلك الموقف و اكتشافه إلا أنها لم تفلح تماما, لأنها خلت من عنصر الخطر أو العدو المُميت... حتى لو بدت أقرب إلى الواقع إلا أننا جميعا كنا نعلم في قرارة أنفسنا أنها ليس كالحرب الحقيقية....

 

 في تلك اللحظات الأولى تشعر بأن جزءً عميقا جدا من ذهنك لم يستوعب الأمر بعد, و أنه يتعامل معه كما لو كان مجرد موقف خيالي تتفاعل معه و أنت خارج حدوده. وسط إطلاق النار و تطاير الشظايا و الغبار و الصرخات, تمر بضع ثوان و أنت متجمّد فيها تماما لا تكاد تصدق بأن ذلك يحصل لك بالفعل, الكثير يفسرونه على أنه خوف التجربة الأولى, ربما ؟, لكنني أرى اليوم أنه اللحظات الحاسمة التي تُدخل المرء في حياته الجديدة التي لن يستطيع الرجوع منها إلى حياته السابقة مرة أخرى, إنها اللحظات الفاصلة بين حياة المدنية التي عملت على مدار العصور على تعطيل الكثير من الوظائف الفسيولوجية لغريزة البقاء في ذات المرء, و بين الحياة الجديدة, حياة الجندي المقاتل, القاتل أو المقتول...

 

 بعد مرور تلك الثواني يدرك عقلك أنك في موقف حرب حقيقي و أن تلك الطلقات قاتلة, حينئذ و كأن بكل وظائف غريزة البقاء التي كانت مطمورة و نائمة في أعماق حمضك النووي تستيقظ كلها دفعة واحدة, و كأنك منحدر مباشرة من صلب أول إنسان بدائي دب على هذه الأرض.

                        

في تلك اللحظات تحصل على طاقة هائلة, تشعر و كأنك تبصر بعشرة أعين و تسمع بعشرين أذنا, تكون حواسك جميعها في قمة الاشتعال و تحاول القيام جميعها بأول و أهم خطوة, إنها وضع ذاتك بعيدا عن نيران العدو, إلى درجة أنك لا تستطيع تذكر أين كنت تجلس لحظة انطلاق الاشتباك و كيف وصلت إلى المكان الذي تحتمي فيه, فكل شيء يحدث لاإراديا و بكل سرعة, حينئذ ما تلبث إلا و تجد نفسك قد بدأت تطلق النار بدورك و أعينك تتحرك في كل الجهات و الزوايا. إنه مخاض حساس يا صديقي و أعتقد أنها  العملية التي تحدد مستقبل حياة الجندي في الحرب, فأما ألائك الذين عاشوها و اجتازوها بالشكل السليم, و أعتقد أنني منهم, فهم عادة ألائك الذين تكون نسب نجاتهم في المعارك اللاحقة أكبر, و هم الذين يبدؤون في اكتساب الخبرات القتالية اللازمة بشكل أسرع و أفضل. أما الذين حدث لهم خلل أثناء إعادة إيقاظ غريزة بقائهم من سباتها الوراثي, بسبب الخوف الزائد عن حده و الذي يشل قدرات العقل على التأقلم, أو هكذا أعتقد, فإن أغلبهم يبقون على تلك الحالة و يلقون حتفهم لاحقا.

 

لا أنكر إني شعرت بالخوف أول مرة, و لا أزال أعيشه في كل يوم و في كل لحظة أنزل فيها إلى الشوارع, تسارع دقات القلب و ألأنفاس, التعرق, الارتباك, التردد في قرارات الإقدام, لكنني اعتدت على الموقف و حمدا لله أنا لا أزال حيا.

 

أول اشتباك عشته كان عنيفا جدا بعد أن نُصب كمين لقافلتنا. أذكره جيدا,كنا نقوم بتأمين تنقل شاحنات الصهاريج المُحملة بمياه الشرب أواخر ربيع ألفين و أربعة, كان يوما حارا جدا, لم يكن الأمر سهلا بل كان مخيفا جدا, و كانت تلك أول مرة أسمع فيها صوت الرصاص عند مروره بالقرب مني و هو يشق الهواء, يراه الناظر في شكل سوط أحمر مضيء ينتهي به المطاف في الجدران أو أجدع النخيل أو السيارات و المراكب أو الأهداف التي ينطلق نحوها, أو تراه مبتعدا في السماء بشكل مباشر أو بعد ملامسته لأسطح صلبة, لكنه غالبا ما يرتد عندما يرتطم بأجسام صلبة مرة و مرتين و ثلاث, منتجا بذلك شظايا و قطعا أخرى تتطاير عشوائيا بحسب قوة الارتطام و الارتداد. مثل هذه التفاصيل الصغيرة و الدقيقة لا يفهمها المدنيون و العسكريون الذين لم يعايشوا أجواء معركة حقيقية, لكنني صرت أهتم بها الآن لأنها قد تصنع الفارق بين إصابتي من عدمها أثناء المعركة, فالمرء يرى كل شيء من حوله مهما بدا صغيرا أو تافها, أما انفجار القنابل أو العبوات فهو أكثر ما نخشاه معظم الوقت, لأن الدرع الواقية و سُمك وصلابة سيارة الهامفي لا تنفعان إطلاقا مع ذاك النوع من الهجمات, فهو لا يتيح لك الفرصة حتى كي تفكر, لأنه و في أقل من ثانية يكون جسدك كله مُمزقا بفعل الشظايا التي يطلقها الانفجار و التي تكون أسرع من طرف البصر.

 

في ذلك اليوم و عند عودتنا إلى القاعدة و نحن نسمع عن القتلى و الجرحى الذين سقطوا في صفوفنا, كانت أحاسيسي لا تزال مختلطة بسبب منظر الضحايا و الأشلاء من جانب رجالنا و من الرجال الملثمين و من المدنيين الذين سقطوا بين نيران الطرفين. كنت أعاني طنينا مؤلما في أذني سببه لي صدى انفجار ضرب صوته المباني التي كانت تحيط بنا و ارتد إلى رأسي, حيث أصابني بصداع و أفقدني توازن جسدي للحظات, ظننت أني سأفقد وعيي.

 

شعرت بغم و وحدة شديدين ذلك اليوم و قد أدركت أن الحال ستكون هكذا على الدوام, إنها الحرب, حقا إنها الحرب. و ربما في ومضة خفية من التفكير التي تكون قد استغرقت بضع أجزاء من الثانية, مر هذا السؤال على رأسي: " ما الذي ورطت نفسي فيه ؟ ", كلنا لم يتقبل الأمر لكن معظمنا لم يرد الحديث عنه, فقد أصابنا جزع كبير مما حصل, حتى أن أحدنا و هو فتى لم يتجاوز العشرين من العمر آنذاك لم يعلم أنه قد تغوط في سرواله إلا بعد دخولنا إلى القاعدة و تفطن الكل لرائحته, و أعتقد أن شيئا كهذا يكفي ليفهم المرء ما عشناه ذلك اليوم من أثر الصدمة.

 

لكن عموما فقد كنتَ على حق يا صاح, عندما أخبرتني أنه و مع مرور الوقت و اعتياد المرء على تلك الحياة, و في قلب الاشتباكات و تطاير طلقات الموت من كل حدب و صوب, يجول في خاطرك الكثير من الأفكار, و في تلك الأثناء التي تستمر فيها بالقتال تنتظر سماع صوت ارتطام طلقة أو شظية ما بجسدك في أية لحظة, تمر على ذهنك  صور وجوه كل الذين تحبهم, أبويك, أفراد أسرتك, حبيبتك, أصدقائك, تتساءل إن كنت لن تراهم مرة أخرى في نفس اللحظة التي تتساءل فيها إن كان هؤلاء الأشخاص هم آخر ما ستفكر فيه قبل نهايتك المفاجئة.

 

كذلك بت أفهم كلامك عن سلاح الجندي, أخبرتني أنك كنت ترى بندقية الـ" أي كي 47 " أقرب صديق على الإطلاق أثناء اشتداد المعركة, هو نفس الأمر يحدث معي اليوم, فبندقية الـ (أم 16) تتحول إلى أقرب صديق لي في تلك اللحظات المخيفة, الصديق الوحيد الذي يمكنني منحه ثقتي المطلقة, إن لم أقل أنها تكون أقرب إليَّ من المسيح نفسه.....".

                                                                                

" سيد إلياس, أنت لم تشرب قهوتك, هل كل شيء على ما يرام ؟ "... فوجئ إلياس بالنادلة المراهقة و هي تقف عند رأسه تسأل و عيناها تحاولان التسلل إلى الرسالة, فعلا لقد أخذت الرسالة الرجل بعيدا و قد أيقن أن صديقه جيفري بات يعيش ما عاشه هو أيام جنديته, فقد أذهله ذلك الوصف الدقيق لحالة التجربة الأولى, لكن الرجل لم يفكر كثيرا فقد نظر إلى ساعته, و أدرك أنه وقت اللحاق بالحافلة و العمل.

 

... يُبع

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:38

91edcc0f1d030f0d2cf6774761a44532-1-.jpg

ديمقراطية فاشية.

  

        أسرع إلياس راكضا و هو يصيح ملوحا بيده إلى سائق الحافلة الذي لمحه من خلال المرآة الجانبية, فتوقف فاتحا له الباب ليصعد الرجل الشاب و هو يلهث شاكرا فيرد عليه السائق ببسمة خفيفة ثم ينطلق, فأسرع و هو يأخذ مكانا له في مؤخرة المركبة بجانب النافذة, فجلس و أخذ نفسا عميقا تنهد على إثره و هو لا يزال يفكر فيما طالعه في المقهى, لقد أعاد إليه جيف كل تلك الأحاسيس التي كان يعيشها عندما كان مجندا في فصيلة لمكافحة الإرهاب قبل نحو عشر سنوات, كانت أياما جد عصيبة ذاق خلالها الأمرين في جيش لم يكن قد سار على طور التحديث و الاحترافية بعد, و لم يكن قد حصل على شيء من وسائل و تكنولوجيات مواجهة الإرهاب, لقد كان يواجه جماعات من المقاتلين المتمرسين و القدامى العائدين من جهاد السوفييت في أفغانستان أواخر الثمانينات. كانت الجزائر آنذاك تواجه الإرهاب الغاشم وحيدة, و قد عاش |إلياس و ذاق معنى الخوف و الضغط و قد خبر الجوع و البرد و الحر و الإنهاك في قلب الجبال و الأدغال التي أمضى فيها سنتين من خدمته العسكرية, هناك و على مدار تلك الأوقات لم يكن يرى و رفاقه سوى المساحات الغابية الكثيفة الممتدة على مد البصر و من فوقها السماء, في منطقة كانت تعد مملكة حقيقية للجماعات المسلحة. كوابيس غابات " تاكسانة " لا تزال تراود الرجل بين الحين و الآخر رغم كل التغيرات التي حدثت في حياته, حتى أن هجره لوطنه إلى وطن جديد لم يشفع له من تلك الذكريات المخيفة.

