Overblog Suivre ce blog
Editer l'article Administration Créer mon blog
19 mai 2011 4 19 /05 /mai /2011 23:09

solitude-1-.jpg

أرمل في الغربة.

يمر اليوم على مهل, يستمر الناس في عملهم, كل منهمك في ما يتقن عمله, مع بعض الدقائق المسروقة لبعض العبث و الثرثرة في أشياء تبدو سخيفة قياسا إلى الهواء الثقيل الذي يميز هذه الأيام, إنه هواء لا يشجع على الثرثرة بقدر ما يُجبر على السكوت و التأمل فقط, إنه هواء يدخل إلى رئتي ذاك الرجل الجالس في مكتبه محمّلا بنكهة من الكآبة يستشعرها بأنفه قبل أن تصل إلى قلبه المحطم. أجل, هكذا صار للهواء نكهة كذلك.

غريب أن ندرك أننا لا نفقه في فن السعادة و القناعة شيئا إلا في حالات الكوارث, حين يصير للزمن الماضي الذي كنا نكرهه أو نعتقد أو نوهم أنفسنا عبثا بأننا نكره, يصبح فجأة هوسنا الوحيد عندما نفقد شيئا عزيزا و غاليا على قلوبنا, قد يكون شخصا, أو شيئا, أو مكانا, أو أي شيء مما قد يتعلق به قلب المرء. لذلك يجد ذاك الرجل الكئيب صعوبة في معايشة إيقاع كل هؤلاء القوم الذين يحيطون به في مكان عمله المليء بالمكاتب و الضجيج المختلف, أصوات الهواتف و الآلات الناسخة و قطاعات الورق و أصوات الأحاديث و التعليمات و بعض الصراخ, يتخلله من حين لآخر ضحكات في الزوايا هنا و هناك.

لقد أنه عمله لهذا اليوم, رغم ذلك فقد جلس لدقائق معدودات في مكانه و قد شرد ذهنه قليلا بعد أن خرج من ذلك المكان عبر النافذة التي تبرز خارجها الأبراج و الأبنية الضخمة ذات الواجهات الزجاجية و المرايا العاكسة في تلك المدينة الصاخبة المزدحمة. في الماضي كان لا يطيق الأمر على ما هو عليه و يغتنم كل فرصة تتاح له من أجل الهروب نحو الجبال و الغابات البعيدة, خارج هذه الطاحونة العملاقة التي يعيش و يشتغل بداخلها, عله يحصل على بعض الهدوء و السكينة مع من كانت ذات يوم من أكبر مصوغات صموده و كفاحه في أرض الغربة الغريبة هذه. أما اليوم فقد صار يعيش نقيض ذلك, صار يخشى الأماكن الهادئة لأنها تذكره بالكثير مما لا يستطيع قلبه الكسير تحمله بعد أن قطع كل هذا الشوط المؤلم المليء بالصبر... ليس حبا في الصبر, ففي بعض الأحيان تصبح هذه الفضيلة غير مرغوبة و ربما ملعونة من طرف البعض, و عندما يتذوق المرء عذابا لا يطاق,لا يملك إلا أن يتشبث بها مرغما و ليس حبا فيها.

إنه وقت خروج ابنته الصغيرة من المدرسة, عليه أن يكون هناك بعد دقائق, لذلك يتنهد لحظة ثم يغلق حاسوبه و ينهض و هو يحمله حقيبته و سترته مغادرا المكان, يوزع تلك البسمة الباردة المصطنعة التي التصقت بوجهه بشكل آلي و صارت جزاء من ملامحه, فقد علمه هذا المجتمع أن يبتسم كأبسط حق عليه تجاه الآخرين. و في كل مرة يحدث له هذا و خاصة عندما ينظر في عيونهم و وجوههم الممتلئة ببسمات طبيعية مشرقة, يساوره شيء من الشك... كيف لهم أن يبدوا لي تلك الابتسامات الحقيقية... هل نسوا مصابي ؟؟؟. قبل أن يتذكر... لقد مضت ثلاثة أشهر و نيف على ما حصل, لذلك لا يملك إلا أن يعذرهم, ففي النهاية هو أيضا يتظاهر بأنه على ما يرام و قد بدأ يعود إلى حياته الطبيعية. و الحقيقة هي أنه كان يعود تدريجيا إلى حياته الطبيعية عندما كان في وطنه مع أهله, بين ذلك الحضور المميز و المبهر للعائلة الكبيرة و الأصدقاء في مثل تلك المناسبات و الأوقات الصعبة, كاد يظن أنه بدأ يتأقلم مع خسارته لولا أنه عاد مضطرا إلى ديار الغربة هذه, أين لا يمكن لأعضاء مجلس الإدارة, الحيتان الكبيرة, أن يتسامحوا مع أي تأخر بعد انقضاء مهلة الأوراق و القوانين... الوقت هو المال, تكفي رسالة تعزية صغيرة مسحوبة من الآلة الطابعة ليتم تبرير بقايا التكافل الاجتماعي و المشاركة الوجدانية عند هؤلاء القوم.