 

لقد شرد ذهنه قليلا وسط تلك الأفكار, لكنه سرعان ما عاد ليُخرج رسالة صديقه الطويلة و انطلق يقرأ مرة أخرى: "... لا أخفيك أني يوم ارتديت البزة العسكرية لمشاة البحرية شعرت و كأنني قد ولدت من جديد, لقد راودني إحساس غامر بالفخر لأنني صرت جنديا في جيش أقوى دولة في العالم, أعتقد أنه شعور أي شاب مجنّد مخلص و محب لبلده, لكن عند احتكاكي بزملائي في الخدمة, بدأت أكتشف الكثير من الأمور و بدأت الكثير من الحقائق تتجلى لذهني حول طبيعة الشباب المجندين أو المتطوعين في الخدمة, فإن كنت أنا قد ضحيت بمقعدي الذي كنت قد ضمنته للتو في الجامعة, و تطوعت من أجل خدمة أمن و حرية و رفاه أمريكا من خلال الذهاب إلى أقاصي الأرض, و فرض العدالة و الديمقراطية و دحض فلول الإرهاب الهمجي الذي يهدد أمننا, أو هكذا كنت أعتقد, فإنني في المقابل اكتشفت الكثير من الأصناف المجندة.

 

هناك من انخرطوا في القوات المسلحة بسبب الفقر و البطالة, أغلبهم لا يحملون القناعات التي أحملها, مثل جوي و خوسيه, و البعض الآخر وجد نفسه مجندا إجباريا و لولا ذلك لما رمى بنفسه في هذه الفوضى, مثل آرون و رونالد, لكن هنالك صنف ثالث لم أستطع فهمه أبدا رغم قلة أفراده نسبيا, إنهم الشباب الذين تطوعوا في الخدمة من أجل هذه الحرب بالذات, أو وجدوا أنفسهم متورطين فيها. فبعد احتكاكي ببعضهم لم أشعر بأدنى إحساس وطني في نفوسهم, لكنني شعرت بأنهم يحملون في دواخلهم نفس الغضب الدفين و التيه الروحاني الذي يحمله الشباب الأمريكي عادة. الرغبة في الاندفاع و كسر الحدود و الانتقام من أجل أسباب غير مفهومة, و هذا الصنف هو الأكثر اندفاعا و تورطا في الحماقات و القذارة و السلوكيات غير الأخلاقية. ربما أصدق مثال عليه هو شاب يدعى "كول", سلوكه لا يدل على أنه يحب أمريكا لكنني أصدق بأن اندفاعه أثناء المعارك و الذي يُصنفه قادة العمليات في خانة الشجاعة, نصنفه نحن الذين نعرفه عن قرب في خانة الرغبة في الانتحار, إنه النسخة الأمريكية عن الانتحاريين العرب,...حاولت طويلا أن أفهم ما الذي يدور في رأسه لكنني لم أفلح في ذلك إلى اليوم الذي رأيت فيه مخمّسا مقلوبا على قلادته, حينها فهمت كل شيء, ليصارحني يوم وقع سجال بيننا بسبب إجهازه خلسة على أحد المدنيين الجرحى في إحدى المعارك, بأنه مهوس بقوى الظلام التي خلصته من كل جوانب ضعفه و غيرت مجرى حياته كما قال, أمر كهذا ليجعل المرء يتساءل عن المعايير و المقاييس التي يتم على أساسها قبول المجندين في جيش الولايات المتحدة ؟.

 

الصنف الذي أنتمي إليه لا وجود له تقريبا, رغم أني أشترك مع قائد الفصيلة الملازم "مارك ماكارثر" و الكثير من الرفاق في عملنا الصادق من أجل مصالح أمريكا و خيرها, إلا أن الملازم يفتقر إلى النظرة الأخلاقية في ذلك, ما أكرهه فيه هو فكره البراغماتي القاسي و عواطفه الباردة رغم حبه لبلده, أما ما يعجبني فيه هو أنه لا ينافق و لا يحابي و لا ينحاز لأحد, صرامته و صراحته حافظتا على تماسك فريقنا في أحلك الظروف.

 

بالنسبة لي فقد ظللت دوما أبذل جهودا مع نفسي حتى لا أفقد السيطرة على سلوكاتي, رغم أن ذلك يصبح صعبا للغاية على أرض الميدان, فالمرء يشعر و هو يسير وسط العراقيين أنه دخيل غير مرحب به. نشعر و كأننا أهداف مُباحة في كل زمان و مكان, تلك كانت أولى خيبات أملي بعد أن تأكدت أن هؤلاء القوم لا يروننا و لم يرونا أبدا في صورة المنقذين, لكنني كنت غبيا للغاية إذ صدّقت ما كان يقوله قادة بلدي,  و أذكر في هذا الصدد كلمات قائدي في الفصيلة الملازم ماكارثر, عندما استفسرته ذات مرة بعد أن لمست فيه ثقافة و اطلاعا على أمور شتى تخص حقائق هذا الزمان بما أنه يهوى المطالعة, فقد ضحك مستهزئا و همس لي بالحرف الواحد :" بربك يا كراوفيلد, كيف تصدق ما يقوله الساسة عندنا إن كنت أمريكيا بحق ؟, و كيف لهذا الشعب أن يراك منقذا و قد فرضت عليه حصارا بشعا على مدار عقد كامل من الزمن, تسبب في وفاة مليون صبي جراء الجوع و المرض ؟ ". نزل علي ذلك الكلام كالصاعقة, لكنه الصوت الصارخ للحقيقة, لقد كان مطابقا لكلامك في المضمون يا صاحبي.

 

 طلبت منه توضيح سبب وجودنا هنا فرد علي بكل بساطة: " حماية مصالحنا الإستراتيجية و حماية رعاة هذه المصالح في المنطقة من عرب و إسرائيليين, لا تفكر كثيرا في مصلحة العراقيين لأنهم هم من أرادوا الانقلاب على نظامهم, رغم عِلمهم بأن ذلك كان سيؤدي إلى وقوع أراضيهم في قبضة الأجانب, ثم إنهم ليسوا من جلدتنا على أية حال, تذكر, نحن من المارينز و لسنا من القبعات الزرق الملاعين ".

 

أفهم الآن لمَ تتصرف الكثير من عناصرنا كالحثالة عند النزول إلى الميدان, فهم لا يراعون أحاسيس العراقيين في شيء. بصراحة نحن نشعر بتلك النظرات الغاضبة الحاقدة التي تتوعدنا بالانتقام طوال الوقت, خاصة بعد فضيحة سجن أبوغريب المخجلة التي زادت من عقدة هؤلاء القوم تجاهنا. بعضنا اعتقد أن الرد عليها بالقوة و العنف و الترهيب كفيل بكسرها, إلا أن العكس يحدث في كل مرة و كأننا لم نقم بشيء, و هذا هو اللغز المحير في العراقي ؟.

أحاول ترك ذهني مركزا و صافيا طوال الوقت وسط المناخ الحار و الزوابع الرملية و المشاعر المنغصة, حتى لا تلتبس عليّ الأحاسيس فأتهور بعد أن أفقد قدرتي في الحكم على الأشياء و الأشخاص الذين أحتك بهم في المهمات المختلفة. رغم ذلك فقد شهدت الكثير من المواقف التي انتهت بشيء أحاول وضعه في خانة الجريمة, لكن هنالك جانب براغماتي في أعماق ذاتي  ما فتئ يحاول دوما تبرير ما يقع بظروف الحرب القاهرة التي تفرض على عقل الجندي و عواطفه المنهكة التصرف بتلك الطريقة, و أخشى أن ذلك الجانب يكبر في دواخلي يوما بعد يوم, خاصة مع تذكري لكل العنف و الحقد الذي قوبلنا به, لأنه لا يسعني في النهاية إلا أن أكره وجودي في هذا المكان و أكره هؤلاء القوم رغم محاولاتي الطويلة لتفهم وضعهم, لكن حياتي في خطر, هنا مكمن السر على ما أعتقد, إنهم لا يفهمون ما نمر به و نحن كذلك لا نفهم ما يعيشونه.

 

على الأقل فأنا أشعر بقدر من الراحة لأن سلوكاتي العنيفة ضد العراقيين المدنيين لم تتجاوز حد الصراخ و التخويف في حالات الخوف و التعب, رغم أنها وصلت في بضع مرات إلى حد الدفع الخشن و الضرب في أقصى حالات الشعور بالتهديد و الغضب, عكس بعض من يعملون معنا و الذين اقترفوا أشياء أخجل منها كأمريكي نزيه.... إليك هذه الحادثة الرهيبة:

 

ذات يوم وصلتنا معلومات عن تواجد بعض أتباع السفاح الزرقاوي في بيت بإحدى الضواحي في بغداد, و أنها تجهز لتفجيرات انتحارية تستهدف مساجد شيعية, انطلقنا و نحن نأمل تحقيق نتيجة ما قد تساعد في خدمة صورتنا المهتزة في أعين عامة الناس. عند وصولنا إلى الحي الفقير الذي تملأ الأوساخ و المياه القذرة طرقاته, قمنا بتطويق المنطقة بالإجراءات التكتيكية المعهودة و انتشرنا كما يجب بحيث سددنا جميع المنافذ الميدانية و ضربنا حصارا بريا و جويا محكما.

                                         

كان يفترض أن نعثر على المسلحين في أحد البيوت و عددهم بين سبعة إلى تسعة حسب مصادرنا الاستخبارتية, إضافة إلى الأسلحة و المتفجرات التي أعدوها لمجزرتهم المرتقبة. كنت رفقة زميلين نقبع على مقربة أمتار من الطابق الأرضي للمنزل الذي اقتحمه الملازم ماكارثر و من معه, بحيث لم تكن قد مرت سوى بضع دقائق على بداية المداهمة. كنا في غاية التوتر لأننا بصدد اقتحام مكان مليء بالمتفجرات و الانتحاريين الذين لن يترددوا في نسف أنفسهم إن أدركوا أنهم محاطون بالأمريكيين, كان جندي يدعى "جوش" يجثم في مكانه غير بعيد عني و إلى جانبه جندي آخر يدعى "آرون", كان يتمتم بكلام غير مفهوم بين شفتيه و قد طالت تلك التمتمة, جعلني ذلك أتوتر و أفقد تركيزي فالتفت إليه أسأله ما الذي يفعله بحق الجحيم, و في اللحظة التي أجابني فيها بأنه يتلو صلواته اليهودية انطلق وابل من الرصاص المتقطع داخل البيت تلاه صراخ بعض النسوة, و إذا بالملازم يأمرني عبر جهاز اللاسلكي بالإسراع في محاصرة شرفة الطابق الأول لأن هناك فارا قفز إليها من إحدى نوافذ البيت العلوية, فأسرعنا للالتفاف حول البناء طالبين من الرجال الذين كانوا في الطابق الأرضي ألا يتحركوا من مراكزهم, ثم تسلقنا أحد الأسوار و قفزنا إلى الشرفة و إذا بي ألتقي بالفار وجها لوجه و هو يسقط على ظهره, بعد أن انزلقت قدماه الحافيتان على البلاط, عندما توقف فجأة و هو يلمح بنادقنا مصوبة نحوه.

 

ألقينا القبض على الإرهابي الذي لم يكن سوى شاب هزيل البدن, تبدو عليه آثار الجوع مع بعض الكدمات القديمة نسبيا المتفرقة على وجهه, و أعدناه إلى الداخل حيث وجدت الملازم و بقية الرجال يقفون في غرفة ضيقة فيها بعض الأفرشة الرثة, و قد جلس عليها مواطنون بسطاء بدا لي أنهم عائلة واحدة, فيهم رجل عجوز و ثلاث نساء و غلامين صغيران و فتاة. كان الجميع في غاية الذعر في الوقت الذي أمسك فيه الملازم بالمشتبه به و هو يصرخ عليه بأعلى صوته يسأله عن أماكن إخفاء الأحزمة الناسفة و المتفجرات, لكن الشاب ظل يُحدق به و هو يتنفس بسرعة و يرتعش بشدة, فطلبنا إحضار المترجمة العراقية التي تعمل معنا و اسمها "سُمية", لعلها تساعدنا في فهم ما يحدث, و إلى ذلك الحين, استمر بعضنا في البحث في أرجاء البيت و هم يقومون بقلب و تحطيم بعض الأثاث القديم و الرديء دون أدنى احترام, و البعض الآخر يتحسس الجدران و هو يطرق عليه بقبضة يده أو بعقب سلاحه لعله يكتشف مخبئا ما.

 

كان الرجل العجوز يتحدث بكلام غير مفهوم و كأنه يحاول شرح شيء ما, لكن جوش كان يحاول جعله يهدأ و أن لا يخاف و هو يقوم بإجلاسه برفق, لكن الظاهر أن العجوز هو الآخر لم يكن يفهم كلامنا, في حين أخذ الملازم الشاب إلى غرفة مجاورة رفقة العريف كول, حيث انهال هذا الأخير بالضرب المبرح على الفتى من أجل جعله يتحدث عن رفاقه أو على الأقل يُفصح عن مكان إخفاء الأحزمة الناسفة, لكن بلا جدوى. حاولت و بعض الشباب التدخل لمنع ذلك التصرف لكن الملازم ألزمنا بإغلاق أفواهنا قائلا بأنه سيقتلع عيني الشاب إن لزم الأمر, من أجل إحباط مخططهم الشرير و إنقاذ مئات الأرواح المدنية, أو على الأقل إنقاذ أرواح جنودنا الذين قد يسقطون في هجمات على هذه الشاكلة و هذا هو السبب الأقرب لسبب اقتحامنا لهذا الحي, فكل شيء بالنسبة له كان يدور حول صورة أمريكا و مصالحها و ليس حبا في سواد عيون العراقيين.

 

لقد طال الأمر و بدأنا جميعا نسأم أمام تأخر وصول المترجمة لسبب نجهله, و بعضنا ممن على شاكلة كول كانوا قد بدءوا يفقدون انضباطهم و صبرهم أكثر فأكثر, في حين استمرت الفرق المختلفة المشاركة في العملية تمشط الحي و البيوت المجاورة بلا فائدة, فبعد أكثر من ساعة و مع اقتراب مغيب الشمس, و بعد أن تحول أثاث البيت إلى حطام و فوضى, و بعد أن ثقبت و حُفرت بعض جدرانه دون وجود شيء بداخلها, أصيبت إحدى النساء بحالة صرع بسبب التوتر و لم يكن ينقصنا غير ذلك, لكننا هرعنا إليها محاولين مساعدتها, غير مدركين بأن الكارثة ستقع عندما كان طبيب الفريق رونالد يحاول إدارة رأسها إلى الجانب حتى لا تبتلع لسانها, حاولت أنا و جوش و آرون و خوسيه إبعاد أفراد عائلتها عنها, في حين وقف كول متفرجا على ما يحدث بكل برودة و هو يمضغ علكته كعادته, مختبئا وراء تلك الصبغة السوداء التي يدهن بها وجهه مقلدا أعضاء فريق موسيقى الروك " كيس ", حبا في الحصول على ملامح شريرة.

 

و بينما نحن على تلك الحال فإذا بإحدى النساء تهجم بأظافرها على وجه جوش منقضة عليه كالهرة و هي تصرخ بأعلى صوتها, عندما ظنت بأنه كان يحاول الاعتداء عليها بعد أن قام بحملها مطوقا إياها بين ذراعيه, فدفعها عنه بقوة ليجد الشيخ الطاعن في السن يرمي بجسده المنهك عليه و كأنه يحاول الدفاع عنها, لكن كول تحرك في تلك اللحظات و بكل قوته لطم الشيخ بمؤخرة رشاشه على وجهه.

 

ارتطم العجوز الكهل بالأرض و ما إن رفع رأسه حتى رأى جزمة كول الغليظة و هي تنطح وجهه بكل عنف و قسوة, في اللحظة التي صرخنا فيها عليه بأن  "توقف عن ذلك ", و دخل الملازم ماكارثر يتبعه جوي و بعض الرجال إلى الغرفة بعد أن سمعوا كل تلك الجلبة.

                               

في حياتي كلها لم أسمع مثل ذلك الأنين, و لم أحسب أن الإنسان يُمكن أن يصدر مثل ذلك الصوت الذي أصدره العجوز, بعد أن كسر كول فكه السفلي الذي بقي معلقا عن طريق جلدة الذقن و فاضت دمائه من فمه و أنفه, قبل أن يلفظ أنفاسه بعد ثوان لأن تلك الخبطة كانت قد كسرت عنقه. لم نستطع تصديق ما فعله العريف إلى درجة أننا و من شدة الصدمة أفلتنا النساء أللواتي هرولن إليه و هن يصحن باكيات, قبل أن ترفع إحداهن رأسها و هي ترمق كول بنظرات غاضبة  فانطلقت نحوه, لولا أن سلسلة متتالية من الطلقات كانت قد اخترقت صدرها و بطنها في تلك اللحظة فأردتها قتيلة على الفور. التفت إلى مصدر النار و لم أرَ سوى كول و هو يصوب سلاحه نحو الضحية و قد كان الدخان يخرج من فوهته, قبل أن يدفعه الملازم محاصرا إياه و هو يصيح بأعلى صوته يلومه على ما فعل, و بأنه لم يكن مجبرا على ذلك فالمرأة لم تكن تشكل أي خطر مُميت.

 

بشكل لا إرادي وجدنا أنفسنا جميعا نصوب أسلحتنا تجاه البقية و نحن نتراجع بأوامر ماكارثر الذي أمر بالانسحاب, فالجلوس و الانتظار لم يعد ينفع هناك. كنت آخر من خرج من الغرفة متراجعا أحمي ظهور أصحابي مصوبا السلاح في وجوه ألائك الضحايا المساكين, و كان آخر ما رأيته هو الأطفال الثلاث الذين كانوا يقفون عند الزاوية ينظرون إلي من دون حراك و هم في غاية الصدمة, لا يجرؤون حتى على الاقتراب من القتيلين, كان مشهدا حطّم قلبي تماما.

 

في تلك الليلة لم يستطع معظمنا النوم, تماما ككل مرة يحصل فيها أمر مشابه, فقد صار الأرق صديقنا الدائم, خاصة بعد أن علمنا أن ذلك الشاب لم تربطه أية علاقة بالإرهابيين, و أنه فر منا ظنا منه أننا كنا نود اعتقاله, بسبب سطوه على إحدى المخابز قبل ساعات من الاقتحام لسرقة بعض الأرغفة لأسرته.

 

أما كول فلم يحصل إلا على توبيخ نابي قاس و تحذير نهائي من طرف الملازم, الذي حث الجميع على تجاوز الأمر و نسيانه وعدم إشاعته, و برر ذلك بأن مواقف مماثلة تحدث يوميا لجنود المارينز.

 

لم يبق شيء أستطيع التعبير به بعد هذه الحقيقة الجلية, أجل, هكذا و بكل بساطة, فما حصل جعلني أعيد ترتيب أفكاري و أفتح عيني على الوهم الذي طالما رباني عليه أفراد أستري المساكين. و كثيرا ما أتساءل اليوم عن عمي الأكبر الذي سقط في فيتنام, لو أنه نجى و عاش ليحكي عما رآه و خبره هناك لما وجدت نفسي اليوم هنا. و بالنظر إلى الكثير منا, ألائك الذين ارتكبوا تجاوزات كثيرة و خطيرة كما حدث و يحدث في السجون و المعتقلات و الشوارع, أفهم أن أمريكا و بطريقة ما, أرسلتهم إلى هنا للتخلص منهم و من مشاكلهم و جرائمهم و أعمالهم الشاذة, التي كانوا سيرتكبونها في شوارع و بيوت و محلات الوطن.