عندما وصل إلى المدرسة كان الفتية و الفتيات يتهافتون على المخرج في فوضى و اضطراب, كل يتجه إلى سيارة مركونة تنتظره. بعضهم كان يهرع مباشرة إلى حضن والده أو والدته و هو ما نشأت عليه البنت الصغيرة منذ زمن, فقد وُلدت و كبرت هنا في هذا البلد البارد. لكنها هذه المرة لم تهرول إلى حضنه كما كانت تفعل. فقط تقدمت إليه و هي ترمي ببسمة خفيفة و صعدت إلى المقعد الخلفي تحكي له عما فعلته و ما قامت برسمه و ما قالته للمُدرسة و ما قالته لها زميلتها... قصص الصغار. ترى هل تجاوزت تلك الصدمة ؟.. يسأل نفسه و هو يرمي بنظره إليها بين اللحظة و الأخرى يتظاهر بأنه ينصت إلى مغامرات يومها في المدرسة.

ربما هو الشيء الوحيد حتى الآن الذي يحمل شيئا عن العودة إلى الحياة الطبيعية... هذه الثرثرة الصبيانية. رغم أن جرحا عميقا قد وقع, ففي تلك اللحظات التي ينظر فيها إلى ابنته في المرآة يدرك فعلا و بحق أنه ينظر إلى صبية يتيمة لا يزال محتارا في كيفية تربيتها وسط هذه الغربة القاتلة و الخطيرة, فيمتقع وجهه و يكفهر و تعود كل تلك المشاعر المنغصة التي أمضى يومه يحاول تناسيها عبر إجهاد نفسه في العمل... أنى له أن يعثر على أم بديلة, أمّ شرقية ؟. الشقراوات الكاسيات العاريات و الفارعات الطول في هذه البلاد لسن الخيار الملائم, فقد ظل يشهد على نساء و رجال هذا المجتمع و خاصة في مكان عمله, انجذاب و حب جنوني عنيف في بادئ الأمر, سرعان ما ينقلب إلى تململ بعد إشباع الرغبة... فخيانة متبادلة عند أول فرصة... ففراق بالتراضي بعد اكتشاف الخداع مع الحفاظ على ما يسمونه "  رابط الصداقة " ( رابط المصالح ), هؤلاء يعانون من المراهقة المزمنة رغم أنهم ينضجون جسديا بسرعة في العادة. و في تلك المسافة الفاصلة بين المدرسة و البيت يُدرك أن الأمر لن يتوقف إذن عند فجيعته و فجيعة طفلته, بل يستشعر أنه محمل أيضا بهذه الأمانة الثقيلة, آخر شيء تبقى من تلك التي قاسمته الحلو و المر, آخر قطعة حية منها تشهد على أنها لم تكن مجرد حلم جميل بالكاد عاشه ذات مرة, أو ربما عاشه من دون أن يُدرك ذلك حقا.... المهم, كيف يعثر على أم ملائمة ؟؟؟..

يبدو ذلك المنزل كالوحش و هو يقترب من بعيد, بصمته الغريب, بالظلال التي تخيم على غرفه و ممراته, بواجهته التي ما عادت تشبه تلك الواجهة التي كان يتطلع لها في الماضي و هو في طريق عودته من العمل. حتى حيوية الصبية الصغيرة تخف و تخف حتى تكفّ عن الكلام و الثرثرة بمجرد توقف السيارة عن باب المرأب, فهي تدرك حينها أنها فشلت في تحويل تلك البهجة التي حاولت الحفاظ عليها طيلة يومها في المدرسة إلى شيء مستمر في البيت... لأن هنالك شيء لم يعد موجود, شيء قد تغير, و كأن بها تتحول من زهرة يافعة نضرة تفيض بالحياة, إلى زهرة أصاب القحط الشديد ألوانها فجعلها باهتة حزينة لا تُعبّر عن سر الحياة فيها, فالواقع يفرض نفسه هكذا فقط و بكل بساطة دون مراعاة سن أو إحساس, حتى الأطفال يعجزون عن التحايل عليه ببراءتهم و عنفوانهم. فقط تنظر إلى عيونهم المرهقة بنظرات تحمل أسئلة لا يجدون لها جوابا و لا نستطيع نحن أن نقنعهم بأجوبتنا الناضجة... و كأن بها تتساءل في كل مرة تلمح فيها ذلك البيت في نهاية يومها الحافل بالإلهاء... لمَ أمي لم تعد موجودة لترحب بيّ أمام الباب أو في المطبخ كما كانت تفعل ذلك سابقا ؟.