 

مشكلة هذه الحرب أنها انطلقت كبنية جماعية كبيرة بهدف كبير, لكنها مع طول المدة التي استغرقتها و التي بدأت تعرضها لمشاكل وتفاصيل منهكة مع الإخفاق و الإحباط و فقدان الثقة في كبار القادة, بدأت تتفتت إلى مئات الحقائق و المشاكل الجزئية, و كل تلك التناقضات التي حملناها معنا من الوطن, و أخفتها الأيام و الأسابيع الأولى من النصر الوهمي الذي صنعناه هنا, عادت لتنفجر و ترتفع إلى السطح, إنها الجزئيات التي انطلقنا نتعاطى معها كألوية ففرق ففصائل, إلى أن انتهى بنا المطاف لنتعاط معها كأفراد كل على حده, لقد تحولت من حرب نخوضها إلى جانب بعضنا البعض, إلى حرب يخوضها كل شخص منا لوحده داخل نفسه, لذلك لم أعد أعجب من الإحباط و الانهيارات و الفرار من الخدمة و الانتحار, فقد بات كل واحد منا يحارب الإرهاب و العراقيين كما لو كان وحيدا تماما في هذا البلد الرهيب. ببساطة هذا ما يحدث عندما تضيع قيم الذات و الوطن, و في النهاية أفهم أننا لم نُرسل للنقذ أمريكا, بل أرسلنا لنصنع لها المزيد من الأعداء, هذا ما برع فيه المارينز طوال عقود. "

 

... يُبع

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
25 juin 2011 6 25 /06 /juin /2011 23:30

6.jpg

وجدانات موسيقية

  

         كان يوم إلياس مليئا بالعمل رغم أنه لم يكن في كامل تركيزه على ما يقوم بتدريسه لؤلئك الذين كلما نظر في عيونهم تذكر أيامه و أسابيعه الأولى في هذا البلد, نظراتهم تحمل في طياتها قصصا مختلفة عاشوها في أوطانهم الأصلية المنهكة, و تحكي عن أمل حذر بشأن هذه الأرض الخيالية الواقعية, التي قد يتحول فيها الحلم إلى حقيقة جميلة تماما كما قد يتحول فيها إلى كابوس مرعب, لا شيء ثابت في هذه الأمريكا العجيبة. لذلك أخذ الياس دوما على عاتقه و في نهاية كل حصة أن يجعل ألائك المواطنين الجدد يفتحون له قلوبهم, و يعبرون له عما يختلج صدورهم أو يطرحوا أسئلتهم التي لا تنتهي عن هذا البلد و عن سكانه و عن فرص العيش الجيد فيه: "ببساطة ابتعدوا عن كل أنواع المشاكل و الأنشطة المشبوهة, اربطوا صداقات مثمرة مع المواطنين الأمريكيين و سددوا ضرائبكم بانتظام, حينها تكونون قد عبدتم الطريق لتحقيق كل ما ترغبون في تحقيقه, فقط ابذلوا ضعف الجهد الذي كنتم تبذلونه في دياركم من أجل الوصول إلى أهدافكم, و لن يستطيع حينها رئيس الولايات المتحدة نفسه حرمانكم من حقوقكم و امتيازاتكم ". هذه هي نصائحه الدائمة للمغتربين الجدد, و هي نفس النصائح التي أسداها له موظف زنجي بدين بمكتب الهجرة في أسابيعه الأولى قبل ستة أعوام, و ها هو إلياس يحاول اليوم أن يكون في مقام كل ألائك الذين وقفوا معه و ساندوه أيام الشك و الخوف و الشعور بالاغتراب و الوحدة.

 

في منتصف النهار و على غير العادة, جعل إلياس أحاديثه على الغداء مع زميليه في التدريس "جيمس" و "إليزابيث" تتركز على ما شغل تفكيره من خطاب جيف, فلمس تجاوبا من زميلته التي دخلت معه في نقاش هادئ حول ما يقع في العالم, من اعتداء على كرامة الشعوب و زج بشباب الدول في حروب قذرة من أجل أهداف ربحية اقتصادية, تدخل إلى جيوب و موائد و بطون كبار الشركات المتعددة الجنسيات و تجار السلاح و النفط, أما جيمس فقد كان منهمكا في تناول شطيرته و قد بدا عليه عدم الاكتراث لهذا النوع من الأحاديث, رغم أنه شعر فقط بالرثاء على حال أمريكا الحالية.

 

قال إلياس:" لو أن كل تلك البلايين من الضرائب التي تم إنفاقها على الحرب وجهت إلى خدمة التنمية الداخلية لكانت الحال أفضل بكثير مما هي عليه وسط هذا الركود الرهيب ".

 

أطلقت إليزابيث ضحكة خفيفة من أنفها و هي تقضم شطيرة الجبن :" أشك في أن ضرائب الأمريكيين تكفي لتمويل و افتعال تلك الحروب و الأزمات, ثم إن هذا البلد يعاني من أزمة التهرب من دفع الضرائب, لا أحد يريد خنق جيبه مادامت أمور التعليم و الصحة و الإيجار تنهك كاهل الجميع ".

 

نظر إليها جيمس البدين الذي كان قد أنهى وجبته قبل الجميع و قد تمدد على كرسيه مشابكا بين أصابع يديه و قد وضعهما فوق بطنه الكبير قائلا بتهكم: " إن كان لديك خدعة ما تجنبني ملاحقة السلطات, فأظن أني أول من سيعفي نفسه من الضرائب. ", فكر مع نفسه قليلا ثم نطق مرة ثانية و هو يقطب ملامح وجهه متململا و متسائلا: " تبا, ثم لمَ هذه الأحاديث المزعجة منذ الصباح ؟, منذ متى كنا نخوض في السياسة ها ؟ ".

 

نظر إليه إلياس هنيهة و هو يفكر ثم أخذ رشفة من كوب المشروب الغازي و استمر في التفكير للحظات قبل أن ينطق: " لقد تلقيت خطابا هذا الصباح من صديق لي في العراق, لهذا السبب يفيض رأسي بهذا الكم من الأسئلة و الأفكار ". قالها و نظراته شاردة فوق الطاولة, لترد عليه إليزابيث من فورها بنظرات مترقبة:" تقصد جيفري ؟, راسلك جيفري ؟, لا أصدق, كيف حاله ؟, هل هو بخير ؟, لم يصب بأذى ؟... .", أخذت تسأل في لهفة ليرد عليها إلياس: " لا تقلقي إنه بخير, فقط يشعر بكبت انفعالي شديد شأنه شأن جميع المارينز, أظنكما شاهدتما فيلم مايكل مور الوثائقي, لو أنكما تعلمان ما يحدث هناك ". لترد عليه إليزابيث: " أفهمك جيدا, الأمر يفوق التصور ".

 

 شعر جيمس بضيق أكبر و أخذ يتنهد قائلا: " هلا غيرتما موضوع الحديث من فضلكما ؟, ألم يبقى لنا شيء نفعله سوى تذكر تلك الصور الفظيعة ؟, نحن في أمريكا و لسنا في العالم الثالث – ثم يشير بسبابته إلى إلياس مستطردا – مع احترامي لدوله و شعوبه ".

 

أجل...هذا هو بالضبط ما كان يفكر فيه إلياس, لمَ ننغص مشاعرنا و أفكارنا بالالتفات إلى معاناة العالم الثالث و شعوبه ؟, و نحن نعيش في بلد قد لا يراه معظم سكانه بأنه جيد جدا للعيش, و يراه أبناء الجنوب جنة على الأرض ؟. أما حديث إليزابيث عن كونها تعرف ما يقصده إلياس فلم يتجاوز حد رؤية الأمر من خارج الحيز, أما الرجل الشاب فقد كان يقصد ما قصده جيف في رسالته حول حقيقة ما عاشه و خبره بنفسه كجندي مقاتل, و ما عاشه إلياس و خبره كجندي مقاتل أيضا.... لا أحد سيفهم الأمر.

 

في المساء و بعد نهاية هذا اليوم الذي يعد أكثر أيام الأسبوع المثخنة بالعمل لإلياس, دخل الشاب المتنزه العام بدل أن يتوجه إلى البيت مباشرة, أخذ له مكانا على مقعد خشبي و هو يتفحص وجوه بعض من كانوا يجلسون تحت الأشجار أو في المقاعد المجاورة, أو يمارسون تمارين الركض, أو يسيرون برفقة كلابهم أو بمفردهم لعله يتعرف على جار أو صديق.

 

كان المكان مضاء بأشعة شمس المساء الأخيرة التي كانت تميل إلى الاحمرار شيئا فشيئا, و مع لمساتها اللطيفة على أوراق الأشجار المُحمرّة و بعض السحب المتفرقة التي انعكس ضياءها على المباني الزجاجية المجاورة للحديقة, و على سطح البحيرة التي تتوسط المكان, صنع جو الخريف المثالي الذي طالما عشقه الرجل رغم برودة الجو النسبية. إنه الجو المسائي الذي تطغى عليه الأنوار البرتقالية و الحمراء على المظهر العام للمكان, إنه الجو الذي يذكره بتلك التي أعجب بها ذات مرة و هو مراهق في الثانوية, ثم أحبها كالمجنون بعد الثانوية, تلك التي كان قد تعرف عليها في أيام تشبه هذه الأيام, شيء ما حز في نفسه, إنه ذلك الحنين الغريب الذي اعتاد عليه و قد رافقته بعض الأسئلة: " كيف هي الآن ؟, ما الذي صنعته في حياتها يا ترى ؟, هل تزوجت ؟, هل تغيرت ملامحها ؟, هل تتذكر من حين لآخر ذاك الذي أحبها و لم تستطع منحه فرصته ؟. ". شيء واحد يعبث بمشاعره في مثل هذه الحالة و هو أنه في الغالب يكاد يخلط بين صورة الوطن الأم و بين صورة حبيبة المراهقة, إلى درجة أنهما بالكاد يتحولان إلى شيء واحد ؟. تنهد إلياس للحظة ثم أخرج الظرف مرة أخرى, رسالة جيف التي لم يبقى الكثير منها بحسب ما يبدو, لكنه يأمل أن لا يقرأ المزيد عن فظاعة حرب العراق:

 

"..... قد تتساءل ما الذي يبقيني متماسكا بعد كل الذي قصصته عليك, إنه ليس الصلاة فالإيمان ما عاد ينفع أغلبنا, بعد أن تأكدنا جميعا و في أعماقنا أن هذه الحرب لا علاقة لها بالرب فهو بريء منها, و لا بمعركة "هرمغدون" و لا بعودة المسيح كما يفتري المتدينون, و لا علاقة لها بحماية أمن و حرية الولايات المتحدة من خطر الأسلحة البيولوجية, التي كان يعدها صدام حسين و جيشه بالتعاون مع أسامة بن لادن كما يتشدق القوميون, هي فقط حرب بترول و صفقات إعادة إعمار و تسليح و مديونية و انتشار استراتيجي لا أكثر كما يقول الملازم ماكارثر, نقطة للبراجماتيين.

 

أما سرّنا فهو الموسيقى يا صاح, إنها ملاذنا الأخير وسط هذه الفوضى الشرق أوسطية و حساباتها الكبيرة, التي تفوق تفكيرنا نحن الشباب البسطاء السذج الذين ننفذ الأوامر و الخطط فقط. الموسيقى هي ملاذنا الذي من خلاله نهدئ من خواطرنا المختلطة, و نتذكر من خلاله كم نحن مطالبون بالتشبث بالأمل رغم كل ما حدث و يحدث, بعد أن صار هدف أغلبنا في هذه الحرب و لو بشكل غير معلن, هو الحفاظ على سلامة أجسادنا و عقولنا من أجل قلوب كل من نحب في الوطن, لعلنا نستعيد جزءا من حياتنا الاعتيادية إن نحن عدنا سالمين إلى الديار يوما ما.

 

لقد اكتسبنا عادة جماعية في الفريق عكفنا على ترسيخها, خاصة عندما نكون في طريق عودتنا إلى القاعدة بعد يوم شاق و مخيف, تتمثل في الاستماع إلى أغنية " نوكينغ أون هيفنس دورز "( الطرق على أبواب الجنة ) لفريق " غانز أن روزس ". لا أعلم من بدأ بهذه العادة التي صارت نوعا من طقوس الاسترخاء أثناء العودة إلى البيت, لكنني أحببت الفكرة خاصة و أن ريتم الأغنية المنتظم و الثقيل الممتزج مع صولو الغيتار الهادئ, يجعل المرء المنهك من يوم شاق يغمض عينيه مستمتعا بذلك اللحن. تنساب الألحان بلطف داخل رأسك المُحطّم بكل أنواع مشاهد العنف و القتل المتراكمة لتبدأ في تهدئة صداعها الذي يسحق النفس في صمت, ناهيك عن أنها تذكرنا بأجواء الوطن, فقط, تستمر في التحديق بوجوه أصدقائك المنهكة و هم يغمضون أعينهم يحاولون النوم قليلا, تقرأ على تلك التقاسيم عبارة واحدة: " سئمت هذه الحرب... سئمت حمل هذا السلاح ". تراقب ملامحهم و أنت ترى من خلالها صورة الأمريكي, ذلك الشخص المُغرر به من قبل تجار الحروب, ذلك المغرور الساذج الذي يورط نفسه في صراعات الآخرين عن حسن نية ظنا منه أنه يفعل الصواب, و ما هو في الحقيقة سوى أداة في يد ألائك القادة الذين يتحكمون في رقبته, و يعمون عقله بالخطابات الوطنية الحماسية الرنانة و الوعود الكاذبة.

 

في تلك اللحظات التي تراقب فيها وجوه أصحابك ينتابك نوع من الإشفاق على حالهم و على حالك,  بعد أن تدرك و تلمس إلى أي مدى رُحت ضحية هذه الحرب رغم أنك لا تزال حيا, و تقول في نفسك لو أن كل هؤلاء الشباب الذين يفيضون بالطاقة و الحيوية و روح التنكيت علموا أن الأمر سيكون قذرا و مقرفا هكذا لما تطوع أحدهم في الجيش. و في اللحظات التي ترتفع فيها المروحيات التي تقلنا إلى مستوى قريب من السحب التي تبدأ في التبدد بعد يوم غائم, ينعكس عليها نور شمس آخر المساء فتدخل تلك الأشعة عبر النوافذ الدائرية و تلامس وجوهنا و نحن نستمع إلى تلك الأغنية و أغان أخرى. في تلك اللحظات يكون الطيارون أكثرنا حظا و هم يشاهدون تلك اللوحة السماوية البديعة يعبرون من خلالها بالمروحيات, و كأنهم يعبرون بوابات الجنة العملاقة عائدين بنا من أرض الجحيم. في تلك اللحظة أتذكر كثيرا من لم يعودوا في صفوفنا أبدا, تتراءى لي وجوههم في لحظة واحدة, هي اللحظة التي يبتسمون فيها, لذلك غالبا ما تكون تلك هي الصورة الأخيرة التي أحتفظ بها لهم في مخيلتي, إنها صورة وجوههم الباسمة الضاحكة في مواقف طريفة كنا قد عشناها معهم, و رغم أن أغلبنا لم يتمالكوا أنفسهم و دموعهم يوم تأبين كل واحد من ألائك الإخوة, إلا أنك تشعر في النهاية بأنك لست مضطرا إلى أن تحقد على من تسببوا في مقتلهم بشكل ما, تشعر فقط بأن ما حصل قد حصل, فنحن نقوم بما يجب علينا القيام به من جهتنا من أجل القضاء عليهم, و هو الأمر معهم كذلك, فهي فقط حرب في النهاية, بغض النظر عمن يكون عدوك فيها, فينتاب خلدك شيء واحد و هو كيفية البقاء على قيد الحياة و الحفاظ على سلامة الضمير, إلى حين أن تضع هذه الحرب أوزارها و يحين وقت العودة إلى الديار, و لا يهم من كان الرابح, فقد قمنا بالصواب و اقترفنا الأخطاء... و الكل يشعر بالتعب الآن.

 

لم أحدثك عن المترجمة العراقية سمية, إنها فتاة لم تتجاوز الرابعة و العشرين فقدت معظم أهلها في تفجير انتحاري قبل بضعة أعوام, لكنها تتحدث الانكليزية بطلاقة عالية لأن أبويها كانا يدرسان هذه اللغة في الجامعة.

 

لم تكن مرتاحة لي في الأيام الأولى و كانت تظن أنني مخبر أو جاسوس أو ما شابه, كلف بمراقبتها عن كثب, لأنني كنت أسألها كثيرا عن العراقيين, ماذا يحبون, ماذا يكرهون, خاصة و أني كنت أستعمل بعض الكلمات و العبارات العربية التي تعلمتها منك و من جون, فاهتمامها بي بدأ يوم سمعت تلك الموسيقى التي بدت لها أنها ليست أمريكية و لا غربية, فقد اقتربت مني ذات مرة عندما كنا ننظف مراكبنا و شاحناتنا, و هي تمعن السمع إلى تلك الألحان الجميلة, سألتني عن نوع هذه الموسيقى فأخبرتها أنها موسيقى " القناوي " الجزائرية, فأشعرها ذلك بنوع من الارتياح تجاهنا, ثم تعرفت على ملازم اسمه "عمر" رغم أنه ليس عربيا و لا مسلما, لكن والده الذي درس التاريخ الإسلامي كما يحكي عنه كان مهوسا بشخصية و مآثر و بطولات عمر بن الخطاب, فسمى ابنه بهذا الاسم, منذ ذلك الحين انفتحت سُمية تجاهنا, و فهمت أن الكثير من الأمريكان لا يحملون أي شيء ضد العرب أو المسلمين. لكنها ظروف العالم و تشابك ملابساتها و تشويش القادة و المنظرين و الإعلام على مشاعر الأجيال و الشباب, و الحقيقة هي أني اكتشفت أن المسيحيين و المسلمين و اليهود يعيشون جنبا لجبن في هذه البلاد منذ قرون بكل تناغم و انسجام, فتبا لمن أخبرونا في الديار أن تصادم الحضارات هو حتمية تاريخية.....هراء.

 

لا أزال أحتفظ بأغاني القناوي–روك و القناوي–جاز التي يؤديها " كاتب أمازيغ " و " جمال لعروسي" التي حصلت عليها منك أيام تواجدي في الوطن. خارج أوقات العمل أستمتع بإيقاعاتها الإفريقية الراقصة و أتذكر الكثير من الأحداث السابقة, أتذكر أيام الصيف أين كنا نرقص كالمجانين في البيت على وقعها, حين كان شقيقي ماك يفاجئنا بخرطوم المياه و يعلن عن انطلاق حرب المياه...

 

آه كم أشتاق إلى الديار و الحياة السابقة يا صاحبي, وحدها الموسيقى من تبعدني عن واقعي الحالي و تحملني إلى هناك, إلى تلك التلال الخضراء و البراري الشاسعة و الجبال المغطاة بالثلوج و البحيرات العظيمة.... أمريكا, أشتاق إلى بلدي و بيتي, أشتاق إلى أعياد الهالوين و أعياد الميلاد و الفصح و الاستقلال, أشتاق إلى مباريات البيسبول و مسابقات الرياضات الميكانيكية القصوى و مهرجانات ترويض الخيول البرية, مستعد أنا لأراهن بأي شيء مقابل استعادتي لحياتي الماضية التي كانت تسير في خط جيد قبل أن أتورط في هذا المنحى.

 

لم أخبرك بأن علاقتي مع إيمي قد انتهت, أجل يا صاح, ها قد أصبحنا أنا و أنت متعادلان. بالنسبة لها فقد تطلب الأمر بضع كلمات منها في آخر محادثة هاتفية بيننا " هذه العلاقة لم تعد مجدية ", و ما فهمته من كلامها هو أنها باتت تفكر في شخص آخر, لكنني لا أملك أن ألومها فأنا أتحمل جزء من الذنب, فقد بذلت جهدها لمنعي من الذهاب إلى الحرب تماما كما فعلت أنت, لكنني مصمم على استعادتها بعد عودتي, و آمل فقط أن لا تكون علاقتها قد توطدت مع هذا الوغد الذي أخذها مني... سأوسعه ضربا على طريقة العسكر.