آه من ذلك المطبخ الساكن.... يقول في نفسه و هو يقترب منه, يتجه ليجتهد في إعداد ذاك النزر القليل مما يتقن إعداده, مجرد أكلات سريعة التحضير تعلمها وسط هذا المجتمع الذي يقدس السرعة في كل شيء... حتى في الأمور الحميمية كتحضير وجبة العشاء لمن نحب. و في لحظة ما عندما تقدَّم خطوة إلى داخل المطبخ كأنه لمح ظلها و هي واقفة هناك تحضر شيئا ما, أكلة ما تذكرهم بدفء الوطن المشمس البعيد. لكن للحظة يعود إلى واقعه... لا وجود لأصوات طقطقة السكين على لوح التقطيع, و لا شيء يغلي في القدر, و لا برامج نسائية أو مسلسلات معروضة على شاشة ذلك التلفاز الصغير... لا شيء غير الصمت.

على وجبة العشاء راح يحاول إضفاء شيء من المرح على ابنته عبر الأحاديث و بعض التنكيت حتى أنه شغل التلفاز كالعادة و رفع من درجة الصوت, و كأن به يتعارك مع ذلك الصمت المربك و المحزن... فراح يحاول محاصرته و طرده من البيت عبر تعويذة التلفاز, كما تُطرد الأرواح الشريرة بالأدعية, لكن من دون فائدة, فهو لم يفهم أن طرد تلك الروح يفشل دائما في حال استخدام التعاويذ أو الطلاسم..., الأمر أشبه بمواجهة آلام المرض الفتاك بحبات من المسكنات. فالصمت قد استمر رغم كل شيء, بل انقلبت التعويذة على الساحر, عندما سيطر صوت التلفزيون على الموقف عبر تضارب صدى صوته في أرجاء المكان بشكل مزعج... لا مفر, فهي لم تعد موجودة.. و لن تعود, و ذاك المكان الشاغر حيث كانت تجلس كأن به ينظر إليهما باستفهام متواطئ مع قهقهة تلك المرأة السمينة على شاشة التلفاز, في ذلك البرنامج الهزلي الثقيل و الساذج, حيث راحت تقص على المشاهدين نكتها السمجة الخالية من الحِشمة, و التي تصف و تفصِّل بنوع من الافتخار مغامراتها الجنسية مع أكثر من رجل, فأجبرته على تغيير المحطة... فاته أن ما يُثير التقزز و الحرج في مجتمعه الشرقي المحافظ, يعتبر شيئا مضحكا و مسليا في هذا المجتمع الغربي العلماني.... هذه ليست ثقافتنا و لن تكون.

الطعام كان ساخنا لكنه بالكاد كان يستشعر ذلك, فتلك اللقيمات كانت مليئة بالمرارة و الكآبة, ليس فقط لغياب من كانت تُحضرها باقتدار و ثقة و تضيف لها لمسة من دفء الأم و الزوجة و حتى دفء الوطن, بل لأنه كان يدرك أنه هكذا و في هذه الغربة القاتلة, هو فعلا عاجز عن ملء ذاك الفراغ الذي تركته فقيدته في بيته و في طفلته, فراغ حوَّل هذا المنزل من عش ربيعي مليء بالحنان و الأمان بحضورها إلى كهف مظلم مليء بالرطوبة و الصمت, أنساه أيام تألقه و انتصاره و نجاحه في الحصول على هذه الحياة التي كان يحلم بها, و التي لم يتحها له بلده رغم شهاداته التي كان يعلقها على جدران مكتبه هناك, دون أن يشعر يوما بقيمتها, إلا عندما جاء إلى هذه البلاد التي تنصف الكفاءات. في تلك اللحظات كاد ينسى كل هذا, بل كاد يلعن هذه الفرصة و هذه البلاد و هو ينظر إلى الصغيرة و هي تحاول إكمال وجبتها دون أن ترفع بصرها نحوه و لو مرة, ليفهم أنها كانت في الحقيقة تُعبر عن حزنها بل و حتى حنقها على هذا الوضع. لقد كاد يلعن كل هذا الحلم الذي حققه, فقط لأنه لم يعتقد أن الأمور ستئول إلى ما آلت إليه, فيجد نفسه رجلا أرملا و وحيدا يحمل تلك الأمانة الصغيرة الغالية على عاتقه... كان الأمر سيهون لو أنه كان في وطنه بين أهله, و لكن لكل خطوة نجاح و تفوق ما يقابلها من الآلام و ألاعيب القدر و تقلبات الزمن.