 

 لقد جاء على خاطري ما قلته لي ذات يوم, في أمسية من أمسيات أكتوبر, كنا عائدين من "غرين وود" على الطريق السريع إن كنت تذكر, و قلت لي بأن فتيات هذا الزمان يقعن في الحب البصري فقط, فهن لا يمنحنك الفرصة إلا إذا كنت أمام أنظارهن طوال الوقت و الأيام, و كنت تحدثني عن هذا الشهر و لمَ تحبه, كنا نستمع إلى أغنية " تيوزديز غون " ( يوم الثلاثاء قد انقضى ) بصوت "جيمز هاطفيلد" الرائع, عندما كانت نفس الأشعة الحمراء ذات الجمال تعانق كل شيء على الطريق ممتزجة مع نسمة باردة.....أجل, لا أزال أتذكر كل التفاصيل, سألتك حينها عن سر تعلقك بتلك الأشعة, فالتزمت الصمت للحظات قبل أن تخبرني بأنها تشبه لون شعر الفتاة التي أحببتها.

 

توقف إلياس عن القراءة و خرج من تلك الرسالة بنبضه العميق و هو يتنهد مبتسما ناظرا إلى نفس الأشعة الشمسية و هي تلامس بشرته, فقد تذكر أكثر مما يجب و التهب حنينه إلى أيام هو الآخر مستعد للمراهنة بأي شيء من أجل استعادتها, فقط ليشبع ناظريه في تلك التي افتقدها لسنوات دون أن يتمكن من إخبارها بكل ما كان يود إخبارها به, لكنه أخذ يستعيد ما دار بينه و بين جيف ذاك المساء دون الحاجة لقراءة الرسالة.

 

لقد كانا ينطلقان بسيارة قاطرة استعاراها من أحد الأصدقاء عائدين من نيويورك, كان النسيم يداعب شعر إلياس بلطف و هو شارد الذهن بأفكار مبعثرة متقطعة كتقطع تلك الأنوار الشمسية الحمراء على وجهه بفعل مرور الأشجار و الأعمدة المصطفة على طول الطريق الذي كانا يعبرانه هو و صاحبه.

 

" هل جميع الجزائريين يحبون الصمت هكذا أم أنك تعد استثناءا ؟ " قال جيفري و هو يمسك المقود بيمناه واضعا ذراعه اليسرى على مخرج زجاج النافذة في الباب, فأطلق إلياس ضحكة خفيفة مجيبا: " يُشاع عن الجزائريين أنهم عصبيون, لكني لا أظن ذلك شخصيا, كل ما هنالك هو أنني أصبح شاعريا بعض الشيء في مثل هذا الوقت من السنة, فهو يذكرني بالكثير من الأشياء و الأشخاص ".

 

 نظر إليه جيف و هو يرفع حاجبا فوق الآخر: " تركت فتاة خلفك في الوطن ها ؟, لم تخبرني بأنك كنت على علاقة مع إحداهن ".

 

_ " لم أحظ بعلاقة معها, كنت مغرما بها فحسب, رغم أننا كنا زميلين في الدراسة لفترة ما, فأنا لم أعرفها عن قرب,كلما نظرت إلى شمس المساء أين تكتسب هذا اللون الأحمر الفريد من نوعه, يذكرني ذلك بلون شعرها الأصهب, عيناها البنيتان, بسمتها اللطيفة , روحها المرحة,عفويتها المسلية, تفتحها على جميع الناس.., كائن دافئ جميل لكنه كان ذو ملمس بارد على روحي, تماما كهذا الشعاع الأحمر, أليس هذا غريبا ؟. " قالها إلياس و هو يمد يده جهة الشمس لعله يشعر بدفء تلك الأشعة على راحة يده مبتسما بحنو, يتذكر ما رآه و لم يحظ به في ماضيه من تلك الصهباء, في حين واصل جيف القيادة و هو يرمي ببصره إلى الطريق تارة و إلى إلياس تارة أخرى, و كأنه يحاول تفسير الأمر بينه و بين نفسه قبل طرح رؤيته للموضوع ثم نطق : " لا تقل لي بأنك هجرت بلدك بسببها يا رجل ؟ ". تنهد الرجل و هو يحك خصلات حاجبه بسبابته يبحث عن جواب منطقي دون أن يعثر عليه: " صدقني لا أعلم, ربما, كل ما أعلمه هو أنها جعلتني أكتشف شيئين لم أعشهما مع أي شخص آخر في حياتي كلها... " يصمت قليلا ثم ينظر إلى جيف قائلا: "..حب مطلق, و يأس مطلق, هل تصدق هذا ؟ ".

 

الحب المطلق و اليأس المطلق, رددها إلياس مع نفسه بضع مرات و قد عاد بوعيه إلى حاضره, فقد وجد نفسه يقف على شط البحيرة الصناعية فانقلب و عاد إلى كرسيه و جلس يكمل ما بقي من الرسالة:

 

" ...عندما أمعن التفكير أجد أنكم جديرون بالإعجاب أنتم عرب أمريكا, هل تعلم السبب ؟, رغم كل ما عشتموه من تهميش و مضايقة و كره, إلا أنكم فرضتم وجودكم في الوطن بالصبر و الكفاح و القدوة الحسنة, و ها أنت ترى, ففي الوقت الذي صرت فيه أنا الأمريكي ذو الأصل الايرلندي النقي  أحارب صورة و قيم أمريكا الحقيقية في الخارج, و أنشر عنها تصورا بشعا للغاية, أنت هناك صرت مواطنا أمريكيا صالحا بكل معنى الكلمة, يعمل من أجل تطوير و تحسين بلده, فمن منا الأجدر بحمل لقب المواطن الأمريكي الآن ؟.

                                              

صديقي إلياس, يجب أن أشكرك لأنك أتحت لي فرصة مراسلتك لأفرغ لك عن كل هذا الكم من الكبت, حتى أني أشعر بتحسن و انتعاش و انشراح في صدري, و أشكرك أيضا لأنك علمتني كيف أنظر إلى الطبيعة بعين القلب, بفضل قصتك مع الخريف و مع أكتوبر, فذلك جعلني مع مرور الوقت أفهم و أشق طريقي الخاص بي نحو البحث عن الصفاء في أعماق الذات, هو جانب لم أكن لأكتشفه في نفسي لولاك, بل لم أكن أعلم بوجود جانب كهذا في عمق الإنسان, أدين لك بواحدة يا رجل.

 

 أعتقد أن هذا الخطاب سيكون بين يديك بعد معرفة من سيكون رئيس الولايات المتحدة الجديد, و إلى ذلك الحين أتمنى أن أكون على قيد الحياة, فالمرء لا يعلم ما الذي قد يصادفه في هذه البلاد, رغم أن أعمال العنف الموجهة ضدنا قد انخفضت في الأسابيع الأخيرة عما كانت عليه, أتمنى يا صاحبي أن يقرر القادة عندنا سحبنا من هنا لنعود إلى ديارنا و عائلاتنا, هكذا لن تضطر و لن أضطر إلى الكتابة لبعضنا مرة أخرى, سأكون معك و مع بقية الأصدقاء هناك, جون, إليزابيث, إيمي, وانغ, ويلي, بيتر... و البقية, و سنعيد أيامنا الجميلة و نصحح علاقاتنا التي اهتزت بفعل هذه الحرب التي فرقت شملنا.

 

الأيام مدرسة يتعلم منها الجميع ما شاء من الدروس, و هل تعلم ما علمتني إياه ؟: وحدهم ألائك الذين يعارضون منطق الحياة سيستمرون في اقتراف نفس الأخطاء, رغم أن التاريخ أثبت أن تحقيق المصالح لا يتم بهكذا طريقة و منطق, أنت قلت لي ذات مرة بأن أحد الفلاسفة الجزائريين الكبار قال بأن الخطأ المنهجي خير من الصواب الفوضوي, صدق و صدقت يا صاح. يجدر بقادة أمريكا الذين أرادوا تحقيق أهدافهم بطرق فضيعة أن يتعلموا من هذا القول, فتحقيق المصالح عن طريق نشر الفوضى في العالم, و العدوان على الآخرين و سحقهم ليس منهجا سليما على الإطلاق اعتنِ بنفسك جيدا, آمل أن أراكم عما قريب.....جيفري.

 

هكذا كان هذا اليوم الحافل الذي عاشه إلياس و كأنه إلى جانب جيفري. أفكار و مشاعر و ذكريات و وجهات نظر: " مكانك الحقيقي كان يجب أن يكون في الجامعة يا صاحبي ". همس بها إلياس بين شفتيه متحسرا و هو يفكر في ذاك الشاب الأشقر الذكي و المتقد الحواس و العقل, الذي كان من الممكن أن يخدم بدله أكثر لو أنه بقي هنا شأنه شأن الآلاف من الشباب أمثاله, لكن ما حدث جعل إلياس يستخلص أمرا مهما للغاية في لحظة شرود و تفكير عميق بخصوص هذه الدولة المعقدة التي يعيشها فيها.

 

من أغرب حقائق أمريكا أنها عنيفة و دموية حتى في ربط علاقاتها بالأمم, لقد كان الإنكليز من ألذ أعداء الأمريكيين عندما كان هؤلاء يحاربون من أجل الاستقلال عن التاج الملكي البريطاني, لكنهم صاروا و منذ عقود من أقرب الأصدقاء و الحلفاء لهم. حصل نفس الشيء تجاه الألمان و اليابانيين في الحرب العالمية, حيث اعتبرتهم أمريكا من شر الخلق و قاتلتهم بقسوة و شراسة منقطعة النظير, في الأخير انضموا إلى قائمة حلفائها و أصدقائها المقربين. و بعدهم جاء دور السوفييت و الصينيين عن طريق الفيتناميين و الكوريين الذين عاشوا نفس التجربة التي يمر بها العراقيون اليوم, و في النهاية تحول الكل إلى أصدقاء و إن بقيت عقدة الشيوعية تظهر من حين لآخر, و قد انتبه إلياس إلى أن الدور قد جاء على العرب و المسلمين اليوم, فقد اتجهت نحوهم الأفكار و الآراء و الدراسات في نفس الوقت الذي صُوبت فيه المدافع نحو رؤوسهم, فهذا القرن هو قرنهم, إنه يعيش المرحلة الفاصلة و الحساسة التي يجب فيها على كل عربي و على كل عربي أمريكي أن يسهم في خدمة الحضارة العربية الإسلامية و مصالحها و صورتها في ذهن الغرب و أمريكا بأحسن صورة و بأحسن شكل. إنها فرصتهم التي يجب عليهم اغتنامها خلف ظهور الذئاب المخططين في واشنطن, الذين حتما سيجدون بعد بضعة عقود خروف أمريكا التالي, ألائك الذين جعلوا من هذا البلد الرائع لا يستمر إلا بالحروب و الغزو.

 

بعد أن أشبع وقته بالتفكير في أمور السياسة و التاريخ و علاقات الأمم, و بعد أن رن جرس ساعة يده معلنا عن اقتراب صلاة المغرب, أراد  إلياس القيام بشيء أخير قبل توجهه إلى المسجد, فأخرج دفتر ملاحظاته الصغير و أخذ يسجل على إحدى أوراقه: " هناك من يقول بأن العالم يجب أن يكون ربيعا دائما يعمه السلام و الأزهار و الدفء, ذلك غير ممكن لأنه مهما حصل فالأشرار سيضلون دوما يعيشون بيننا, و الحياة إذن لا يمكنها أن تكون ممتازة دائما, و هناك البعض الآخر يقول بأن العالم هو شتاء دائم بسبب المنكر و الفظاعة التي تقع كل يوم و في كل مكان, و ذلك لا يمكن أن يكون أيضا لأنه لا يزال يعيش في هذا العالم أشخاص طيبون يبذلون المستحيل من أجل تحسين الأوضاع, ثم إنه و رغم كل شيء هناك دوما قدر من الجمال في هذا العالم.

 

و الحقيقة هي أنه سواء نظرنا إلى العالم و التاريخ أو نظرنا إلى قلوبنا, سنجدها دوما مخلوقة من خريف, فترات من الدفء و فترات من البرد, فترات من السعادة و فترات من الهم, فترات من الأمان و فترات من الخوف, فترات من الصراع و أخرى من الوفاق,  قلوبنا و حياتنا كلها خريف, أين تمتزج فيها جميع الألوان و جميع المواسم, إنها حقيقة البشر, و حقيقة الحياة. ".

--------------------------------

فنور علاوة - البليدة في 17/10/2009.   

 

خلاصة القول: متى يسترد الغرب الرحمة و متى تسترد العرب العقل ؟؟؟؟؟

 

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article
7 juin 2011 2 07 /06 /juin /2011 23:22

 376408_337083356367359_227704830_n-2-.jpg

مذبحة على ضفاف البحيرة

طنين الذباب.... إنه مزعج, لا يتوقف, و لا يريد الذهاب بعيدا... الذباب في كل مكان, بعضه يقترب بحركته السريعة الملتوية و يحط فجأة على وجهه فيتوقف صوت أجنحته المزعج. أما حين يُصبح الأمر أكثر إزعاجا فهو لا يستطيع حتى أن يرفع يده ليبعده عن أنفه رغم الحكة التي تثيرها أقدام الذباب على بشرته السمراء الداكنة, لكنه لا يستطيع تحريك شيء من جسده من شدة الإرهاق, حتى أنه لا يكاد يشعر بأطرافه.

بين الحلم و اليقظة تتضارب تلك الأصوات الكثيرة داخل رأسه, أصوات حركة و أحاديث يتخللها أنين و بكاء, هل هذا حلم أم حقيقية ؟. لكن فجأة تأتي صرخة امرأة مدوية يتضاعف صداها داخل رأسه فيستيقظ أخيرا و هو يفتح عينيه ببطء شديد... لقد كان شبه نائم و هو الآن شبه مستيقظ, هذا الذباب اللعين الذي يسير على وجهه لا يريد الابتعاد..., يبدو الأمر منطقيا لأن هذا المراهق شِبه ميت.

يحرك رأسه ببطء و هو يتفحص هذا المكان الذي لا يعلم كيف وصل إليه, إنه مكان يبدو فسيحا بعض الشيء, تصطف الأسرة على جانبيه و هي تحوي جثثا حية لأطفال و نساء و شيوخ, يحوم الذباب حول ملابسهم الرثة الممزقة و ضماداتهم التي تظهر عليها بقع ذات حمرة خافتة من الدم. الكل يبدو مرهقا و شبه مدرك لما يحدث من حوله, و البعض ممن كانوا في كامل وعيهم يبدو عليهم الفزع و الحزن.

هناك مزيج من الروائح الكريهة التي لا تزال تداعب أنفه ماضية مع تيار الهواء الرطب الذي يدخل من النوافذ و يخرج من الباب أو العكس, مزيج من روائح الكحول و المطهرات و روائح المقابر, روائح النتن المنبعثة من الجراح المتقرحة و الأذرع أو السيقان المبتورة... و الذباب, الذباب في كل زاوية, إنه سيد المكان.

فجأة تتفطن إحدى الراهبات البيض إليه, فتتقدم نحوه و هي تنحني مبتسمة بحنو, تمرر كفها على جبينه المليء بقطرات العرق الباردة, كانت تتحدث إليه بلغة غريبة لم يسمعها من قبل. اكتفى بالنظر إلى صليبها المعلق في قلادتها للحظة ثم رفع ناظريه إلى عينيها الزرقوين, تلك الزرقة الفاتحة ذكرته لهنيهة بمياه بحيرة فيكتوريا العظيمة فشعر ببعض الاطمئنان, ثم أخذ يحاول استجماع أنفاسه الكريهة لعله يستطيع إخبارها بأنه ظمآن و يريد بعض الماء, لكن هناك شيء ما كان يؤلمه في ظهره بشدة كلما أخذ نفسا عميقا, فغابت البسمة من على محيى الفتاة الراهبة, و اكتسى وجهها إيماءات الترقب, فقد كانت تنتظر منه أن ينطق بشيء, و بعد جهد معتبر استطاع أخيرا إخبارها عما كان يريد في كلمة واحدة " ماء ", لكنها أومأت برأسها غير فاهمة لما كان يقول, فاستدعت إحدى الممرضات المحليات و سألتها عن معنى تلك الكلمة, حينئذ أحضرت كوب ماء وضعت فيه حبة دواء بيضاء ذابت بسرعة, و بمساعدة الممرضة استطاع بالكاد الاعتدال بسبب الألم الذي كان يقتلع جدعه, لكنه شرب قليلا, حينئذ فقط و مع انسياب الماء ذي المذاق الغريب عبر جوفه الجاف بدأ يشعر بوعيه و هو يعود كاملا, فكان أن تفحص بعينيه جسده النحيف الممدد على السرير, و رأى حالة ساقيه المتدهورة, فقد تحولتا إلى جلد على عظم, ثم التفت إلى ذراعه بعد أن شعر بشيء ما يلفها ملتصقا بها, فرأى ذلك الأنبوب الطويل الموصول بكيس فيه سائل شفاف, و قد كان ذلك السائل يقطر عبر الأنبوب الموصول بذراعه عن طريق إبرة, و هذه الضمادة الكبيرة التي تلف جدعه و بطنه ما قصتها ؟, بل و ما قصة كل هؤلاء القوم هنا ؟. إنه فعلا لا يتذكر ما حصل بالضبط, فانتابته رغبة في البكاء بعد أن عاد إليه ذعره و لم يلمح أي شخص يعرفه أو قريب يطمئن لرؤيته, لكن قواه خائرة تماما فهو بالكاد يستطيع الحديث, لذلك آثر العودة إلى النوم قليلا بعد أن شعر بدوار و غثيان رغم أن معدته خاوية, فساعدته الراهبة على الاستلقاء. لا بأس, بما أن هذه المرأة الأجنبية اللطيفة بالقرب منه فلا بأس, ليس هناك شيء يدعو إلى الجزع, على الأقل في الوقت الراهن.

مرت الساعات طويلة جدا, بين النوم و اليقظة كان جسده يهتز بين الفينة و الأخرى عندما يُخيل إليه أنه سمع صوت طلقة نارية أو انفجار, لكن ذلك لم يكن يحدث إلا في ذهنه المتعب و المصدوم, فيعود إلى وعيه قليلا و هو يسمع صوت الذباب الذي يحوم حول وجهه مرة أخرى, ليس هناك من ينشه عنه فالكل منشغل بالعناية بمن حالهم أسوأ... أجل هناك من حاله أسوأ, و ذلك الألم في ظهره لا يزال يحرمه من الغوص في نوم عميق, و تعبه الشديد لا يزال يحرمه من الاستيقاظ و النهوض و الحديث... هل هناك أسوأ من هذه الحال ؟.

جاء المساء. كان الفتى قد نال قسطا من الراحة بعد أن حقنه أحد الأطباء بشيء خدر آلام ظهره لبضع سويعات, و عندما استيقظ بعد العصر كان يستطيع النطق, و قد بدأ يفهم و يسترجع ما حدث, كل هذه الفوضى سببها تطور الحرب الأهلية في البلد بعد مقتل الرئيس فيها قبل أسابيع, و انسحاب قوات حفظ السلام منها تاركة الأمور تأول إلى الأسوأ, لقد تطورت إلى شيء آخر..., ما هو ؟, إنه يبحث عن تسمية لهذا الشيء, لكن هناك كلمة واحدة سقطت في رأسه تلك اللحظة استلهمها من الكتاب المقدس " أبوكاليبس ؟ "... ظن حقا أنها نهاية العالم, و إلا ما معنى كل هذه الفوضى و هذا الرعب و هذه الجثث و الدماء و كل هؤلاء الأطباء و كل هؤلاء القساوسة و الراهبات, الكل يحمل الصلبان و الأناجيل ؟... لِم هرب الجنود الأجانب ؟, أليس لأن هناك شيئا ما يقع في كل مكان فعادوا إلى ديارهم للدفاع عنها...؟؟؟, فهو يعرف الحرب جيدا, و هي ليست هذه.... هذه أسوأ بكثير من الحرب. لقد تذكر أحاديث ذلك الراهب الألماني الذي تنصر على يديه منذ الصغر, تذكر أحاديثه عن القيامة و كيف سيبيد البشر بعضهم بعضا بسبب الثروات و الموارد, و أن الوحش الدجال قد يخرج من بحيرة فيكتوريا... ظن الفتى أن ما حدث له كان يحدث في كل مكان, ثم أدمعت عينه فجأة بعد أن تذكر أفراد أسرته مرة أخرى, أين هم و ما الذي حل بهم ؟.. ما الذي حدث بالضبط و كيف وصل إلى هذا المكان ؟.