بعد أن وضع الصغيرة في فراشها, تلى عليها شيئا من القصص التي اعتادت و عودته هي على قراءتها لها قبل النوم, و هو ما كان يُشعره و كأنه ليس على طبيعته في الأيام الأولى, فهذا لم يحدث له و هو صغير... قبل أن يعتاد على الأمر, عبَّر للصغيرة عن مدى حبه لها قبل أن يطبع قبلة على جبينها الصغير كما علمه آباء هذه البلاد, جعلته لأول مرة يشعر بأنها كانت قبلة لطلب السماح و العفو أكثر مما كانت قبلة للحب الأبوي, فهل يفهم الأطفال أن ظروفا كهذه تكون أقوى من أي شخص, حتى لو كان هذا الشخص هو الأب نفسه ؟.

اتجه إلى غرفته متثاقل الخطى بعد حمام ساخن و يوم حافل و طويل و هو لا يرغب في تذكر الغد, لكنه لم يفكر في الغد عندما لمح تلك الغرفة التي لم تختلف حالها عن حال المطبخ... لقد كاد يراها و هي جالسة هناك أمام مرآتها تمشط شعرها الليلي العربي الطويل, لكنها لم تكن موجودة, لا شيء أمام تلك المرآة التي كأنما كانت تسأله: أين هي الأمشاط و قوارير العطور النسائية و غيرها من أدوات الزينة التي كنت أزخر بها ذات يوم ؟؟... لم يعد عليها شيء, مجرد هيكل بلا روح لا معنى لوجوده هنا. هو جواب آخر على أن الحياة ستكون مختلفة مرة أخرى. لكنه جلس فقط و قد عجز عن صد الحنين الحارق و الحسرة المؤلمة...

يا ليته كان فراق أيام أو أسابيع أو حتى أشهر, لكنه فراق العمر فما أصبره عليه ؟. راح يتأمل ذاك السرير الفارغ. لم يكن مجرد سرير, ذاك كان عرش حبهما السابق, راح يتأمله و في عينيه شيء يشبه الدموع و قد تجمعت غصة حزن في حلقه, راح يتساءل.. كيف فاته أن يُفصِّل لها الحديث عن حبه و مشاعره في كل لحظة من تلك السنوات القليلة التي عاشت فيها بجانبه, ترى هل كانت الطبيعة التي جاء بها من بلده وراء ذلك ؟... تلك البيئة و الثقافة و السلوكيات الشعبية المتوارثة, التي تحول علاقة الزوجين إلى مجرد ميكانيزم بارد للاستمرار البيولوجي للعِرق أو لاسم العائلة على الأقل. بعض الرجال عندنا يخجلون من التعبير عن حبهم لزوجاتهم مع مرور السنين, لسبب غريب و غير مفهوم, لكن مظهره يظهر كما تظهر سذاجة منطق الصبيان... لا مسوغ له سوى أنهم يقعون في ذلك الخطأ الفادح... مزج منغصات الحياة اليومية بشكل اعتباطي و رجولي أحيانا و عن جهالة و إهمال في أحيان أخرى مع العلاقة الروتينية مع المرأة و جعلهما السبب و النتيجة معا. أو لعلها الأفكار المشوَّهة عن الرجولة و الكبرياء التي اكتسبناها من هذه الأوطان التي تعتنق كل أنواع الفلسفات الرجولية القاصرة أو الخاطئة.

شعر أنه ضيع على نفسه و عليها الكثير مما يتلذذ به الرجل علنا, و تتلذذ به المرأة العربية سِرّا, ففهم أنه و إلى جانب كل شيء, فهو قد بدأ يُشفق عليها أيضا بعد أن رحلت و هي تكبت الكثير في نفسها, هي التي تحملت معه حياة الغربة ببردها و مللها و قلقها و وحدتها, و هو ما لا تتحمله المرأة الشرقية شديدة الارتباط بعائلتها و نمط حياتها الجماعي المحافظ.

كان عليه أن يتغزل بها مع كل بسمة رآها على محياها أو ضحكة سمعها منها, كانت هذه حاجتها الدائمة... لكنها لم تعبِّر عنها يوما. كان لا بد أن يُشاكسها كصبي في لحظات الملل و يُراودها كمُقامر في لحظات الرغبة, يحضنها كفارس في دقائق الافتراق و يقبلها كمهوس عند أول لقاء, يجتذب فضولها كراهب أوقات التواضع الغامض و يُخضعها ككاهن أوقات الغرور و السيطرة, يلبسها كفنان في موسم الجنون و يهجرها كشاعر في أوقات الخصام أو في موسم الفتور, يصقلها كصائغ مجوهرات في لحظات الإلهام ثم يتملّك عليها كقرصان من فوره, يستولي عليها كفاتح ساعة العنترية و يتأملها كفيلسوف ساعات السكون. كيف فاته كل هذا و هو الرجل المتعلم و المثقف و الإطار المغترب ؟.

كيف فاته أن يُمرر أنامله على خدها كل صباح عند الاستيقاظ, كيف فاته أن يُقبل يدها مع كل فنجان قهوة قدمتها له, كيف فاته أن يُجلسها إلى جانبه ليشكرها على صبرها و تحملها البعد و فراق الوطن من أجل أحلامه و يثني على شجاعتها و وفائها له, يُعبر لها عن حاجته لها و عجزه من دونها. كيف فاته أن يرفع شعرها بين يديه ليستنشق روائح الأنوثة الممزوجة برائحة الغسول الذي كانت تستحم به, أن يداعب أنفها بأنفه, أن يخلق لها أسماء لطيفة للدلع, أن يبتكرا لهجة تخاطبهما المليئة بروح التنكيت و المفردات الغريبة و الطريفة. كيف فاته أن ينكص من وقت لآخر نحو طفولته بتقاذف الوسائد معها و مطاردتها في أنحاء البيت, كيف فاته أن يجلس معها أمام النافذة ليتفرّجا على هطول المطر أو تساقط الثلج في صمت أو مع بعض الهمسات.... راح يتساءل في نفسه...هل حقا كانت هذه الأمور مُخجلة أو صبيانية, أو مُضعفة لهيبة الرجل و منقصة من قدره و وقاره... في شيء ؟. و هل كانت مشاغل الحياة و مصاعبها حجة عقلانية حقا ؟..

لم يُصدق كيف فاته كل هذا و لمَ يتفطن له الآن ؟. فلم يستطع فعل شيء سوى الاستسلام لتلك الدموع التي ظل يصارعها مُكابرا منذ عودته و ابنته من الوطن قبل بضع أسابيع. لقد أدرك أنه قصّر في حق نفسه و في حقها, و لعله السبب في كل هذا الكرب و الحزن, لكنه أيقن أخيرا كم كان محظوظا بامرأة كتلك, و أنه كغالبية البشر, لم يُقدر ما كان بين يديه, بل لم يستمتع به بالشكل المطلوب فكان هذا الندم و هذه الحيرة و الحسرة على الضياع... كان طعم الحياة و إنجازاتها سيكون مختلفا كثيرا, و ما كان كل هذا الندم و تأنيب الضمير لِيكونا.

نام الأرمل بعد أن بللت بعض الدموع وسادته, فلم يبق له غير أن ينام و قد أحس بشيء من الراحة بعد أن اعترف لنفسه بأخطائه, لعل ذلك الاعتراف سيُصلح بينه و بين ذاته, كما قد يشفع له مع الأيام القادمة, فهو سيعود إلى مكتبه يوم غد و بعد غد..., ينظر عبر تلك النافذة متأملا و منتظرا أياما أخرى قد تحمل فرصة أخرى في الحياة. و لعل الهواء قد تتحسن نكهته و يصير خفيفا داخل صدره كما كان ذات مرة... حتما ستتحسن الأمور مهما حدث, فأنجع دواء لجراح النفس هو الزمن.                                                                                            

2010-12-09

Partager cet article

Repost 0
Amir Fennour ⴰⵎⵉⵔ ⴼⴻⵏⵏⵓⵔ - dans قصة - نثر
commenter cet article

commentaires

Présentation

  • : Le blog de Amir Fennour
  • Le blog de Amir Fennour
  • : هذه المدونة تحوي مقالات في شتى الميادين التي يهتم بها المدون, من مقالات في العلوم الاجتماعية و التراث الجزائري إلى بعض القصص القصيرة و النصوص النثرية. هي مقالات و نصوص سبق و تم نشرها في مواقع أخرى, لكن الكاتب أعاد جمعها في هذه المدونة إضافة إلى مقالات و نصوص لم تُنشر من قبل
  • Contact

Recherche

Pages

Liens