"... كيف حالك يا صديقي, هل ارتحت قليلا ؟ " قال أحد الأطباء و هو يحمل في يده دفتر و قلم, فنظر إليه الفتى لحظة ثم نطق بصوت خافت بعض الشيء: " أين أنا و ما الذي حدث ؟ ". اختفت البسمة المصطنعة من على وجه الطبيب, ثم تقدم و جلس على يمينه قائلا بصوت حذر مترقب:" أنت الآن في مكان آمن, لكن, ألا تذكر ما حدث ؟, لقد جاءوا بك جريحا قبل بضعة أيام. "

... هذا ما يفسر سر ذلك الجرح الذي يحرق و يؤلم, لقد فهم أنه تلقى طلقا ناريا في الظهر, حينئذ فقط بدأ سيل الذاكرة بالتحرك, حتى أنه بدأ يسمع صراخ النساء و بكاء الأطفال, و أصوات الأقدام الحافية و النعال التي تضرب التراب بقوة في جنح الظلام و هي تركض هاربة من مقاتلي الميليشيات, و  قد سمع أيضا صوت الطلقة و هي تخرج من فوهة البندقية الآلية و صوت اختراقها لظهره في أقل من ثانية, و صوت ارتطامه و سقوطه و تدحرجه من على ذلك المنحدر فوق و بين الحشائش و الأحراش, هو لا يتذكر غير الأصوات دون صورها, فقد حدث كل شيء بسرعة في ظلام دامس في مكان ما من الأدغال الاستوائية التي فروا للاحتماء بها, بعد أن سمعوا بأن الحدود التي كانوا يقصدونها قد أغلقت, و أن الميليشيات انتشرت عبر كامل الطرقات تبحث عن الأهالي الفارين لتبيدهم, و أنها لا تفرق بين أحد و تقتل كل حي يتحرك أمامها... حين إذ تغيرت ملامح وجهه و انطلق يبكي بصعوبة بسبب ألم الإصابة, لقد ركبه الفزع مرة أخرى بعد أن عاودته تلك المشاعر الرهيبة التي عاشها, بل حتى إن أطرافه بدأت ترتعش و هو يسترجع المزيد و المزيد, لقد بدأ يتذكر كل ما حدث, و بين أنفاس بكائه التي كانت تدخل و تخرج بصعوبة, كان يحاول قول شيء ما للطبيب الذي كان يواسيه و قد اغرورقت عيناه بالدموع "... لماذا, لماذا حدث هذا ؟ ", خرجت من فم الفتى و هو ينظر في عيني الطبيب بحيرة بريئة امتزجت مع شهيقه و زفيره المضطرب, ليرد عليه الطبيب:" الله يعلم الحقيقة, لست وحدك في هذا, فأنا فقدت الكثير من أقاربي في الأسبوع الأخير دون أن أفهم حقيقة ما يحدث, لكن كما ترى أنا متماسك و صابر, المهم أنك حي ترزق يا بني, لا عليك, سيتحسن كل شيء عما قريب, تحلى بالإيمان و الشجاعة ".

انصرف الطبيب و هو يمسح دموعه, كان يفكر في هذه الحيرة العظيمة التي غرق فيها الجميع, فالأنباء متضاربة حول حقيقة ما يحدث, انقلاب عسكري, حرب أهلية, هجوم أجنبي... المؤكد أن عدد الضحايا خيالي و رهيب تقشعر له الأبدان, و الأكثر إثارة للعجب و الجزع هو أنه لا أحد قد تدخل لوقف ما يحدث حتى الآن, فالقوى و الهيئات الدولية غائبة تماما... أو أنها تدخلت فعلا لكن الأخبار شحيحة عنها ؟.

الفارون من الجحيم يروون قصصا و حكايات رهيبة, تصفيات جسدية بالجملة, عشرات الآلاف من الناس و من مختلف الأعمار و الفئات تم قتلهم رميا بالرصاص أو ذبحوا في بضعة أسابيع, خاصة الشباب و الشابات ؟.

الشيء الوحيد الذي يبقي على الأمل هو التفكير بأن الإشاعة تصبح مغرضة أكثر عبر انتقالها من لسان إلى لسان, لذلك لا يجب تصديق ما يقوله كل هؤلاء القوم فهم تحت أثر الصدمة, إنهم يقولون أي شيء ليكسبوا التعاطف و الدعم لعلهم يشعرون ببعض الاطمئنان..., من المستحيل أن يقع شيء بهذا الحجم في أواخر القرن العشرين و دون تدخل المجتمع الدولي لوقفه, هذا ما فكر فيه الطبيب مع نفسه للحظة و هو يهم بإشعال آخر سيجارة مراقبا الوافدين الجدد و هم يصلون إلى المخيم, مع آثار الإرهاق و الفزع و الجوع و الشعور بالضياع التي كانت تعبر عنها وجوههم و حركاتهم, لكنه لم يدرك أنه فكر في ذلك ليُخفف من صدمته هو, فما حصل حقيقي نظرا إلى الأعداد الهائلة من الفارين التي لا تزال تتوافد على المخيم, و تواتر القصص التي تكاد تكون جميعها متطابقة رغم أن رواتها من مناطق و أقاليم مختلفة, كل المؤشرات تدل على أن مذبحة عظيمة وقعت و لا تزال مستمرة في هذه الأثناء.

التفت الطبيب إلى المراهق فرآه شارد الذهن بعد أن كف عن البكاء, في الوقت الذي كان فيه نشطاء حقوقيون يطوفون بين الجرحى ليأخذوا أقوالهم و شهاداتهم عما حدث. فكلما تحدثوا إلى أحد مِمَّن هم في كامل وعيهم إلا يجهش بالبكاء أو يلتزم السكوت و كأنه ليس حاضرا بذهنه, فيستمر فقط في التحديق فيهم بهدوء و برود, أو ينطلق في الحديث و قص التفاصيل التي عاشها من دون إيماءات تعكس أو تعبِّر أو تتطابق مع مضمون ما حدث له, لكنها تظهر على وجوه ألائك الشباب الأوروبيين و هم لا يكادون يصدقون شيئا مما يسمعون. كان بعضهم يهرع إلى خرائط المنطقة لتحديد الأماكن التي كان يحكي عنها الناجون, الذين يتحدثون عن مقابر جماعية لأطفال و نساء تم العبث بهن و اغتصابهم قبل أن يقتلن و يردمن تحت التراب في حفر كبيرة كالقمامة.

قال أحد الشيوخ و هو يضحك بشكل غريب أثار القشعريرة و الخوف في نفوس النشطاء بعد أن بدأ يفقد عقله من هول ما رأى, بأنه لا داعي للخرائط للوصول إلى المقابر الجماعية, بل يكفي فقط تتبع مصدر روائح الجيف التي تملأ الغابات و الأدغال... " شيء لا يُصدق " قال شاب فرنسي و هو يقاوم غثيانه, فآثر الابتعاد قليلا و الخروج من ذلك المشفى الميداني ليتنفس بعض الهواء. لكنه مر بالمراهق الجريح فنظر إليه للحظة, كان لا يزال شارد الذهن تماما, لكنه كان يتعرق بسبب الألم الذي كان يحاول تناسيه بعد أن سئم منه.

تقدم الناشط نحوه بخطوات بطيئة, ثم أطلق بسمة خفيفة عندما نظر الفتى إليه " مرحبا, أسمي باسكال, ما اسمك أنت ؟ " قال الناشط بلغة الإفريقي المحلية, لكن الفتى لم يرد عليه و ظل يراقبه بنظرات باردة ملأت عينيه الكبيرتين, ثم نطق بصوت خافت ينم عن صراعه مع الألم: " لقد خرج, أليس كذلك ؟ ". نظر إليه الناشط مستفهما فأضاف: " الوحش الدجال, كل هذا مِن صنعه, لقد أخبرني أحدهم أنه سيخرج من البحيرة ذات يوم لينال من الجميع, هل هذه هي القيامة ؟ ".

شعر الشاب الأوروبي بعجز تام عن الكلام, لم يعرف ما يقول, فاغتنم فرصة إشاحة الفتى بوجهه عنه لينسحب و هو متأثر للغاية, فالحقيقة المعبرة لا تخرج إلا من أفواه الأبرياء و قد صدق. ما حدث هو قيامة حقيقية, لكن الناشط فكر بأن الوحش لم يخرج من البحيرة, لكنه يعيش في مكان يُدعى " مانهاتن " منذ زمن طويل, و في الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب البشعة تحصد المزيد من الرؤوس و الأرواح, و مع انتشار الغربان و نسور الجيف في سماء إفريقيا, كان الدجال يجلس في مكتبه الفاخر المريح في " وال ستريت " يراقب تصاعد أسهمه مع تصاعد صوت أنين الفتى الإفريقي.

----------------

* هوامش:

- انطلقت مذابح منطقة البحيرات الكبرى عام 1994 من رواندا و امتدت إلى الكونغو و بوراندي كنتيجة لصراع إثني عنيف بين قبائل الهوتو و التوتسي.

- سجلت أعمال الإبادة الجماعية المنظمة أرقاما قياسية حيث وصلت إلى معدل عشرة آلاف قتيل في اليوم على مدار نحو مائة يوم كامل.

- وسط تعتيم إعلامي و صمت أمريكي و أوروبي غامض, وصل عدد القتلى المدنيين خلال ثلاثة أشهر فقط إلى  نحو مليون شخص. و تبقى الكثير من التساؤلات تحوم حول هذه القضية إلى يومنا هذا, دون أن يُكشف عن          المخططين و الممولين الحقيقيين لهذه المجزرة التاريخية.                                                                    

                                                                   فنور أمير - البليدة, الجزائر في 23-03-2010.

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens